الثلاثاء , أكتوبر 22 2019

سباق بين رهانين في سورية

سباق بين رهانين في سورية

فارس الجيرودي

على نحوٍ يذّكر بالضخ الإعلامي المكثف في فترة ذروة الحرب السورية، حين كانت تزخر نشرات الأخبار بمقاطع الانشقاقات في صفوف الجيش والدولة، وتبشر «بقرب انهيار النظام»! نشهد اليوم تركيزاً إعلامياً مشابهاً تمارسه ذات الآلة الإعلامية، لكن الرسائل الدعائية هذه المرة تتمحور حول صراعٍ «إيراني- روسي» على الأرض السورية، وكان آخر ذلك الخبر الذي أذاعته قناة «العربية» السعودية، حول اشتباكات طاحنة بين جنود روس وإيرانيين في منطقة دير الزور، وهو ما استدعى نفياً رسمياً من مصادر عسكرية سورية.
في الواقع يعكس هذا التوجه الإعلامي تراجع رهان المحور «الأميركي الخليجي الإسرائيلي» على الجماعات المسلحة، التي كان يعول عليها في إنجاز مهمة إسقاط الدولة السورية، وإتمام هدف إخراج سورية من محور المقاومة، وهو الهدف الذي من أجله اجتمعت الدول الحليفة للولايات المتحدة في منطقتنا على دعم ما سمي بـ«المعارضة السورية المسلحة»، وفي مقابل سقوط الرهان السابق، صار حلم اندلاع صراع بين حلفاء دمشق، هو الأمل الأخير بالنسبة لأطراف ذلك المحور، لمواجهة النتائج العكسية التي آلت إليها الحرب السورية، فبدلاً من تفكيك محور المقاومة، عبر إسقاط الحلقة التي تتوسطه، انتهى مسار الصراع في سورية إلى تموضع القوات العسكرية لكل من حزب الله والحرس الثوري الإيراني على الأرض السورية، قريباً من جبهة الجولان، وهو ما لم تكن تحسب له الأطراف التي ألقت بالبنزين على نار الحرب السورية حساباً.
في الواقع ترتكز رهانات الصراع «الإيراني الروسي» على بعض الوقائع التي لا يمكن إنكارها، مثل الإيجابية الظاهرة التي يتسم بها شكل العلاقة الروسية الإسرائيلية، بالإضافة إلى البرودة الروسية في التعامل مع ملف الغارات الصهيونية على ما يقول المسؤولون الإسرائيليون إنه قواعد عسكرية إيرانية، ومصانع صواريخ دقيقة يشرف عليها خبراء إيرانيون.
لكن المقابل وبالاتجاه المعاكس ينهض رهانٌ آخر، يرتكز على رؤيةٍ إستراتيجيةٍ أعمق وأبعد للمصالح الروسية في منطقتنا من جهة ولطبيعة الكيان الصهيوني من الجهة الأخرى، وهو رهان محور المقاومة على حتمية تصادم المصالح الروسية الإسرائيلية في سورية والمنطقة، فروسيا وبعد النجاح المبهر لعملية تدخلها المباشر في سورية، انتقلت إلى خوض صراع عالمي، هدفه إضعاف الهيمنة الأميركية على العالم بأكمله، والإجهاز بشكل نهائي على نظام الأحادية القطبية، وهاهي اليوم ورغم تحذيرات المستشار الأمني للرئيس الأميركي جون بولتون تنشر قواعدها العسكرية وطائراتها الاستراتيجية القاذفة في فنزويلا، متجاوزةً كل الخطوط الحمر الأميركية، ومقتحمةً النصف الغربي من العالم حسب تعبير بولتون، حيث الفناء الخلفي للبيت الأميركي.
وقبل ذلك تركزت عملية التدخل العسكري الروسي في سورية على عدة عوامل طمأنت القيادة الروسية إلى أن الساحة السورية لن تتحول إلى مستنقع يستنزف الجيش الروسي، على نحو شبيه بما حدث في تجربة الجيش الأحمر السوفييتي في أفغانستان، ولعل الطمأنات الإيرانية للروس لجهة الجاهزية لرفد الدولة السورية بالمساندة البرية في مواجهة الأعداد الهائلة من المسلحين الأجانب التي كانت تدفع بها دول الجوار إلى سورية، كانت أحد أبرز عوامل الطمأنة تلك، فهل يمكن للقيادة الروسية وهي تخوض مواجهةً عالمية مع الولايات المتحدة أن تفكر بالتخلي عن عامل القوة ذاك؟ خصوصاً في مواجهة حقيقة أن إسرائيل ومهما حاول قادتها أن يناوروا في علاقتهم بين الدول الكبرى، لا تستطيع بالمحصلة النهائية أن تتجاوز كونها أداة للهيمنة الغربية في منطقتنا، ولذلك فإنها بطبيعة الأشياء وعندما تحين لحظة الحقيقة، ستكون بلا شك إحدى أوراق واشنطن لمحاولة الإطاحة بكل ما حققته روسيا في سورية من إنجازات.
في السياق ذاته، هناك العديد من الوقائع التي همشتها الآلة الإعلامية الخليجية المهيمنة على الوعي في منطقتنا، والتي تدعم رهان محور المقاومة ذاك، لعل أبرزها حادثة سقوط الطائرة الروسية إثر غارة إسرائيلية العام الماضي، وما جنته سورية نتيجة ذلك من الحصول على أحد أحدث أنظمة الدفاع الجوي «إس 300» بنسختها المعدة لاستخدام الجيش الروسي، وليس بنسختها التصديرية الأقل فاعلية، بالإضافة لحادثة إسقاط الطائرة الإسرائيلية «إف 16 صوفا» عام 2017 بصواريخ الدفاعات الجوية السورية، وهو ما لم يحدث نظير له قبل التموضع الروسي في سورية، فبينما تعرضت شبكات الدفاع الجوي السوري إلى دمار كبير على يد المجموعات المسلحة التي كانت تقاتل الدولة السورية، تستطيع هذه الأنظمة الدفاعية ذاتها اليوم مواجهة الغارة الإسرائيلية الواحدة بإطلاق 40 صاروخا مضاداُ للطائرات أو أكثر، ولا شك أن هذا التطور في أداء الدفاع الجوي السوري لم يكن ليتحقق لولا الدعم الروسي.
الأكيد أن لروسيا أولويات مختلفة تماماً عن أولويات محور المقاومة، فهي تقدم نفسها اليوم للعالم كدولة عظمى، وهي لذلك تحرص على علاقات إيجابية بكل الأطراف، كما أنها ليست معنية بشكل مباشر بقضية الصراع مع إسرائيل، وهي قضية محور المقاومة الأولى، لكن روسيا بالمقابل وكما أثبتت التجربة لن تكون حزينة، لو ألحق تحالف سورية إيران حزب الله هزيمة بالعنجهية الإسرائيلية بواسطة السلاح الروسي، على نحو شبيه بما حدث في حرب تموز 2006 عندما دمر صاروخ «الكورنيت» الروسي أسطورة «الميركافا» الإسرائيلية، فارتفعت نتيجة ذلك مبيعات السلاح الروسي إلى نسب قياسية، وحسب ما يتسرب من معلومات من مطلعين، وحتى من المصادر الصهيونية ذاتها، فإن هذا هو السيناريو الذي تجهز له غرفة عمليات محور المقاومة ليل نهار، والذي لن تفلح الغارات الإسرائيلية في إجهاضه.
الوطن