الجمعة , أكتوبر 18 2019
مع اشتداد الحرب الاقتصادية

مع اشتداد الحرب الاقتصادية.. سورية تتسلح بتجربة الثمانينيات

مع اشتداد الحرب الاقتصادية.. سورية تتسلح بتجربة الثمانينيات

ليس بعيداً في الزمن ولا على مسافة طويلة بين حصار وآخر، تمدّ سورية جسر التجربة ذاتها التي عبرت بها مطبات المحاصرين سابقاً، وتطورها اليوم لتلائم الواقع المستجد، من حصار ثمانينيات القرن الماضي إلى سيزر القرن الحالي يتجذّر الإيمان أكثر بأن البلد القويّ هو من يأكل مما يزرع ويلبس مما يصنع، من هنا أصرّت الحكومة السورية وبشكل غير مسبوق على الاتجاه نحو الإنتاج ودعمه بكل مراحله، والتركيز على جناحيه الأساسيين الصناعي والزراعي، وهو الأمر الوحيد القادر على الوقوف في وجه التغوّل الذي يمارسه أعداء سورية وصدّ الحصار الذي يستهدف خبز المواطن، فأخذ الإنتاج الزراعي بشقه الحيواني اهتماماً ورعاية جادة من ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ، حيث عملت على ﺗﻘﺪﻳﻢ ﺍﻟﺪﻋﻢ ﻟﻤﺮﺑﻲ ﺍﻷﺑﻘﺎﺭ بمشروع توزيع البكاكير، وتقديم الدعم لكل المربين ﻭﺗﺸﺠﻴﻌﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻮﺩﺓ ﻟﻤﺰﺍﻭﻟﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺸﺎﻁ ﺑﻬﺪﻑ ﺧﻠﻖ ﻓﺮﺹ ﻋﻤﻞ ﺗﺴﺎﻋﺪ ﻋﻠﻰ ﺗأﻣﻴﻦ ﺍﻟﺪﺧﻞ ﺍﻟﻼﺯﻡ ﻷﺳﺮﻫم.

تعويض

الدكتور وسام إبراهيم النصر الله رئيس مجلس إدارة المؤسّسة العامة للمباقر يصف هذا المشروع بالمهمّ والكبير، كونه يهدف إلى تعويض جزء من قطيع الأبقار، الذي خسرناه في هذه الأزمة، ورفد شرائح محدودي الدخل بمردود خاص لهم، وبالتالي تأمين فرص عمل لأهالي الريف الذين يعتمدون على الزراعة وعلى تربية الحيوانات المنتجة. وفي شرح مستفيض يوضح النصر الله تفاصيل المشروع الحكومي، إذ يشير إلى الدﻋﻢ المادي المباشر ﻟﻠﻔﻼﺣﻴﻦ المقدّم من الحكومة ﻟﻠﺤﺼﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺑﻜﺎﻛﻴﺮ ﺍﻷﺑﻘﺎﺭ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﻤﺮﺩﻭﺩﻳﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻴﺔ ﻭﺍﻟﻨﻮﻋﻴﺔ الممتازة، مع الإشارة إلى أن ﺩﻋﻢ ﺳﻌﺮ ﻣﺒﻴﻊ ﺍﻟﺒﻜﻴﺮﺓ نحو 500 ألف ليرة ﻟﻠﻤﺴﺘﻔﻴﺪ، ﻟﻴﺼﺒﺢ ﺍﻟﺴﻌﺮ ﺍﻟﻨﻬﺎﺋﻲ ﻟﻠﺒﻴﻊ 919500 ﻟﻴﺮﺓ ﺳﻮﺭﻳﺔ ﺑﺪﻻً ﻣﻦ 1415000 ﻟﻴﺮﺓ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺪﻋﻢ للمستفيد نقداً، ﻭﺩﻋﻢ ﺳﻌﺮ ﻣﺒﻴﻊ ﺍﻟﺒﻜﻴﺮﺓ ﻟﻠﻤﺴﺘﻔﻴﺪ بالتقسيط ﻟﻴﺼﺒﺢ ﺍﻟﺴﻌﺮ ﺍﻟﻨﻬﺎﺋﻲ ﻟﻠﺒﻴﻊ 1250000 على أن تكون الدفعة الأولى 250 ألفاً والباقي على خمس سنوات.

مدير عام المصرف الزراعي المهندس إبراهيم زيدان بيّن أن تعليمات الحكومة صارمة بشأن تسهيل عملية التقسيط للفلاحين الراغبين بشراء البكاكير نقداً أو تقسيطاً، حيث يشرح الإجراءات المتّبعة في عملية التمويل ويصفها بأنها مبسّطة وسلسة جداً فكل ما يحتاجه الفلاح للحصول على البقرة هو كفيلان من الموظفين أو الصناعيين أو التجار أو المزارعين أو رهن عقار وذلك حسب المبلغ المقسّط، فإذا كان المبلغ أقل من مليون ليرة يكتفي المصرف بالكفيلين، أما إذا زاد المبلغ عن المليون ليرة سورية فالفلاح يحتاج إلى رهن عقار يملكه.

مشروع استراتيجي

لم يكن المشروع تجربة صغيرة أو عابرة، بل هو استراتيجية تتبعها الحكومة ليكون الإنتاج الركيزة الأساسية لتحصين الأمن الغذائي للمواطن، ومن هنا لم تكتفِ باستيراد أعداد محدّدة بل سعت لاستيراد عدد جيد وتطويره بشكل مستمر، حيث يوضح وسام أنه تمّ استيراد 5012 رأساً موزعة كما يلي: 2194 رأساً للمؤسسة العامة للمباقر وخُصّص 2335 رأساً للمربين. بينما وزعت المؤسّسة 350 لأسر الشهداء واحتفظت بـ 20 رأساً للبحوث العلمية، علماً أنه يوجد حالياً في محطة زاهد 35 رأساً مخصّصة للبيع.

ويوضح وسام رؤيته لأهمية هذا المشروع وضرورة تشميله بأكبر عدد ممكن من المربين ونشره أفقياً بطريقة تضمن تحقيق الأهداف المرجوة منه، هذا إضافة إلى إمكانية الاستفادة من تجارب الدول المتطورة في صناعة الإنتاج الحيواني والتي أصبح عائدها الاقتصادي مرتبطاً بشكل كبير بالزراعة، وخاصة الشق الحيواني وإنتاج اللحم والحليب وتصنيع المنتجات منها، وأن العرق المستورد وهو “الهوليشتاين فريزيان” من العروق المهمّة عالمياً ومن العروق المتأقلمة مع الظروف البيئية الحالية، وهو من أحسن السلالات في مجال إنتاج الحليب الذي يبلغ متوسطه في 305 أيام نحو 7 إلى 8 أطنان حليب بنسبة دهن 5ر3 إلى 7ر3 وهذا المتوسط يزيد بشكل مطرد، ما يؤدي إلى مساهمة هذه الأبقار في تعويض النقص في السوق المحلية من الحليب ومشتقاته من جهة، ومن خلال المواليد الذكور (العجول) لسدّ حاجة السوق من اللحم الأحمر الطازج، لافتاً إلى ضرورة المحافظة على السلالات المحلية والتي تعدّ ثروة وطنية بكافة فئاتها (أبقار، خيول، ماعز شامي)، وإطلاق معارض بهذه السلالات المحلية. وشدّد على ضرورة ربط التأهيل بالتنمية، حيث يرمي هذا الربط من وجهة نظرة إلى تنفيذ برامج التأهيل ذات المنحى التنموي للخروج من برامج الإغاثة والتوجّه نحو الفكر التنموي، لأن تربية الأبقار تلعب دوراً مهماً في الاقتصاد الزراعي السوري، والجدوى الاقتصادية من مشاريعها تكمن في إنتاج حليب أبقار ومشتقاته ولحم عجول مسمّنة والبكاكير حوامل للتربية وتشغيل الأيدي العاملة الريفية، وتحقيق الأمن الغذائي والتنمية الريفية للفلاحين، وهذا كله يندرج ضمن رؤية حقيقية لاقتصاد مبنيّ على الذات في كافة مراحله.

نقلة غير مسبوقة

وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي ترى أن عملية استيراد الأبقار نقلة غير مسبوقة وعمل تنموي ضخم يستلزم تهيئة الأرضية المناسبة لتلك العملية، وهذا ما قامت به الوزارة من تطوير وتحديث المباقر والمنشآت المرافقة لها وتأمين مستلزماتها العلفية والدوائية، وإنشاء معامل لتصنيع المنتجات والاستفادة من مخلفاتها وثمّ تسويقها وتوفير أماكن في المباقر تتسع للأبقار المستوردة. ويؤكد مدير عام المصرف الزراعي أن المشروع ناجح جداً ومستمر، ويستدل على نجاحه بالعدد الكبير من الفلاحين الذين استفادوا من المشروع وتزايدهم بشكل مستمر، حيث يؤكد أنه تمّ توزيع أكثر من 2100 رأس حتى الآن والتي تجاوز ثمنها المليار و600 مليون ليرة سورية.

تجربة أبو أحمد أحد المستفيدين من المشروع، ربّ لأسرة مؤلفة من سبعة أشخاص قام بشراء ثلاث من البكاكير المستوردة منذ أكثر من عام، وهو الآن لا يجد وقتاً هو وأولاده لأي عمل آخر، فقد ولدت البكاكير وأصبحت ستاً وهي تشغّل العائلة كلها وتؤمّن مصدر رزق ممتازاً ودائماً طيلة العام -كما يقول- وهو الآن بصدد بيع اثنين من العجول التي ولدتها الأبقار ليشتري بثمنها بكيرة جديدة، وبهذا سيملك خمسة رؤوس ستكون جميعها حلوباً خلال أشهر.

آمال معقودة

نائب رئيس اتحاد فلاحي حمص المهندس موفق زكريا وصف عملية استيراد الأبقار بـ”النوعية”، وخاصة في ظل الآمال المعقودة عليها لترميم الثروة الحيوانية التي استُنزفت على نحو كبير جراء الحرب وتهريبها خارج البلد، وسيؤدي هذا المشروع حكماً إلى توافر المشتقات الحيوانية من الألبان والأجبان وانخفاض أسعارها بشكل ينعكس على جيوب المواطنين إيجاباً، مؤكداً أن مشروع الاستيراد من أهم المشاريع التي قامت بها الدولة على مستوى قطاع الإنتاج الحيواني وتطويره كهدف أساسي في المرحلة القادمة، ليغطي أكبر عدد ممكن من المستفيدين وخاصة في المناطق ذات المحتوى العلفي الأخضر.

ليس المشهد غريباً.. سواء من جهة الحصار الذي يُشنّ على سورية اليوم أو بالمقابل من جهة معركة عضّ الأصابع الاقتصادية والصبر الحكيم التي تتقنه سورية، معتمدةً على تجربة التاريخ التي انتهت بانتصارها وتغلبها على الحصار فيما مضى. ومن باب الختامية المنطقية، فإن النصر سيكون حليف سورية في هذه المعركة أيضاً.

المصدر : البعث