الثلاثاء , أكتوبر 20 2020

زيلينسكي رئيسا لأوكرانيا: اين موقعه في لعبة شدّ الحبال الروسية الغربية؟

زيلينسكي رئيسا لأوكرانيا: اين موقعه في لعبة شدّ الحبال الروسية الغربية؟

محمد زرقط

لم يكن مستغربا أبدا فوز المرشح الشاب للرئاسة الأوكرانية الممثل الكوميدي ​فلاديمير زيلينسكي​، الذي حقّق تقدما ساحقا على منافسه ​بيترو بوروشينكو​ في الدورة الإنتخابية الأولى، ومن ثم فعلها مجددا في الدورة الثانية حيث نال زيلينسكي 73.22 بالمئة من أصوات الناخبين، بينما حصد بوروشينكو 24.45 بالمئة فقط.

يعلق الشعب الأوكراني آمالا كبيرة على آداء زيلينسكي في فترته الرئاسيّة، لا سيما أن ​أوكرانيا​ تعاني من أزمات سياسية وعسكرية شرق البلاد، وأزمة توتر مع ​روسيا​، ما انعكس تلقائيا على الوضع الإقتصادي وأدى الى انحدار النمو وبالتالي بروز الأزمات الإجتماعية على رأسها البطالة والهجرة. وكما يبدو فإن مهمة زيلينسكي شديدة الصعوبة حيال اخراج أوكرانيا من محنتها.

لماذا زيلينسكي؟

شهدت أوكرانيا منذ اندلاع “الثورة البرتقالية”(1) حتى اليوم تقلبات سياسية عديدة، وكانت تنحسر بين معسكرين، الموالي للغرب والموالي للشرق، لذلك كان فوز زيلينسكي أشبه بصدمة للجميع.

وانطلاقا من هنا، اعتبر استاذ العلوم السياسية في جامعة سيفاستوبول الدكتور عمار قناة في حديث لـ”النشرة” أن “فوز زيلينسكي في الإنتخابات الأوكرانية، جاء نتيجة ردّة فعل الشعب الاوكراني على التطرف القومي الذي مورس في السنوات السابقة، والتصعيد العسكري مع روسيا الذي يعاني منه هذا الشعب”، مشيراً الى أن “الإدارة السابقة فشلت بسياساتها، حيث أن آداءها أدى الى تدمير الطبقة الوسطى”.

من جهته، اعتبر رئيس تحرير موقع “اوكرانيا بالعربية” محمد فرج الله أن “الأوكران اختاروا زيلينسكي ليتأكدوا من أنّ رموز السلطة ستحترم خيارهم بعد ثورتهم في عام 2014، وأن السلطة ستنتقل بشكل سلمي بناءً على خيار الشعب بديمقراطية، اضافة الى أنّ زيلينسكي اتّبع برنامجا انتخابيًّا مختلفا عبر السينما، فهذه اول مرة يقوم ممثل بتجسيد دوره من خلال مسلسل ومن ثم يترشّح الى المنصب الذي لعب دروه”.

أوكرانيا بتموضع جديد؟

آداء بوروشينكو أثناء وجوده في سدّة الرئاسة الأوكرانيّة ساهم في توتير العلاقات مع روسيا، ورفع مستوى العداء بين البلدين الجارين، وذلك بسبب انحيازه الشديد غربا، متجاهلا رغبة سكان شرق وجنوب البلاد بالبقاء في أحضان روسيا. فعاشت البلاد في تخبّط بين الشرق والغرب.

وأشار قناة الى أن “أوكرانيا دولة برلمانيّة رئاسيّة وسيعتمد القرار السياسي الأوكراني في العلاقات مع روسيا على الجانبين، والعلاقات ستفرضها الحالة السياسيّة بعد الانتخابات البرلمانيّة الجديدة”، معتبراً ان “أوكرانيا لا زالت مسرحا للعمليات الجيو-سياسية والتي يستخدمها الغرب للضغط على روسيا”، ومعتقدا أنه “بعد خمس سنوات يمكن أن نرى حالة سياسيّة جديدة لأوكرانيا يؤدّ الى تطوّر بالعلاقات بين البلدين”.

بينما اعتبر فرج الله أن “الأزمة مع روسيا لا يمكن لأيّ لون سياسي أوكراني حلها أو التمكن من التوافق مع موسكو، لأنّ الأخيرة دولة محتلّة ومعتدية، وبحال تراجعت روسيا وسحبت قواتها هذا سيؤدي الى مزاج جديد، قد يؤدي الى نزع فتيل التوتّر، واذا لم يحدث ذلك سيكون لزاما على زيلينسكي الاستمرار في بناء الترسانة العسكريّة وبناء الجيش الذي بدأ به سلفه بوروشينكو”.

أزمة الإنفصاليين والدونباس

لعلّ التحدي الداخلي الأكبر أمام زيلينسكي هو بوجه الإنفصاليين في إقليم الدونباس شرقي البلاد، حيث أدّت المعارك في هذه المنطقة الى انتشار قاطنيها في مختلف المحافظات الاوكرانية، ما شكّل ضغطا على كل اوكرانيا وضاعف الأزمة الإقتصاديّة.

وهنا لفت فرج الله الى أن “زلينسكي الممثل والرئيس أمران مختلفان، فالرئيس وعد بأن ينهي حرب الدونباس مع روسيا وأن يقود أوكرانيا نحو الازدهار وإنهاء الفساد، وهنا يجب ان ننتظر المئة يوم الأولى، ولكن لا يمكن نجاحه الا اذا عاونته الدول الخارجيّة، وهذا ما لن يحصل إذ أن الرئيس الروسي ​فلاديمير بوتين​ قام مؤخرا بخطوة استفزازيّة وهي المصادقة على قانون منح الجنسيّة الروسيّة لسكان الدونباس”.

ومن جهته، أكد الدكتور قناة أن “قضية الدونباس خرجت من النطاق الاوكراني وتعتبر دوليّة، وآليّة الحلّ وضعت من خلال رباعيّة النورماندي و​اتفاقية مينسك​”، مشيراً الى أن “روسيا لغاية اليوم تعتبر جانبا مراقبا في النزاع الاوكراني، وهي لا تعتبر دانيتسك و​لوغانسك​ دولا مستقلّة، لكنها تنظر بعين العطف الى المواطنين الأوكران الذين يقطنون هذه المناطق، وتقدّم لهم المعونات للحفاظ على وحدة هذه المكوّنات من التغطرس والعنف الاوكراني”.

لا بد من الاعتراف بأن وصول زيلينسكي الى سدّة الرئاسة الأوكرانيّة خطوة جريئة قام بها الشعب في البلاد، وهذا الأمر إن دلّ على شيء فهو أن الشعب سئم المماحكات وشد الحبال بين الجانبين الشرقي والغربي، وسئم كونه “كبش فداء” لهذا الصراع الذي يدفع ثمنه شعب انقسم الى معسكرين ويتلاطم بين الشرق والغرب، فاختار ممثلا كوميديا لا يفقه في السياسة شيئا، لعله يكون خشبة خلاصه التي تعبر به الى برّ الامان، وينهي حرب الدونباس التي تمخض عنها كل ما يحلّ في أوكرانيا من أزمات.

1- اندلعت عبر سلسلة من الاحتجاجات والأحداث السياسية وقعت في أوكرانيا من أواخر تشرين الثاني 2004 حتى كانون الثاني 2005، في أعقاب جولة إعادة التصويت على الانتخابات الرئاسية الأوكرانية 2004 والتي قيل أنها الفساد شابها بشكل واسع.
النشرة