الجمعة , أغسطس 23 2019

ما هو أبعد من التطبيع!

ما هو أبعد من التطبيع!

محمد علوش

يوماً بعد آخر، يتّسع باب التطبيع العربي مع إسرائيل على صُعدٍ سياسية ودينية وثقافية واجتماعية في وقت يغلق فيه باب الحوار والتعاون رويداً رويداً مع دول مسلمة وجارة للعالم العربي تحت عناوين ومبرّرات مختلفة. وما كان لهذا الإخراج أن يتمّ في صورته التراجيدية تلك لولا أن قراراً رسميا دُبّر بليل يدفع المجتمعات نحو الارتماء في أحضان مَن يمثل أبرز تجليات العداء والنفي والإلغاء للكائن العربي في فلسطين وغيرها.

وقبل الحديث عن تمظهرات التطبيع مع الاحتلال لا بدّ من وضع تعريف واضح للتطبيع الثقافي والاجتماعي. فهو كما تعرفه “الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل”، “المشاركة في أيّ مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي، مُصمّم خصيصاً للجمع (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) بين فلسطينيين (و/أو عرب) وإسرائيليين (أفراداً كانوا أم مؤسّسات) ولا يهدف صراحة إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكل أشكال التمييز والاضطهاد الممارَس على الشعب الفلسطيني”

بحسب التعريف، فإن التطبيع في بُعديه الثقافي والأكاديمي يتمثّل في إقامة أيّ نشاط أو مشروع يساوي بين “الطرفين”، الإسرائيلي والفلسطيني، في المسؤولية عن الصراع، أو يقدّم الرواية الصهيونية كرديفٍ للرواية الفلسطينية عن جذور الصراع وحقائق الاقتلاع والتهجير ، أو يتجاهل حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير كما يتجاهل حقوقه المكفولة بموجب القوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة الخاصة.

تاريخياً، فكرة رفض التطبيع مع إسرائيل ومقاومة جميع أشكاله أخذت بُعداً رسمياً في القمّة العربية التي عُقِدَت في الخرطوم عام 1967، حيث خرجت القمّة في حينه على خلفية الهزيمة التي لحقت بالعرب بثلاث لاءات “لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض” مع إسرائيل، وتعهّدت بدعم النضال الفلسطيني عبر دعم منظمة التحرير الفلسطينية كممثّل رسمي للنضال الفلسطيني والعربي ضدّ الاحتلال.

وتعتبر اتفاقية “كامب ديفيد” بين مصر وإسرائيل عام 1979التي أنهت حال العداء بين البلدين أول إسفين دقّ في قلب العالم العربي، حيث خرجت مصر من معادلة الصراع وتحوّلت إلى جهة تعمل على تسويق إسرائيل كدولة جارة وصديقة ويمكن العيش معها بسلام وأمان.

رغم الزلزال الذي ضرب منظومة العمل العربي الرسمي بخروج مصر من الصراع إلا أن جدار مقاومة التطبيع الرسمي لم ينهار إلا مع بدء مفاوضات أوسلو ومدريد أوائل التسعينيات التي انتهت بتوقيع اتفاق “وادي عربة” بين إسرائيل والأردن، وإزالة منظمة التحرير الفلسطينية من ميثاقها بند القضاء على إسرائيل وإسقاطها البندقية من خيارات التفاوض، وصولاً إلى دعم عربي رسمي من الخليج إلى المحيط إقامة علاقات اقتصادية مع إسرائيل وفتح مكاتب تجارية معها.

ومع تعثّر مشروع أوسلو أو إجهاضه عبر القَضْم الإسرائيلي المركّز والممنهج لكافة بنوده المتعلقة بالمكتسبات الفلسطينية، بدأ يخفت مشروع التطبيع العربي رسمياً في ظاهره وإن لم ينقطع تماماً، إلى أن تحوّل إلى حق فردي لكل دولة عربية في تقييم وهندسة علاقاتها مع إسرائيل بعيداً عن أعين الإعلام.

واستتباعاً للزلازل التي سببّتها الانتفاضات في الشارع العربي عام 2011، وانهيار منظومة العمل العربي بشكل تام، وصعود موجات الكراهية العربية الرسمية لدول إقليمية صاعِدة مثل إيران وتركيا لأسبابٍ لا مجال لذِكرها الآن، طُرح مشروع التحالف مع إسرائيل في مواجهة التحديات الإقليمية للأنظمة العربية الخائِفة على عروشها. وبدأ التطبيع يأخذ أشكالاً مختلفة وصولاً إلى التطبيع الثقافي والاجتماعي ولا سيما في دول الخليج. فقد حقّق عام 2017 سبقاً تاريخياً على صعيد التطبيع الديني والثقافي حين وصل رجال دين بحرينيون إلى تل أبيب بدعم رسمي تحت يافطة دعم التسامُح بين الأديان. وكانت البحرين ولا تزال من أكثر الدول الخليجية تحمّساً علنياً للتطبيع مع إسرائيل حيث لا يكفّ مسؤولون رسميون فيها من التغزّل بإسرائيل ، إذ كشف الملك حمد بن عيسى آل خليفة، عن نيّته التطبيع مع إسرائيل علناً. ثم في العام 2018 التقى وليّ العهد السعودي محمّد بن سلمان زعماء الجالية اليهودية في ولاية نيويورك، متّهماً في حينه الفلسطينيين بتضييع فُرَص السلام مع إسرائيل.

وكم كان الأمر مدهشاً ومحزناً، حين عرضت شاشات التلفزة الحفاوة التي تلقّاها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عُمان خلال زيارته التاريخية لها ولقائه السلطان قابوس.

ولم يزل الذهول مطلقاً، حين أعلن الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، محمّد العيسى أنه سيزور معسكر أوشفيتس الذي شهد تنفيذ المحرقة اليهودية ، كاشفاً في الوقت عينه عن ترتيب رابطة العالم الإسلامي ومقرّها مكّة المكّرمة زيارة لوفد من الهولوكوست إلى السعودية.

وهكذا لم يقتصر التطبيع على المستوى الرسمي بل شمل قطاعات ثقافية وإعلامية ورياضية وفنية حيث تشارك بعض القطاعات العربية وفوداً إسرائيلية في مؤتمرات تحت عناوين مثل: التسامُح والتعايُش والتعاون. ويكفي المرء أن يتابع فقط ما تغصّ به مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الأقلام الصحافية في الخليج ليقف على حجم الترويج والتزيين والإعجاب بإسرائيل والتحمّس والتحيّز لها ضد عموم الفلسطينيين.

هذا الانحدار المخيف في سلّم القِيَم السياسية والثقافية والاجتماعية يُنذِر بتفكك الهوية عند الفرد العربي وقرب انهيار توازنه النفسي مع انقلاب المعايير رأساً على عقب ، الأمر الذي يُهدّد المجتمعات العربية ويحوّلها إلى تجمّعات بشرية مُتلاطِمة ومُتصادِمة القِيَم والتوجّهات. فالتطبيع مع المجرم لا يعكس سلوكاً سياسياً واجتماعياً متزّناً في عُمر المجتمعات السوية. والتطبيع العربي في ظلّ الأوضاع الراهنة هو حال مرضية أقرب إلى جَلْد الذات وإنكار المسلّمات بحثاً عن خلاص لتأنيب ضمير مُزمِن. وهو أبعد من موقف سياسي تتّخذه دولة أو مجموعة دول عربية تجاه الاحتلال الإسرائيلي. هو باختصار إعادة ترتيب منظومة القِيَم الاجتماعية والسياسية حيث يتحوّل فيها القوي الظالم الغشوم إلى جهة تستحق الاحترام والتقدير ، ويسعى إلى التقرّب منه والتودّد إليه والاحتماء به من خطر متوهّم أو محتَمل. ورغم أن الجهة المحتلة هي جهة مؤكّد خطرها على مستقبل ووجود المجتمعات ، إلا أنها تتحوّل وتحت ضغط العجز النفسي والسياسي من ملاحقة الحق والاستحصال عليه ، إلى جهة محبَّب التواصل معها. والأمر أقرب في حالته هذه إلى “مُتلازِمة ستوكهولم” وهي ظاهرة نفسية تصيب الفرد أو الجماعة عندما يتعاطف أو يتعاون أفرادها مع عدو أو مَن أساء إليها بشكلٍ من الأشكال، وسميت كذلك نسبة إلى تعاطف مجموعة من الرهائن مع خاطفيهم اللصوص خلال عملية سطو على بنك وسط العاصمة السويدية ستوكهولم عام 1973.
الميادين