الإثنين , أغسطس 19 2019
الطفل اللقيط في الشرق السوري .. الكرد بين القاضي ترامب والجلاد اردوغان

الطفل اللقيط في الشرق السوري .. الكرد بين القاضي ترامب والجلاد اردوغان

الطفل اللقيط في الشرق السوري .. الكرد بين القاضي ترامب والجلاد اردوغان

اذا كنت من هواة قراءة القصص والخيال والمغامرات فنصيحتي الخالصة لك ان تترك مابين يديك من قصص وتتوجه لقراءة منشورات وكتابات المثقفين العرب الذين يكتبون بالاجرة وبالدولار ويقدمون تحليلا هناك لكل من يدمن قراءة قصص الخيال .. فهؤلاء الكتاب الذين لايزالون يكتبون لم يحاسبهم قراؤهم على ان ماكتبوه هو الهواء والخواء والمخدرات ..

لأن القراء مستمتعون بسلسلة الخيال العلمي والسياسي وأحلام اليقظة للاخوان المسلمين .. وأنا أقترح على كتاب نصوص مسلسلات الأطفال التي تسلي الصغار ان يرجعوا الى قصص وتحليلات الثورجيين لتحويلها الى قصص للاطفال ..

وربما الى قصص مسلسلات رمضانية التي تكتب يوميا منذ 8 سنوات في استانبول والامارات وقطر والسعودية وتل ابيب ولندن لتسلي الناس بالقصص الكيماوية الرهيبة وقصص الغواصة الروسية وقصص تحرير سورية من ايران وروسيا وحزب الله ووو ..

وآخر هذه القصص المشوقة هي قصة القاضي والطفل اللقيط والجلاد .. والتي ستنافس قصة احدب نوتردام الشهيرة لفيكتور هوغو .. لكثرة مافيها من تشويق واثارة وتحدّ للاعصاب .. وتدور احداث هذه القصة في شرق الفرات السوري ..

فكيف ستحل اميريكا معضلة الشرق السوري العويصة؟ يظن البعض ان معضلة اميريكا في الشرق السوري سهلة الحل لأن لاميريكا خبرة في التعامل مع المتضادات والمتناقضات وخلافات الحلفاء .. فهي شهدت الصراع التركي اليوناني ولم تخسر ايا منهما .. وهي التي شهدت الصراع بين حليفيها البريطاني والارجنتيني في جزر الفوكلاند وبقيت محافظة على التوازن بينهما ولم تخسر ايا منهما..

ولكن هل هو ذات الأمر في الشرق السوري حيث تقف اميريكا كالقاضي بين الجلاد وطفل مكتوم النسب سرقه اللصوص ورموه في الطريق .. اي بين الاتراك والاكراد .. وتحاول انصاف الطرفين وارضاءهما في نفس الوقت ..وتقدم رشوة للطرفين ..

وحسب مايتم تناقله في الاجتماعات التي لاتنتهي والتي يقودها الامريكان للتوفيق بين رغبات الطرفين اللذين لايلتقيان كخطين متوازيين فان الامريكيين يحاولون تقديم حل توافقي يرضي الطرفين .. فحسب خطة التسويق الاميريكي لمشروع الكيان الكردي المزعوم في الشرق السوري فان الغضب وسوؤ التقدير قد أعمى عيون الاتراك فيما يخص الكرد ..

فالكيان الكردي ضرورة تركية ايضا كما هي ضرورة امريكية وربما أكثر .. لأن مصلحة تركيا هي مصلحة اميريكا في ألا يتلاقى العراق وسورية على الاطلاق وخاصة اذا انضمت اليهما ايران .. لأن هذه الكتلة السورية العراقية المتناغمة الهائلة في الجنوب ستعني نهاية حتمية لكل نفوذ تركيا في التدفق نحو الجنوب العربي مستقبلا واضعاف الجنوب العربي هو ماسيبقي امل تركيا في النفوذ جنوبا .. وسيصبح نداء ولاية حلب والموصل نكتة مضحكة في الشرق اذا التحمت الحدود السورية العراقية مجددا ولو في دولتين مستقلتين ..

ورأي الاميريكيين هو انه اذا كان الاتراك غير قادرين على الحصول على الموصل وحلب الان فان عليهما ان يتركا حلب والموصل منفصلتين تماما كما كان الوضع منذ الحرب العالمية الاولى واتفاقية سايكس بيكو .. فقد حافظ العراقيون والسوريون على الانفصال بين حلب والموصل الى ان حرك الحدود ذلك الربيع العربي والطموح التركي وقيام حلم الدولة الاسلامية الاخوانية الذي كان سيسلم الموصل وحلب الى تركيا ..

وكان انهيار المشروع الاسلامي سببا في ان يتقدم العراقيون والسوريون للتكامل اكثر والتلاقي لمنع حدوث طموحات تركية مستقبلا .. ولذلك فان اكثر قوة ستحافظ على المصلحة التركية في ابعاد حلب والموصل عن ايدي العرب هي القوة الكردية المضبوطة الايقاع والمربوطة من عنقها بالقيود لأنها ستكون تحت اشراف اميريكي صارم ..

وسيعطي الاميريكيون للأتراك وضع المراقب الامني في كل غرف العمليات الكردية بحيث تشرف تركيا مع اميريكا كدولتي ناتو حليفتين على كم ونوع السلاح واعداد المقاتلين كيلا يحدث خطر امني على تركيا .. ولتبديد القلق التركي فانه سينشأ كيان مواز للكرد في الشرق السوري قوامه العشائر العربية التي ستدين بالولاء لتركيا وتكون هذه التشكيلة الكردية العربية نوعا من الكوابح للكرد لتعطيل اي نزعة للاستقلال ..

ويشبه عملها الكتل السياسية اللبنانية التي تعطل نشاط بعضها بالتناقضات وتجعل لبنان مشلولا وبيئة غير آمنة لسورية وشاغلة لها .. والاهم ان الكيان الكردي لن يكون له ممر لتصدير وتلقي اي واردات الا عبر تركيا التي ستمسك بخوانيق الاكراد وتتحكم بالماء والغذاء وكل الامدادات الحيوية بحيث انها تمسك بصنبور الحياة للأكراد السوريين الذين سيكونون ملزمين بتصدير النفط وكل المحاصيل والانتاج الاقتصادي الى تركيا بأسعار تفضيلية وحسومات كبيرة للغاية ..

ولامانع لأميريكا من اجراء عملية ترانسفير سكاني بالتشجيع الاقتصادي حيث سيفتح باب الهجرة الى الجنوب حيث فرص عمل كثيرة ومجزية الاجور .. ونقل جزء من اكراد تركيا الى الجزء السوري للتخلص من عبئهم السكاني وقدرتهم على اثارة القلاقل فتتخلص من كثافتهم في جنوب تركيا ..

الاقتراح الامريكي الذي يراد للعاب التركي ان يسيل له يلقى استحسانا لدى الاكراد الذين يأملون ان يتم توظيفهم واستئجارهم مؤقتا لأول مرة في المنطقة بدور كومبارس ضروري .. ولايداخلني شك وأنا أستمع لبعض الانفصاليين الكرد في الاحاديث الخاصة ان الكرد يظنون انهم يبيعون دورهم ويقبضون ثمنا بخسا الآن ولكنهم يراهنون على ان الكيان الكردي اذا ماتم تثبيته فانه سيكون اهم لاميريكا من تركيا في المنطقة لأنه سيكون حارس الحدود السورية العراقية ..

وهو دور حساس لايمكن لأحد ان يقوم به علنا وله مصلحة فيه سوى الكرد .. وهم يقولون ان تركيا قبلت بكرديتنا العراق وتعاونت معها وكان اردوغان يصافح مسعود البرزاني ويحتضنه بقوله (أخي مسعود) .. فلم لايقبل بما هو أقل وأنفع له بكثير وهو كيان كردي أقل من دولة بكثير ولكنه يبتر دولتين عدوتين لتركيا هما سورية والعراق .. وحتى ايران ستجد في وجهها كيانا كرديا يمنعها من التمدد شرقا كما أي حاجز بشري ..

ولكن بالرغم من اللعاب التركي الذي سال من رائحة النفط والمحاصيل الوفيرة والدور الوظيفي للناطور الكردي فان حلق تركيا نشف وجف لأن السؤال عن الفرق بين كردستان العراق وكردستان سورية تمت الاجابة عليه في دراسة سابقة قدمت لرئاسة الوزراء التركية .. حيث قدرت الدراسة ان كردستان العراق بعيدة جغرافيا عن القلب التركي وهي منطقة طرفية .. كما انها وجع عراقي وايراني اكثر من كونها وجعا تركيا ..

وكل رياح تأتي من تلك النافذة ستجد تركيا ان ايران والعراق مهتمان باغلاق النافذة كما هو اهتمام تركيا واكثر .. اما كردستان سورية فهي الاخطر على تركيا بمئات المرات بحكم الموقع الجغرافي في بطن تركيا حتى عنقها .. وحتى لو فصل الجسم الكردي الى جزأين بين عفرين والرقة وتم نشره بالمنشار التركي (كما نشر الخاشجقحي) .. اي فصل عنقه في عفرين عن جسده في الرقة فان طبيعة هذه الاجسام القومية المشاعر ان تتواصل وتتحرك وتردد صدى بعضها ..

كما التيارات الاسلامية الاخوانية تردد في مصر وتونس وليبيا وسورية مايقال في تركيا رغم عدم وجود اتصال جغرافي .. كما ان خط الحدود بين سورية وتركيا ينشر عائلات كردية على طرفي الحدود فهناك عائلات كردية سورية كثيرة لاتزال جذورها وفروعها في تركيا منذ الهجرات نتيجة الحملات التركية على اكرادها في جنوب تركيا التي دفعت آلاف العائلات للهرب الى سورية والاستقرار فيها ..

وهذا الترابط العائلي والاجتماعي على طرفي الحدود سيجعل اي كيان في الجنوب يلهم الجسم الباقي له في الشمال ويتبادل معه التعاطف والتأثير .. فمن غير المعقول ان يكون الكردي في شرق الفرات مستقلا وله دور وظيفي في الاقليم بينما ابن عمه على طرف الحدود التركي مكتوم الانفاس ومقيدا ولايملك هذه الخصائص .. ولذلك فان تنامي الشعور الكردي في الجنوب سيدخل تركيا مهما ابعدته الاجراءات المؤقتة ولو بعد ربع قرن ..

خاصة اذا ماحدثت بحبوحة اقتصادية في الشرق السوري نتيجة استغلال وسرقة الثروات الهائلة وتوزيع غنائمها على عدد قليل من افراد الشعب من الاكراد والذين لايشكلون الا 40% من الكثافة السكانية الذين سيعملون في وحدات شرطية عالية الأجور .. فيما سيبقي الكرد الاتراك محرومين اقتصاديا .. وسيحركهم شعورهم بالتحولات الاقتصادية الايجابية التي حصل عليها سكان الكيان الكردي في سورية للحصول على مثلها ..

وفي حال قوي النموذج الكردي في الشرق السوري فان المستقبل لايضمن ان تستغله اي دولة للضغط على تركيا وابتزازها بمن فيهم سورية والعراق .. ولذلك فان اي كيان كردي في الشرق السوري هو سكين في بطن تركيا يجب ان تكسر .. والطفل اللقيط يجب ان يدفن حيا ..

السؤال الذي لايحب الاكراد سماعه على الاطلاق ويغضبون كلما طرحه احد الناصحين عليهم هو: هل تظنون ان اميريكا قادرة على انجاز وعدها لكم ب 400 عسكري ..؟؟ وماذا سيحصل اذا قرروا المغادرة لأي سبب؟؟ اين ستذهبون؟؟

السمسار الامريكي لايعرف كيف سيحل هذه القضية المستعصية .. فهو في حيرة .. والكرد مرعوبون والاتراك لاينامون الليل من الكوابيس .. فالاكراد في الشرق يشبهون شخصا يمسك به الامريكان من يده اليمنى ليأخذوه كمرتزق .. والاتراك يشدونه من يده اليسرى ليأخذوه للاعدام .. وفي النهاية سيتمزق هذا الشخص لأن من يضع نفسه في موقع مرتزق ولقيط تتنازع عليه الذئاب .. سينشطر من نصفه ..

مما تقدم لايمكن للامريكان ان يحققوا توازنا ناجحا في الشرق ولابمكن ان يوفقوا في خلق معادلة ناجحة (لأنهم ليسوا بين الارجنتين) وبريطانيا رغم الحماقة والاندفاعة الكردية ورغم الطمع التركي والبحث عن رشوة اقليمية واقتصادية .. خاصة ان هناك على الجانب السوري من يراقب كل حركة ويتابع كل التحولات .. ولديه مايقوله .. ولديه مفاجآته المخبأة ..

ولديه شعبه الكبير في الشرق الذي لم ينتبه الامريكيون الى انه هو الذي سيكون أكبر معضلة وأكبر تحد .. وهو الذي سيحمل رسالة دمشق الى الجميع .. دمشق وضعت الرسالة مع سعاة بريد المنطقة الشرقية الوطنيين .. وعندما يحين الوقت ستصل الرسالة الى كل العناوين .. الجلاد والقاضي واللقيط ..

وسأقترح عندها بكل اخلاص ان يصبح النشيد الوطني لقسد وللاتراك في قريب الايام قصيدة (كلمات) للشاعر السوري نزار قباني التي تقول للامريكيين: يسمعني حين يراقصني كلمات ليست كالكلمات .. وتنتهي القصيدة بالقول .. وأعود لطاولتي .. لاشيء معي الا كلمات ..

فالامريكي يراقص الكرد ويهمس لهم بالوعود .. فلا دولة ولااستقلال ولانفط ولا شيء .. ويراقص الاتراك ويهمس لهم بالوعود كما راقصهم في الربيع العربي حيث سيعود الاتراك من رقصة الشرق الاوسط العثمانية الى طاولة كمال اتاتورك منهكين ..

ويعود الكرد الى مقهى الشرق الاوسط للبحث عن عمل صبي في مقهى .. مع شهادة سوء سلوك .. وحكم عليه .. فمن يرضى ان يعمل اجيرا عند الغرباء لايحق له ان يجلس على طاولة .. بل ان يكون صبيا بين الطاولات ..

بقلم: نارام سرجون

اقرأ المزيد في قسم الأخبار