الثلاثاء , أغسطس 20 2019

صيف ساخن، هل حقاً سورية في عين العاصفة؟!.

صيف ساخن، هل حقاً سورية في عين العاصفة؟!.

سمير الفزاع

جملة من التطورات السياسية والعسكرية تعصف بالمنطقة والعالم: أمريكا تغادر الإتفاق النووي مع إيران وتعلن حرباً اقتصادية ومالية ونفطية عليها، قواعد عسكرية وحشد أمريكي متزايد في المنطقة، عملية عسكرية سورية-روسية حذرة بريف حماه وعلى أطراف محافظة ادلب، أردوغان المصدوم بخسارته وحزبه أهم وأكبر المدن في الإنتخابات البلدية، كيف له أن يستوعب تصنيف إدارة ترامب للإخوان المسلمين كجماعة إرهابية وتصدع القواعد الإخوانية في ليبيا والسودان… . ما الذي يجري، سورية والمنطقة إلى أين؟.

*النفط والكيان:

عندما فكر الرئيس الأمريكي السابق “أوباما” بالاعتداء على سورية صيف العام 2013، قال إن ما يؤخر الضربة الأمريكية، وإجراء المزيد من الحسابات هما أمن “إسرائيل” وتدفق النفط. هاتان اللازمتان لم تقلقا أوباما وحده؛ بل هما مصدر قلق لأي رئيس أمريكي يفكر بالقيام بعمل عسكري في المنطقة… خصوصاً وأن هناك اليوم خليطاً فريداً ومعقداً في المشرق العربي يصعب التعامل معه دون اشتعال أحدهما أو كلاهما؛ النفط والكيان… ويمكن تلخيص هذا المشهد كما يلي:
1-لم يصل مشروع “الربيع العربي” إلى نهايته المنشودة، والتي كانت ستشكل القاعدة الأساسية لبناء شرق أوسط جديد، وبالتالي إستمرار نظام الأحادية القطبية… وفشل هذا المشروع يفتح الأفق واسعاً لنجاح المشروع المضاد في المنطقة والعالم.
2-تآكل الأنظمة والكيانات التي سعت لإنفاذ هذا “الربيع” في جسد المنطقة ما يهدد بوقوع اضطرابات إجتماعية-سياسية-اقتصادية جديّة، قد تؤدي إلى تغيرات يصعب التنبؤ بها والتعامل معها، وهذه التغييرات المفاجئة تحديداً كانت أحد بواعث “الربيع العربي” حسب توصيات الحكماء المئة.
3-ظهور وتطور “أذرع” طويلة غير تقليدية بين يدي أبناء المنطقة ممن يرفضون هذه المشروع وهذه السيطرة، الصواريخ والطائرات المسيرة، وهي قادرة على خلق وقائع خطيرة وحساسة جداً أثرت بعمق على موازين القوى في المنطقة.
4-بالرغم من القفزات التكنولوجية والتسليحية الهائلة، يعيش الكيان الصهيوني حالة حقيقية من “الخوف الوجودي” ناجمة عن عوامل عديدة أهمها، أن هناك حلف تتعاظم قدراته وإمكاناته ويحاربه بقوة وثقة… وقد تحدثت هيلاري كلنتون عن بعض هذه المخاطر قبل سنوات وأختصرتها بـ الأيدولوجيا، التكنولوجيا، الديموغرافيا.
5-إستدراكاً، تحاول واشنطن فرض مشروع سياسي “صفقة القرن” تُنهي به الصراع في المنطقة، والخوف الوجودي للكيان الصهيوني، وتعيد بناء المنطقة وفق شبكة تحالفات ومصالح وهويات… جديدة، تسمح لها ببناء فضاء إقليمي من بوابة تصفية القضية الفلسطينية، وعزل سورية وشركائها في حلف المقاومة وتحويلهم إلى جسم عدو أو غريب بالحد الأدنى في المنطقة، وإدامة الأحادية القطبية بالإستناد إلى مقولة من يمسك بالمشرق العربي يمسك بقلب العالم.

*أسرار الحشد الأمريكي:

وكأن المنطقة والعالم على موعد مع حرب جديدة في المنطقة، والدليل، التهديدات الأمريكية لإيران وحشودها الفعلية والمحتملة في المنطقة… فما هي خلفيات وأسباب هذا الحشد وهذه التهديدات؟.
1-من الصعب –إن لم يكن من شبه المستحيل- أن تدخل واشنطن في حرب مفتوحة أو عدوان من ضربات موضعية محدودة ضد إيران لأسباب عديدة، منها:
*لا حدود بريّة مع إيران يمكن أن تكون نقطة إنطلاق ودعم للقوات الأمريكية في عدوانها المفترض.
*يمكن تحويل الخليج العربي إلى بحيرة مغلقة لحظة إغلاق مضيق هرمز لتصبح القطع البحرية الأمريكية هدف “سهل” ومحاصر.
*اشتعال أزمة طاقة دولية عندما تتوقف ثلث صادرات النفط العالمية عن التدفق… خصوصاً وأنها تتزامن مع أزمتي ليبيا وفنزويلا.
*تعرض المصالح الأمريكية والصهيونية إلى ضربات موجعة في الإقليم والعالم… أي التدحرج إلى مواجهة شاملة.
*تزايد إعتماد أوروبا على نفط وغاز روسيا الآمن والمضمون، وحصد موسكو، القطب المنافس، لمكاسب خيالية من هذا الصراع غير المضمون النتائج.
*حتى وإن فكرت واشنطن بضربات محدودة بأهدافها وسقفها الزمني، فلا شيء يضمن بقائها محصورة بمكانها أو محدودة بزمانها.
2-قبل أن تشرع واشنطن بتحويل حاملة طائراتها النووية “فرانكلين روزفلت” إلى بحر عمان، وقبل أن تنشر بطاريات باتريوت-3 وقاذفات B-52 وطائرات السيطرة الجوية F-15Cs… في قواعدها بجزيرة العرب، قامت بتنفيذ توصيات لمناورة دامت شهراً كاملاً مع الكيان الصهيوني وحضرتها سراً أطراف غربية على رأسهم بريطانيا، فنشرت البطاريات الأحدث المضادة للصواريخ “ثاد” في الكيان الصهيوني، كما قامت بتزويده بعدد من طائرات 35 F-ونشر أخرى هناك، وتمركزت قوات نخبوية في الكيان الصهيوني واتبعتها مباشرة الى قيادة القوات الامريكية في أوروبا، وتضم هذه القوات خبراء في تشغيل منظومات ثاد وضباط اركان وخبراء في الحرب الالكترونية… .
3-في 15/1/2019، عُين رئيس الأركان الجديد لجيش العدو الصهيوني، الإرهابي أبيب كوخافي. بالتزامن مع تعيينه، نشر “معهد أبحاث الأمن القومي” بجامعة تل أبيب تقريراً يعتبر فيه:(أن هذه فترة عاصفة وغير مستقرة من الناحية الأمنية، لأن البيئة الإستراتيجية التي يعمل فيها الجيش “الإسرائيلي” ما زالت تتميز بانعدام يقين بالغ). يصف العدو الصهيوني اعتداءاته ضد سورية بأنها “الحرب التي بين الحروب”، بهدف إبعاد أو إرجاء حرب شاملة بين الجانبين… اعتبر التقرير:(أن هذه الحرب التي بين الحروب حققت إنجازات واضحة، سواء بعرقلة التموضع الإيراني في سورية أو بتقليص نقل الأسلحة إلى حزب الله… ولكن سياسة تحقيق الإنجازات دون دفع ثمن أو ثمن كبير قريبة من استنفاذ نفسها). أي، لن تصبر سورية على المزيد من الإعتداءات التي يصنفها العدو كمعركة بين الحروب، ما يزيد فرص الإنزلاق لحرب واسعة لا طاقة للكيان بها؛ بل ستكون نهايته المحتمة… ربما لذلك تتحضر أمريكا لتكون البديل عن الكيان في تنفيذ هذه الضربات، وتحقيق هذه الأهداف وغيرها.
4-منذ أعلنت الأدارة الأمريكية بأنها بصدد الإعلان عن “صفقة القرن” بعد شهر رمضان، وهي ملزمة على “تمهيد” الميدان كي يستقبل هذه الصفقة بترحاب أو بأقل قدر من المناكفة في الحدّ الأدنى… من هنا يمكن الإفتراض بأن أهداف الحشود والتهديدات الأمريكية ما يلي:
1-رفع سقف الحصار الإقتصادي والمالي على إيران، بالتزامن مع تصاعد التهديدات والحشود الأمريكية ضدها لمنعها من مقاومة ودعم من يقاومون صفقة القران من جهة، أو عرقلة عملية “التمهيد الميداني” من جهة أخرى.
2-بعد أن أصبح الكيان الصهيوني عاجزاً إلى حدّ بعيد عن شنّ الحروب الواسعة، تتدخل واشنطن بثقلها المعنوي-العسكري-السياسي لقيادة حلفائها في عملية التمهيد السياسي، والميداني عندما تقتضي الضرورة وعلى جبهتين أساسيتين: سورية وغزة… لتفرض صفقتها.
3-منع اكتمال طوق معارض يضم العراق إلى حلف المقاومة، وإنهاء استراتيجية وحدة الجبهات قبل تحولها إلى حقيقة واقعة.
4-إحتواء الحضور الروسي المتزايد في المنطقة، وقطع حلقات طريق الحرير الصينية… وإجبارهما على الإنكفاء مجدداً.

ختاماً، لم يكن مستغرباً توجه الجيش العربي السوري وحلفائه بدعم روسي قوي لتطهير كامل–أو تحييده إلى أبعد حدّ- الجيب الإرهابي المتوضع في خاصرتها، إدلب وما حولها، واستلام الفوج الأول من مشغلي منظومات S-300VM3 لعدد من هذه المنظومات، كما أعلن أحد قادة سلاح الجو الصهيوني، وتكثيف طلعات طائرات الرصد والتجسس الآهلة والمسيرة الصهيونية والأمريكية حول سورية خلال الفترة الأخيرة… فهناك مشروع سياسي أمريكي قادم، والمشاريع الأمريكية لا تلائم سوى الأرض المحروقة والشعوب المُستلبة… لكن سورية وفلسطين لم تكونا يوماً أرضاً محروقة لشعوب مستلبة… لذلك، إن لم تتراجع واشنطن وتسحب مرتزقتها، ربما سنكون ممن يكنسون أمريكا والكيان الصهيوني من هذه المنطقة.