السبت , يونيو 25 2022

رئيس الحكومة يمد يده لرجال الأعمال : لنكن شركاء من أجل سورية

رئيس الحكومة يمد يده لرجال الأعمال : لنكن شركاء من أجل سورية

كانت فرصة حقيقيّة، وذهبية أمام أساطين الاقتصاد السوري وأقطابه، بأن يُبادروا للخروج من القمقم الضيّق المتحكّم بهم وبسلوكهم الاقتصادي المحدود، يطرقون نوافذه كلما استفاقوا من سُباتهم ويصرخون أن افتحوا لنا هذه النوافذ لنخرج منها، بينما المغلاق من جهتهم، وما كان لهم الإصرار على النوافذ فباب القمقم مفتوح على مصراعيه لمن يجرؤ ويخرج كي يرتقي، ويستنشق هواء الأجواء الرحبة القابعة ما بعد الباب المفتوح، هواء الأرض من حوله كما ينبغي، ليتذوّق بعدها أوكسجين وطنه.

في الاجتماع النوعي الذي تمت هيكلته وتحديد عناصره بعنايةٍ ذكية، والذي جمع رئيس مجلس الوزراء المهندس عماد خميس، ووزراء المالية، والاقتصاد، والزراعة، والصناعة، والإدارة المحلية، والسياحة، والتجارة الداخلية، وأمين عام مجلس الوزراء، وحاكم مصرف سورية المركزي من جهة، وخمسة اتحادات الاقتصاد السوري المتمثلة باتحاد غرف التجارة، واتحاد غرف الصناعة، واتحاد غرف الزراعة، واتحاد غرف السياحة، واتحاد الحرفيين السوريين من جهة ثانية.

كنّا ننتظر من أقطاب الجهة الثانية أن يكونوا حاملين في جعبتهم حلولاً، أو على الأقل اقتراحات منبثقة من صلب الواقع، ومن هدير آلاتهم، وتواتر شحناتهم، وعمق جذورهم في الأرض، وإحساسهم بجمال بلادهم، يُقدّمونها أمام هذا الجمع الحكومي، الذي دعاهم متحمساً ليؤكد لهم أن الأبواب مفتوحة، ولا داعي للوقوف عند النوافذ، وأن جسور التواصل ممدودة بكل محبة، لنعبر عليها متشاركين على السرّاء والضرّاء.

هؤلاء الأقطاب الاقتصادية، وغيرهم من رجال الأعمال، يملؤون الدنيا صراخاً – مثلاً – بأنّ اضطراب أسعار الصرف يجعل أعمالهم مضطربة، ويكبّدهم المزيد من الخسائر، فعلى الأقل وهم أمام هذا الحشد الحكومي الذي رحّب بهم، وأراد الاجتماع بهم بكل احترام، ليؤكد لهم أنّ نهج الشراكة بينهم وبين الحكومة هو المبدأ الذي تبحث عنه الحكومة بكل تفاصيله وتسعى إليه، على الأقل كان من المفترض أن يُبادروا إلى تقديم أفكار وحلول بنكهةٍ وطنية تساهم في إيجاد حل، أو بالحد الأدنى محاولة لإيجاد حل، ولكن عبثاً، فما تزال هذه الأقطاب تجد نفسها مظلومة، ولا ندري من أين يأتي ظلمها المزعوم وهي تتنعّم بخيرات جهدها – هذا صحيح – ولكنها تتنعّم أيضاً بخيرات هذا الوطن، فحقه عليها أن تفعل له شيئاً مختلفاً وهو ما يزال يخوض حروباً منذ أكثر من ثماني سنوات مع أعتى قوى الطغيان في هذا الكون، ويتعرّض لحصار اقتصادي غير مسبوق، ولم يُكلّفها أحدٌ بشيء، ولكن كان عليها هي أن تُبادر إلى فعلِ أشياء، لتُحافظ على رزقها وأعمالها، وكان عليها أن تُقدّر هذا اللقاء الحكومي معها، وتتفهّم أبعاده وأهميّته، وتعتبره فرصة حقيقيّة لتبرز غيرتها على هذا الوطن، وعدم قبولها بأن يُضام، لاسيما وأنها القادرة على ذلك.

في أواسط تسعينات القرن الماضي أوفدتني صحيفة الثورة لإجراء دورة تدريبيّة بمؤسسة الأهرام المصريّة، في مجال الصحافة الاقتصادية. وفي تلك الأثناء كان قانون الاستثمار رقم / 10 / لعام 1991 ما يزال حديث العهد في سورية، وكان المستثمرون على هذا القانون يواجهون مصاعب الترخيص الإداري، إذ كانت البلديات هي التي تتولّى الترخيص المؤقت لهم لإشادة مصانعهم، فلم يكن في سورية وقتها أي مدينة صناعية بعد، وكانت كل بلدية تعمل حسب أخلاقيّة رئيسها، والمستثمرون هم وحظّهم، إمّا أن يكون رئيس بلدية جادّ ونزيه فييسّر أمورهم في نطاق بلديته، وإمّا أن يكون شهوانيّ الفساد، فيقوم بابتزاز المستثمرين، ولا يُسيّر لهم رخصهم الإدارية لإقامة مشروعاتهم إلاّ بشقّ الأنفس، وبعد ضمان النصيب من الرشى .. والمعلوم. المهم أثناء تلك الدورة الصحفية التدريبيّة، قمنا بزيارة إلى مدينة ( العاشر من رمضان ) في محافظة الشرقية، وهي مدينة صناعية كمدينة عدرا والشيخ نجار وحسياء اليوم، وقد أذهلتني تلك المدينة، ووجدت أنها هي الحل الذي ينقصنا هنا في سورية، والذي يمكن أن يُسعف المستثمرين السوريين من حالات الابتزاز التي يواجهونها بعمليات الترخيص الإداري، وفور عودتي بدأت أكتب في صحيفة الثورة عن أهمية مثل تلك المدينة الصناعية، وضرورة إيجاد مثلها هنا في سورية لاستقطاب المستثمرين، وبعد سنتين أو ثلاثة أوفدت الحكومة السورية وفداً وزارياً إلى جمهورية مصر العربية، برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الخدمات آنذاك السيد رشيد أختريني، قاموا خلالها بزيارة مدينة العاشر من رمضان الصناعية في الشرقية، واطلعوا على نظام عملها والمنشآت التي تستقطبها، وجالوا فيها بالطول وبالعرض، وعادوا بتقرير عن أهمية هذه المدينة الصناعية، وضرورة إقامة مثلها في سورية، وبدأ المخاض بهذا الاتجاه إلى أن تم إحداث المدن الصناعية في عدرا وحسياء والشيخ نجار في عام 2004 .

على كل حال أثناء زيارتي لمدينة العاشر من رمضان في إطار الدورة الإعلامية في الأهرام، التقيتُ مع رجل الأعمال المصري الشهير ( محمد فريد خميس ) وكان وقتها يحتل مركزاً مرموقاً في مجلس إدارة تلك المدينة التي أنشأ فيها شركة استثمارية ضخمة باسم ( النسّاجون الشرقيون ) لإنتاج السجاد والموكيت، وقمنا وقتها بجولة في أقسام شركته، وصار يشرح لنا بطريقة جذّابة جداً عن العمل والإنتاج، وبنهاية الجولة استضافنا بقاعة استقبال أنيقة في الشركة، ووقتها سألته كيف هي علاقته هو وباقي المستثمرين هنا مع الحكومة المصرية ..؟ فابتسم وقال بلهجته المصرية الجميلة : في البداية لم تكن الحكومة ترد علينا ولا تكترث بنا، ولم تكن آفاق الاستثمار مفتوحة أمامنا، فقررت أنا ومجموعة من رجال الأعمال المصريين القيام بمحاولة منذ سنوات لإقناعها من أجل فتح المجال أمامنا لنعمل في وطننا، فنحن نريد أن نكون شركاء معها في نهضة مصر، لا أن نبقى هكذا غير موثوقٍ بنا وعلى الهامش، واستطعنا من إيماننا بمصر أن نقنع حكومتها بذلك، وبدأت المواقف تتغيّر نحونا، وصدر قانون للاستثمار، وبدأنا نعمل وأقيمت المدن الصناعية، وصرنا أصدقاء مع الحكومة، وها نحن شركاء في نهضة مصر.

ما أريد قوله أن الهمّ الأكبر لرجل الأعمال المصري كان يتمثّل بخطف ودّ الحكومة، والتقرّب منها ما أمكن، وقد روى لي الأستاذ الزميل ( عصام رفعت ) رئيس تحرير مجلة الأهرام الاقتصادي في طريق العودة والذي كان يرافقنا في هذه الجولة تحت مظلة الأهرام، أنّ رجال الأعمال وخاصة محمد فريد خميس، بالفعل بذلوا جهوداً مضنية حتى تمكنوا من إقناع الحكومة، ثم استجابت لهم ولمطالبهم، وبدأت مراحل الاستثمار وأقيمت هذه المدينة .. وهكذا. أما نحن هنا فنرى كيف أن الحكومة هي التي تبادر وتفتح الأبواب أمام المستثمرين ورجال الأعمال، أن تعالوا لنكون شركاء، يدنا بيدكم، وتبدي لهم كل الاهتمام والترغيب للعمل، وتحثّهم هم على إظهار كل ما يعيق أعمالهم، لإزاحة هذه المعوقات.

بالأمس اخترع لهم رئيس الحكومة المهندس عماد خميس جلسات خاصة في هيئة الاستثمار، وأطلق مبادرة الأربعاء الاستثماري، ولم يدع مشكلة موضوعية طرحت أمامه في تلك الجلسات تخص مسيرة الاستثمار إلا وقام بحلها، وستبقى هذه الجلسات مفتوحة كلما لزم الأمر، واليوم وفي ظل هذا الارتفاع المفاجئ لسعر صرف الدولار، كانت دعوة رئيس مجلس الوزراء للاتحادات الخمسة في مكانها المناسب، وكان السؤال الأنسب لرئيس الحكومة لهم هو : لو كنتم أنتم هنا في مكان الحكومة فماذا تفعلون لتخفيض سعر الصرف ..؟ وفي الوقت الذي توقعنا فيه أن نسمع أجوبة قوية وحرفيّة تأتي كالجسر الذي يمدّ الطريق المعبّد فوق الهوّة، لم نسمع جواباً واحداً يمكن أن يساهم بإيجاد حل.

كان الموقف غريباً بالفعل..! فهذه الشريحة من رجال الأعمال هم الذين – من المفترض – أن يمتلكوا مبادرة الحل من خلال أعمالهم، واحتكاكهم بالسوق، وتفنيد أنّ الإجراء الفلاني يوصلنا إلى المكان الفلاني، وأن هذا الإجراء الحكومي يوصلنا إلى مكانٍ ما، وذاك لو اتّخذ سيوصلنا إلى هناك. على مدى خمس ساعات مرّت على هذا الاجتماع لم نسمع من أركان الاقتصاد السوري شيئا محرزاً أكثر من العودة إلى الطرق على النوافذ، ففي الوقت الذي طلب فيه رئيس الحكومة الاستماع إلى آرائهم لإيجاد حل لجملة قضايا منها سعر الصرف، قال بعضهم : نطلب الرحمة من وزارة المالية، وقال آخر : وزارة المالية وزارة جباية وليست وزارة مالية، وعلى الجمارك أن تترك الأسواق وتذهب إلى المعابر، غير أن وزير المالية بيّن لهم حجم الإعفاءات الضخمة التي يحصلون عليها، وقال لهم بابتسامةٍ لئيمة : أنا لا أستطيع اليوم إرسال الجمارك إلى المعابر الساخنة على خطوط النار، ثم عفواً منكم أريد أسأل من الذي يقوم بتهريب المواد الأولية للصناعة ..؟ بالتأكيد ليس العاملون في الدولة، ولا عمال القطاع الخاص .. بل أصحاب المصانع أنفسهم يقومون بذلك، وكاد الوزير أن يقول لهم أنتم الذين تقومون بعمليات التهريب الكبرى، ولكنه بقي عند أصحاب المصانع. في ختام الاجتماع كأنّ رئيس الحكومة عماد خميس لاحظ أنّ فكرة المبادرات من قبل اتحادات قطاع الأعمال ليست فقط غائبة وإنما ليست على بال أحد أيضاً، فكان لا بدّ من أن يُلقّمهم إياها بالملعقة، ويبيّن لهم بأن الحكومة تتعامل مع القطاع الخاص كشريك في الوطن، ونريد من كل اتحاد من هذه الاتحادات الخمسة أن يقود الحكومة بما يخصه، فأنتم يجب أن تعطونا السياسات المناسبة لكم، وأن نكون على قلب رجلٍ واحد، وبالنسبة لسعر الصرف فنحن دولة قوية وقد أثبتنا ذلك بهزيمة الإرهاب، وبهذا الصمود الأسطوري للجيش وللشعب، ولكني أسألكم : أين يتركّز اليوم تكتّل رأس المال من القطع الأجنبي ..؟

اقرأ أيضا: رئيس تجارة ريف دمشق: السبيل لتحقيق التنمية والنهوض الاقتصادي في سورية هو.. ؟!

بالتأكيد ليس بيد العاملين والموظفين، إنه بيدكم أنتم، بيد القطاع الخاص، وهو بالتأكيد ناجم عن جهودكم وتعبكم، ولكنه بالنهاية ناجم أيضاً من خيرات هذا البلد، فللبلد عليكم حق، ونحن نحترم هذه الجهود ولا نريد منها شيئاً طبعاً، ولكن في ظل ما نحن فيه لجهة اضطراب سعر الصرف، ما الذي كان يمنع رجال الأعمال السوريين المقتدرين من أن يودعوا جزءاً مما يمتلكونه من عملات أجنبية هنا في المصارف السورية ..؟ لو كل رجل أعمال يمتلك 10 أو 20 مليون دولار – مثلاً – يقوم بإيداع مليون أو مليوني دولار منها في المصارف الوطنية، لكان لدينا رصيداً لا يقل عن 6 مليارات دولار، ولكان سعر الصرف الذي تشكون منه قد استقرّ، ولا يمكن له عندها أن يتزحزح، وتعرفون رغم كل ما حصل في سورية أننا لم نتأخّر يوماً واحداً بتسديد ولا ليرة لكل من طلب أن يسحب من مدخراته في البنوك.

هذا حلّ قدّمه لهم رئيس الحكومة بكل وضوح، والقرار عندهم وبيدهم، غير أنّ أحداً منهم لم يندفع بهذا الاتجاه مبدئياً على الأقل، ولا ندري إن كانوا سيندفعون يوماً، ولا ندري أيضاً إن كان استقرار سعر الصرف بالفعل يناسبهم .. ؟!

فها هو السلاح .. وهذا الميدان.

سيريا ستيبس