الإثنين , سبتمبر 16 2019
ظاهرة مدهشة.. السوريون وحقائب الوزن الزائد في المطارات

ظاهرة مدهشة.. السوريون وحقائب الوزن الزائد في المطارات

ظاهرة مدهشة.. السوريون وحقائب الوزن الزائد في المطارات

الثلاثة الذين ناقشوا و جادلوا موظفة شركة الطيران في الوزن الزائد لحقابئهم ، كانوا سوريين . لكنتهم و طريقتهم في التفاوض واحدة ، حتى صرت أتوقع بدون مهارة خارقة جنسيةَ المسافر السورية من بعيد من حجم ما يحمل من أمتعة .

أما الأجنبي و بشكل لا يمكن فهمه ، يسافر خفيفاً بحقيبة خفيفة لطيفة ، و في ذلك حديث طويل يتعلق بطبيعة المجتمع نفسه .

شاهدتهم جميعاً و أنا أقف جانباً بانتظار أن تحل الموظفة ” أزمة” الوزن الزائد جداً جداً في حقائب الصديق الذي رافقته إلى المطار .

في كل زيارة لي لسورية أو عودة منها ، تكون حكاية الوزن الزائد و الألاعيب التي استخدمتها لتمريره بالحد الأدنى من “الخسائر”، هي إحدى أهم الحكايات الممتعة التي أفخر بها و أستمتع باستعادتها .

في كل زيارة لسورية أو عودة منها يتشكل و بدون رغبة مني في اليومين الأخيرين قبل السفر نموذجاً غريباً من القلق يتمحور تماماً حول الوزن ، و حول طريقة تمريره و حول الشخص الممكن له مساعدتي في ذلك ، و حول الأعذار التي سأقدمها لم سيطلب مني أن أحمل له كيلو غراماً أو اثنين من التقليد السوري التاريخي ك : الكشك أو المكدوس أو العدس الأحمر أو العوجة و الجانرك أو ” عدة أجواز” من الجرابات و قميص أو قميصين ، و يمكن أن يُضاف إلى هذه القائمة التي لا تموت عدداً لا نهائياً من المفاجآت التي لا يمكن تفسيرها أو فهم ضرورتها .

هل يستطيع السوري أن يتحرك إلى خارج أو إلى داخل بلده بدون وزن زائد ؟ … لا أظن .

الوزن الزائد هو فائض القلق الممكن ، فائض الخوف ، و فائض المحبة . تراه يغيب شهراً عن بلده ليعود بحقيبة محملة بالهدايا لأهله و أصدقاءه و جيرانه ، فهناك و هو على مسافة الشوق من بلده ، يتحرك في داخله مزيج غريب من الحنين و الشوق و تأنيب الضمير و المحبة غير المفهومة ، يتحرك فيه كل شيء ، من أسفل جذرٍ من جذوره حتى أعلى ورقة في شجرة حياته . و كأن الغربة هي قطعة القماش التي ستمسح الغبار عن كل شيء و تعيد تلميعه و إحضاره و تقديمه .

و هذا الوزن الزائد قد يكون أيضاً طريقة من طرقه في ” سورنة العالم” ( جعله سورياً) فموهبة ” الحواضر” التي أنقذته في أكثر محن حياته ضراوة لابد أن يبقى مخلصاً لها أينما حلّ ، حتى تجد في إحدى زوايا بيت المغترب كبيته في سورية رفوفاً متعددة من الزيت ” الأقرب طعماً للزيت السوري” و الطحين الذي يشبه ذاك الذي كانت تصنع منه أمه خبز الحياة ، ستجد نفس المواد و نفس طريقة الترتيب و نفس طريقة العناية و الصناعة .

يخاف السوري أن يخسر بلده سورية مهما تصرف عكس ذلك في آخر سبع سنوات .

اقرأ أيضا: شركة طيران أمريكية تمنع راكبة بسبب “ملابسها الفاضحة” (صور)

يبتعد فيزداد وزن حقائبه خوفاً من أن ينسى شيئاً حنوناً لا قدرة له بدونه . يعود فيزداد الوزن بالهدايا تكفيراً عن فراق قسري و قهرٍ لا يد َله فيه .

نحن شعب الوزن الزائد ، و الحب الزائد ، و الكراهية الزائدة ، و الاهتمام الزائد ، و القرب الزائد و البعد الزائد ، و القهوة ” الزائدة”، و السكر الزائد .

نحن شعب المبالغات و التناقضات ، المبالغات في كل شيء ، فليس عن عبث أن يكون نصفنا شعراء و الباقي منا دائمو البكاء … و الحسرة .

رفيف المهنا