الجمعة , ديسمبر 13 2019
هل يفوز ” النمر السوري” في سباق النهوض من تحت الرماد

هل يفوز ” النمر السوري” في سباق النهوض من تحت الرماد ؟؟

هل يفوز ” النمر السوري” في سباق النهوض من تحت الرماد ؟؟

تبدو سورية الدولة بشعبها ومواردها طرح رهان، سواء صرّح المراهنون أم تحفّظوا..فثمة تجارب نهوض من تحت الرماد حصلت في التاريخ الحديث، وربما بالإمكان التسليم مجازياً بأن سورية بلد ناهض من بين رماد حرب ضروس..فهي اليوم في “فوكس” المراقبين بما فيهم أولئك الذين يأكلهم الإصرار على إبقائها رهينة الدمار إلى أجل طويل.

ورغم صعوبة الظرف وقسوة القوى الضاربة على مكامن الوجع السوري، إلّا أن في بقايا صور من هذا التاريخ ما يزوّدنا بجرعات عالية من التفاؤل.. فـ “النمور الآسيوية” لم تولد نموراً برشاقتها وقفزاتها المذهلة نحو فضاء لا محدود من النمو.

بل في الحكاية ما لم يعد سرّاً، يدور في فلك إدارة الموارد وليس وفرتها، والمعلوم أن الدول الأربع الأساس التي حازت لقب النمور، كانت محدودة الموارد الطبيعيّة، وإن دخلنا في عمق بُناها الاقتصادية سنجد أنها كانت فقيرة..فيما تحفل سورية بموارد متنوّعة يمكن الركون إليها كقاعدة صلبة للنهوض ومعاودة الانتعاش.

الواقع أن تجربة النمور تلحّ حالياً على أذهاننا في سياق المراجعة المتحرية عن تجارب “النهوض من تحت الرماد” في هذا العالم، عساها تصلح للتطبيق في حالتنا، نحن الباحثين عن انطلاقة “إنقاذيّة” أو على الأقل ترويضيّة لاقتصادنا المنهك، ففيها ما يتماهى مع حالتنا إلى حدّ ما، رغم أن السبر الحقيقي لما لدينا، بالمقارنة مع ما كان لدى نمور آسيا قبيل يقظتها التنموية، يؤكّد أننا نحن الأغنياء ومرشّحون للمزيد.

مقارنة تبدو للوهلة الأولى غير موفّقة، سيما في هذا الظرف الاستثنائي والأزمة التي تعصف باقتصادنا، إلّا أن منطق الأمر الواقع و” الاستثناء الظرفي “، هو ذاته ما يبيح التسلّح بجرأة الطرح ولو بنفعيّة مفرطة أيضاً، ومحاولة تلمّس بعض المقاربات التي تقدّم نفسها صراحة لمن يبحث عنها.

“براغماتيّة النمور” هي ما يملي علينا معاينة واقعنا واستشراف أفقنا، بذهنيّة بعيدة كل البعد عن الحالة الوجدانية التي أغرقنا أنفسنا بها، بصدد هويتنا الاقتصادية، والانطلاق من التسليم بأنّ الفرق يبدو واسعاً، بين وقود الثبات في مواجهة الأزمات، ووقود الخروج منها.

فإن كانت الحالة المعنويّة بأبعادها الوطنية العميقة هي الوقود والمقوّم الأهم للتلاحم والرسوخ في زمن الحروب وتبعاتها، فإنها لا تبدو كافية للخلاص والوصول إلى برّ الأمان، والشروع في البناء وترميم قوام كل الهياكل التي لفحتها الحرب، وعلى قاعدة الموارد وإدارتها وفق أدبيات نمور آسيا، فهنا ثمة مثقّل آخر مختلف تماماً اسمه “المال أو التمويل” يتطلّب لغة ومفردات تعاطٍ أخرى، وغالباً لا يتردد المخططون الاقتصاديون في استخدام مصطلح “عقدة التمويل” للتعبير عن حساسية الموقف، ولعلّها عبارة فيها من الدلالة المباشرة ما يوفّر طول شرح وتفسير.

نحن اليوم أمام عقدة تمويل حقيقيّة في توجّهنا نحو المستقبل، واستحقاق الإعمار وفق خارطة طريق كثيرة المسالك والمسارات، عنوانها ” سورية ما بعد الحرب”، وبما أن مثل هذا المشروع لا يُنجز بالنيّات الطيبة ولا العواطف أو الدفع المعنوي علينا الاعتراف بأننا أمسينا عند العقدة الأصعب ذاتها “عقدة التمويل”.. منبع سلسلة الهواجس الطويلة، التي تدور في أسبابها حول حقيقة انكفاء قطاع الأعمال أو مبادراته المترددة التي لا تسمح بالتفاؤل إلّا بحذر شديد، فالاستجابات الباهتة لقانون التشاركيّة بين العام والخاص، مؤشّر يجب قراءته بتأنٍّ لأنها ليست فأل خير، ورغم سخاء العروض واستراتيجيتها والجدوى المؤكّدة من المشروعات المطروحة كانت أخبار الإحجام عن الخوض في المشروعات الكبرى، تتالى على إيقاع الإعلان عن متوالية نهوض استثمارات رجال الأعمال السوريين في مصر والأردن وتركيّا وباقي أصقاع الإقليم بل والدنيا..؟؟!! لنصل إلى السؤال الذي يستفسر عن هويّة من سيموّل الإعمار وإعادة نهوض مرافق ومكونات الاقتصاد السوري باستثماراته وبناه التحتيّة الأساسيّة؟؟.

سؤال صعب، وستكون الإجابات عليه أكثر صعوبة، لأنها ذات أبعاد جراحيّة حقيقيّة، ليست ذات شعبيّة، لكنها الأكثر جدوى، لا تصل إلى حدّ الخصخصة المطلقة، لكنها لن تقف عند “كليشيهات” القطاع العام، كهياكل شاخت وبقيت ترفض العلاج بانتظار الموت الكامل، وفي مشروع إصلاح مؤسسات القطاع العام الاقتصادي الجاري العمل عليه حالياً، خيارات إنعاشيّة متعددة تلبي خصوصيات كل قطاع أو مؤسسة، لكن تبقى المخاوف أن يلقى المشروع “ذات التناول البارد” الذي حصل في حكاية التشاركية.

في زحام مثل هذا الجدل تتقدّم منّا تجربة “تشاركيّة” استراتيجية مع الأصدقاء الروس في مرفأ طرطوس، عبر شركة إدارة احترافيّة، ترجع بذاكرتنا إلى تجربة الشركات القابضة العابرة للحدود، التي كان لها البصمة الأكثر وضوحاً في بناء قدرات اقتصادات النمور الآسيوية، ولعلّها الحل الأنسب في حالتنا، بعد إصرار الرساميل المحليّة على “التدحرج” نحو الخارج، والهروب تحت وطأة الطفيلية وليس الحذر.

اقرأ أيضا: توجه لرفع سقوف قروض المصرف العقاري.. وقرض السكن مرشح لـ 25 مليوناً

ربما ما ينقصنا في هذا البلد “قليل” بكمّه..لكنه كثير وكثير بدلالاته و أهميته وتعقيداته..وهو ليس الموارد بل إدارتها ..ولا نظن أن عقليّة الموظّف التي تستحكم بمفاصل العمل التنفيذي لا سيما بمستوياته القاعديّة والوسطى، لن تسعفنا في تلبية ما ينتظرنا من استحقاقات..

لسنا في وارد الدخول في دوامة جدل عقيم، وتشتيت الانتباه عبر “سفسطة” الطرح، بل ما نرمي إليه هو الإجابة على تساؤل مفاده: كيف نخرج من عباءة الموظف ؟؟

لن نجيب بل نكتفي باحتمال أن نكون بأمس الحاجة لـ” حملة تصحيح تشريعي”..إن أفلحنا ربما نكون قد بدأنا بالوثب فوق تجربة النمور الآسيوية.. لنسجّل بصمتنا الخاصة في تجارب النهوض الحديثة.

ناظم عيد – الخبير السوري