الإثنين , سبتمبر 16 2019

خان شيخون… هكذا فر الإرهابيون

خان شيخون… هكذا فر الإرهابيون

محمد عيد

لم يتأخر هاتف الإدارة السياسية في الجيش العربي السوري في دعوة الإعلاميين لزيارة خان شيخون كبرى بلدات ريف إدلب الجنوبي وبقية المناطق المحررة في ريف حماة الشمالي، هاتف كان متوقعا بالتزامن مع بيان الجيش عن عمليته العسكرية والأهمية الإستراتيجية للمدن والبلدات المحررة، ولكنه مع ذلك لم يقلل من حافز الفضول لدينا لزيارة بلدات كانت حتى الأمس القريب قلاعا حصينة ظن الإرهابيون أنها مانعتهم قبل أن يبوؤوا بخسران مبين.

رحلة بين الدمار
رغم مشاهد الدمار التي امتدت على مسافة الطريق إلى خان شيخون كبرى بلدات ريف إدلب الجنوبي عبر ريف حماة الشمالي فإن ثمة بقية من جمال لاحت عبر السهول والحقول الواصلة بين هذه البلدات الريفية الجميلة. فأول الغيث هو زوال الإرهاب عنها وعن جوارها في محردة والسقيلبية وغيرهما من البلدات التي دفعت ثمن عجز الإرهابيين عن إيلام الجيش فاختاروا استهداف المدنيين فيها باعتبارهم الخاصرة الرخوة في العملية العسكرية التي انطلقت منذ شهر نيسان الماضي وحملت بالمفهوم العسكري نتائج فاقت التوقعات.

مالت بنا السيارة من ريف حماة باتجاه بلدة كفرزيتا ثم الهبيط ثم خان شيخون التي مثلت درة النصر المبين الذي حققه رجال الجيش السوري. اللافت أن مساحة الدمار كانت تقل كلما اقتربنا من خان شيخون والسبب كما أوضحه القائد العسكري الذي رافقنا كان محاولة المجموعات الإرهابية الدفاع عنها من خلال خطوط دفاعهم المتقدمة في ريف حماة الشمالي حيث دارت أشرس المعارك وفتحت كميات هائلة من النيران، “ومع سقوط الخطوط الدفاعية الأولى أدرك الإرهابيون أن أملهم في الصمود بدأ يتلاشى رغم الدعم التركي فبدؤوا بالفرار الأمر الذي جعل حدة الاشتباكات تنخفض على اعتبار أن بقية المناطق قد حررها الجيش بالرعب” يقول قائد ميداني لموقع “العهد” الإخباري.

التوقف القصير في بلدة الهبيط التي مهد استيلاء الجيش العربي السوري عليها الطريق أمامه للتوجه بسرعة قصوى باتجاه خان شيخون وخصوصا من محورها الشمالي الغربي سمح لنا بالتحقق مما أخبرنا به مدير الإدارة السياسية في الجيش العربي السوري اللواء حسن حسن حين زار البلدة برفقة وزير الدفاع السوري العماد أول علي أيوب “رأيت في الهبيط أنفاقا وتحصينات هائلة كانت عبارة عن مدينة كاملة تحت الأرض ولولا صلابة وإرادة رجال الجيش العربي السوري لاحتاج أمر تحريرها إلى مدة زمنية لا تعرف آفاقها”.

هكذا تقدمت القوات

في خان شيخون كان منظر الدمار الموضعي يشي بقدرة الجيش على اختيار بنك أهدافه بدقة عالية، “ضربات الطيران شلت عمليات التنسيق بين الإرهابيين داخل المدينة الأمر الذي مهد لدخولها من المحور الشمالي الغربي وبعدها التقت القوات المتقدمة من الشرق مع نظيرتها المتقدمة غربا وصولا إلى السيطرة على الطريق الدولي حلب ـ حماة ابتداء من خان شيخون، حينها اختار المسلحون الفرار قبل إطباق الحصار عليهم بشكل كامل ولكنهم تركوا وراءهم ألغاما ومفخخات كبيرة سيتعامل معها رجال الهندسة بالشكل المطلوب” يقول القائد الميداني لموقع “العهد” الإخباري.

سقوط خان شيخون أدى بالضرورة إلى إطباق الحصار على آخر جيب للإرهابيين في ريف حماة الشمالي وهو ما يسمى مثلث الموت في مورك واللطامنة وكفرزيتا. سألنا الضابط السوري عن مجمل المساحة التي استعادها الجيش فقال إنها” 427 كم مربعا تشتمل على جغرافيا قاسية ومعقدة وتم تحريرها في زمن قياسي”. وعن البعد الإستراتيجي للانتصار لفت القائد الميداني السوري إلى أن خان شيخون باتت قاعدة انطلاق للجيش السوري في محافظة إدلب بعدما وصل إليها للمرة الأولى منذ العام 2014 وهو “إنجاز سيترتب عليه الكثير ابتداء من كون إدلب نفسها قد صارت قريبة جدا وخصوصا أن الجيش قد نجح في عزل خان شيخون عن معرة النعمان التي قد تكون وجهته المستقبلية الأولى، والأهم أن الروح المعنوية للإرهابيين قد وصلت إلى القاع وهذا ما لاحظناه من خلال فرارهم وتجنبهم الصدام معنا في المعارك الأخيرة”.

خيارات التقدم الواسعة

أثناء تجولنا وجد بعض الجنود فرصة للراحة بعد المعارك الأخيرة، وقبيل أخذه غفوة صغيرة همس لنا أحد الجنود بأن للنوم مذاقا مختلفا بعد النصر”ولكننا ننام بعيون ساهرة”.

ما بعد خان شيخون بدت مروحة الخيارات كبيرة لدى الجيش السوري، الذي ابتسم ضباطه وعناصره حين حدثناهم عن سوتشي واتفاقها الشهير والمنطقة العازلة وغيرها من مخرجات السياسة فكانت الابتسامة ردا قائما بذاته قبل أن يعيد أحد الجنود ترجمتها ببيان لم يخل من الحزم: “ما نعرفه هو أن القوة والقوة وحدها هي التي جعلتنا نتحدث معاً في خان شيخون. إدلب كلها أرضنا ونعرف كيف سنستعيدها”.

كانت عمليات التمشيط لا تزال جارية في خان شيخون واحتفالات النصر كذلك. لكن وجوها مغبرة وعيونا شاخصة نحو الأفق كانت تحضر لأمر ما، أمر يقول إن خان شيخون محطة مهمة ولكن ومن دون شك… لها ما بعدها.
العهد