الأحد , سبتمبر 22 2019

“جرائم الشرف” في العالم العربي.. محاولات على استحياء للتصدي “للظاهرة”

“جرائم الشرف” في العالم العربي.. محاولات على استحياء للتصدي “للظاهرة”

فتاة أخرى تفقد حياتها بذريعة ما يسمى بجرائم الشرف. ومع تكرار وقوع هذه الجرائم في عدة دول عربية، ترتفع في المقابل أصوات أخرى مطالبة بتغيير الأوضاع وسن المزيد من القوانين التي قد تحد من هذه الظاهرة.

علقت ملامح الفتاة الفلسطينية “إسراء الغريب” بأذهان الكثيرين بسبب ملابسات وفاتها، فعلى شبكات التواصل الاجتماعي وجهت لأسرة الفتاة اتهامات بالاعتداء عليها وإساءة معاملتها والتسبب في النهاية بمقتلها فيما يتم وصفه بـ “جريمة الشرف”، فيما لم توجه حتى الآن أي اتهامات رسمية للعائلة.

لكن ما تسبب فيه الحادث من صدمة وحزن لدى الكثيرين لا يعد بالأمر الجديد، فعقب مشاركتها في وقفة احتجاجية تم تنظيمها اليوم للمطالبة بحماية النساء الفلسطينيات ضد العنف الأسري، عددت مخرجة الأفلام الوثائقية الفلسطينية امتياز المغربي في حوار مع DW عربية، الجرائم التي تم ارتكابها في حق فتيات وسيدات “تحت مسمى الدفاع عن الشرف”.

ما دفع المخرجة الفلسطينية الشابة للاهتمام بقضايا الشرف – والتي تعمل منذ سنوات على التحضير لفيلم روائي عن هذه الجرائم- هو معايشتها لإحدى تلك الجرائم حين كانت في الحادية عشر من عمرها، إذ تحكي امتياز عن جارتها التي فقدت حياتها على مسمع منها وتقول: “سمعت صوت صراخها والاعتداء عليها بالضرب، واعتقدت أنه شجار عادي، إلى أن جاء يوم رأيت فيه أسرتها يحملونها ويضعونها في صندوق السيارة وسط ذهول الجميع”.

تضيف امتياز: “سألت أبي عما يحدث، لكنه لم يدرِ كيف يشرح لي الموقف حينها، فالجميع كان على علم بأن سيدة في الأسرة دبرت مكيدة للفتاة مُستغلة مفهوم “جرائم الشرف” للتخلص من الضحية والسيطرة على منزل الأسرة، ولكن نظراً لأنه في غالبية جرائم الشرف ينتمي الجاني والضحية لذات الأسرة، فإن أحداًَ لا يتدخل ولا تتم معاقبة المُعتدي”.

وتكمن المشكلة في القناعة الراسخة لدى البعض في العالم العربي بشأن “أحقيتهم” المجتمعية والأخلاقية والقيمية في إنهاء حياة أي سيدة داخل العائلة بمجرد أن يتطرق للأخيرة الشك بشأن علاقات السيدة أو الفتاة بالجنس الآخر :

ويشير الدكتور إياد البرغوثي أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز رام الله لحقوق الإنسان إلى وجود خلل في فكرة ومصطلح “العيب” بالمجتمعات العربية، موضحا أن “المجتمع العربي قائم على مفهوم العيب الذي ينحصر في الشرف بشكل محدود للغاية ليس له علاقة بالصدق أو الأمانة أو النجاح، وإنما يتحدد فقط بوضع المرأة في الأسرة”، بحسب ما قال خلال مقابلة له مع DW عربية.

وأضاف خبير علم الاجتماع أن “المجتمعات العربية قلقة ومُحبطة ولا ترى أي مستقبل واضح أمامها، وبالتالي يتراجع الهم العام نحو الإشكال أو الهم الشخصي، ولا يكون لدى الشخص سوى الانكفاء على ذاته سواء بشكل إيجابي أو سلبي”.

“سيناريوهات متشابهة بدوافع ذكورية”

تقول امتياز المغربي المخرجة الفلسطينية إنها قررت البحث في موضوع جرائم الشرف لعدة سنوات وجمع قصص ما وقع من حوادث قتل لفتيات أو نساء في الضفة الغربية وقطاع غزة، ليس بغرض عرضها كوقائع فقط، وإنما سعياً وراء المساهمة في تغيير الوضع لأن “أي امرأة فلسطينية يمكن أن تكون ضحية لهذا النوع من الجرائم، ولهذا أحلم أن يرى فيلمي النور وأن أشارك في إحداث تغيير حقيقي من خلاله، كما حدث مع الفيلم المصري أريد حلأً”.

كان الفيلم المصري والذي قامت الفنانة الراحلة فاتن حمامة ببطولته، قد ناقش قضية حق المرأة طلب الطلاق من زوجها لأسباب مختلفة من ضمنها اكتشافها لخيانة الزوج، ما أدى إلى فتح حوار مجتمعي لينتهي الأمر بتغيير قانون الأحوال الشخصية المصري لصالح المرأة.

إلا أن هذا التغيير الذي حدث منذ سنوات طويلة لم يمتد ليصل لمواد القانون المتعلقة بما يسمى “جرائم الشرف”، فوفقاً لقانون العقوبات المصري يتم تخفيف عقوبة الزوج الذي يقتل زوجته حال تلبسها بالزنا لتتراوح ما بين 24 ساعة إلى ثلاثة سنوات، بينما لا يتم تخفيف الحكم على الزوجة إن هي قتلت زوجها للسبب نفسه.

وفي الكويت، توجد مطالبات منذ سنوات لإلغاء المادة 153 من “قانون الجزاء” والتي تنص على معاقبة من يقتل زوجته أو ابنته أو أمه أو أخته “حال تلبسها بمواقعة رجل لها” بالحبس مدة لا تجاوز 3 سنوات وبغرامة لا تتجاوز ما يعادل 45 دولاراً، حيث يرى المطالبون بإلغاء هذه المادة أنها لا تساوي بين الرجل والمرأة من حيث العقاب على الخيانة الزوجية،ونجح دعاة تغيير المادة في تمرير مقترح مشروع لإلغائها وحصلوا على توقيع خمسة أعضاء بمجلس النواب الكويتي عام 2017.

بيد أن القتل بدافع الحفاظ على الشرف لا يحدث فقط ضد متزوجاتٍ متهماتٍ بخيانة أزواجهن. وتذكر مخرجة الأفلام الوثائقية امتياز المغربي واحدة من الحقائق التي توصلت لها بعد سنوات من البحث والدراسة في قضية جرائم الشرف وهي أن أغلب تلك الجرائم يتسم بـ “سيناريوهات متشابهة نفذت بدوافع ذكورية” فتقول: “ما يسيطر على المجتمع الفلسطيني هو العادات والتقاليد أكثر من القانون نفسه، فتكون العقوبة مُخففة للغاية للدرجة التي قد تسمح للجاني نفسه بأن يسير في جنازة ضحيته، وهو ما يحدث في كثير من الحالات”.

محاولات للتغيير

ويؤكد إياد البرغوثي خبير علم الاجتماع على أهمية تكامل الأدوار المختلفة لمواجهة جرائم الشرف في المجتمعات العربية “فكون المجتمعات العربية مُحافظة هو أمر يؤكد على أهمية التوعية بالقضية بشدة واستكمال المسار بتغيير القوانين نفسها، ففي الأردن على سبيل المثال أرادت الحكومة تغيير بعض القوانين المتعلقة بهذا الشأن إلا أنها ووجهت برفض شديد من جانب البرلمان ذاته”.

كان البرلمان الأردني قد قرر في عام 2017 إلغاء مادة في قانون العقوبات تسمح للمغتصب بالإفلات من العقوبة إذا ما تزوج من ضحيته، ولكن مع مطلع 2019 قرر البرلمان تعديل قانون الأحوال الشخصية الأردني ليسمح بزواج الفتيات في سن السادسة عشرة في “حالات خاصة إذا كان في الزواج ضرورة”، ما قد يعد التفافاً على إلغاء القانون السابق ويفتح باباً جديداً لتقنين الكثير من التجاوزات.

وتشير المخرجة الفلسطينية امتياز المغربي إلى عدم قدرتها على إقناع أي جهة فلسطينية بإنتاج وتمويل فيلمها الروائي عن جرائم الشرف حتى الآن “فالكثيرون يرفضون تناول القضية، خاصة وأن بعضهم ليس ضد ارتكاب هذا النوع من جرائم القتل طالما أنه بدافع الحفاظ على الشرف بحسب وجهة نظرهم”.

دينا البسنلي