الأربعاء , نوفمبر 13 2019
غاز شرق المتوسط... هل من ترابط مع "صفقة القرن"؟

غاز شرق المتوسط… هل من ترابط مع “صفقة القرن”؟

غاز شرق المتوسط… هل من ترابط مع “صفقة القرن”؟

نشرت مجلة “ماكلاتشي” المتخصصة تقريراً حول حقول الغاز في شرق البحر المتوسط، منطلقة من خريطة معلقة في البيت الأبيض منذ عهد باراك أوباما، تعكس خطة استراتيجية تسعى ادارة دونالد ترامب لإعطائها زخماً جديداً من خلال رعاية تحالفات شرق متوسطية في مجال الطاقة تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية كبرى.

يعتقد كبار مساعدي الأمن القومي في إدارة الرئيس دونالد ترامب أن خريطة الطريق المقترحة للسلام في الشرق الأوسط رُسمت على أساس خريطة معلّقة في البيت الأبيض، وتشير إلى محطات الطاقة ومحطات الغاز ومشاريع خط الأنابيب الطموحة.

وفقًا لثلاثة من كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، فإن هذه الخريطة، التي رفعت عنها السرية وحصلت “ماكلاتشي” على صورة منها – قد حفَّزت أعضاء مجلس الأمن القومي على إعطاء الأولوية لتشكيل منتدى للغاز في شرق البحر المتوسط، من شأنه أن يعزز، ويدمج في الوقت ذاته، اقتصاديات العديد من البلدان التي كانت على خلاف في ما بينها لعدة عقود.

شكّل الانبهار بموارد الطاقة الإقليمية الأساس لوضع السياسات بين الأعضاء الرئيسيين في الدائرة الداخلية لترامب، ممن ينظرون بشكل مماثل إلى احتياجات النفط والغاز باعتبارها ضرورية لاستراتيجياتهم تجاه روسيا والاتحاد الأوروبي، وفقاً لمصادر البيت الأبيض ووزارة الدفاع.

هو مثال نادر للاستمرارية بين إدارتي دونالد ترامب وباراك أوباما. لقد وُضِعت الخريطة للمرّة الأولى من قبل رسامي الخرائط ودبلوماسيي وزارة الخارجية الذين عملوا ضمن فريق نائب الرئيس السابق جو بايدن، وفقاً لما يقول مهندسها آموس هوشتاين، المبعوث الخاص السابق ومنسق شؤون الطاقة الدولية.

وقال هوشتاين لـ”مكلاتشي”: “لقد استغرقنا وقتاً طويلاً لنخلقها… هناك استمرارية كاملة، وذلك بفضل رؤية وقيادة نائب الرئيس بايدن”.

تعاون بين الحزبين

تدعم إدارة ترامب جهود الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديموقراطي التي تخدم مقاربتها: مشروع قانون “يعزز شراكات الأمن والطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط” تم تقديمه من قبل الحزبين في مجلسي النواب والشيوخ في أيار الماضي، ومشروع قانون آخر يهدد بمعاقبة الشركات الأوروبية التي تدعم مدّ خطوط أنابيب “نورد ستريم 2” إلى ألمانيا، بتمويل رئيسي من شركة “غازبروم” الروسية المملوكة للدولة.

في منتصف أيار، أطلع وزير الطاقة ريك بيري الرئيس دونالد ترامب، في المكتب البيضاوي، على الجهود المبذولة لخط الأنابيب الروسي، الذي يلتف على أوكرانيا من خلال المرور عبر الأراضي البحرية لدول البلطيق، التي تعتمد كلياً على الوقود الروسي.

اقرأ المزيد في قسم الاخبار

تتزايد بشكل ملفت معارضة الإدارة الأميركية لمشروع “نورد ستريم 2”. وقال نائب الرئيس مايك بينس في نيسان الماضي، في حفل أقيم في واشنطن لمناسبة ذكرى تأسيس حلف شمال الأطلسي: “إذا استمرت ألمانيا في بناء خط أنابيب نورد ستريم 2، وكما قال الرئيس ترامب، فإن ذلك يمكن أن يحول الاقتصاد الألماني إلى أسير لروسيا حرفياً”.
ي
قول ريك بيري إن ترامب سيدعم تشريع العقوبات الذي أقره مجلس الشيوخ في أوائل أيار. وبينما تسعى الإدارة الأميركية إلى إحباط الجهود الروسية في شمال أوروبا، فإنها تعمل أيضاً على تسهيل المبادرة التي تقودها مصر جنوباً، والتي يمكن أن تنتج سوقاً إقليمية قوية للغاز.

وقال مسؤولون في البيت الأبيض لـ”ماكلاتشي”، في نيسان الماضي، إنهم طلبوا دور مراقب رسمي في الاجتماعات المستقبلية لمنتدى غاز شرق المتوسط – الذي يضم الأردن وإيطاليا واليونان وقبرص وإسرائيل والسلطة الفلسطينية – وعرضوا المساعدة في بلورة هيكل المنتدى، والاستفادة في ذلك من خبرات الولايات المتحدة.

على هذه الجبهة، تتمتع الإدارة بدعم من حلفاء غير محتملين. التقى إليوت إنغل، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب من الحزب الديموقراطي، بالرئيس القبرصي، وقال إن مشروع منتدى الغاز في البحر المتوسط يمثل فرصة استراتيجية للولايات المتحدة لإعاقة جهود التأثير الروسي على موارد الطاقة المحلية، معرباً عن اعتقاده بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وروسيا “لا يمكن ولا ينبغي أن يكونا قادرين على السيطرة على الوضع”.

وفي أواخر نيسان، أشاد بوب مينينديز، وهو سيناتور من الحزب الديموقراطي عن نيوجيرسي وعضو بارز في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بإدارة ترامب على جهودها، وذلك في معرض ترويجه لمشروع القانون المقدّم من الحزبين الجمهوريين، والذي أعدّه مع السيناتور الجمهوري مارك روبيو من فلوريدا.

صرّح مينينديز في أثينا بأن التشريع يبعث برسالة واضحة من مجلس الشيوخ إلى المنطقة والعالم: “شرق البحر المتوسط منطقة ذات أهمية مركزية لبلدنا. وبالتالي، يجب أن يبرز ذلك بشكل أكبر في كيفية تخصيص الجهود الدبلوماسية وسبل الانخراط والاستفادة من الموارد”.
يعترف الديمقراطيون في مجلسي النواب والشيوخ بأن استراتيجية الطاقة تمثل فرصة نادرة.

“هناك بالتأكيد تعاون بين الحزبين على كل من جبهتي الطاقة”، هذا ما قاله أحد مصادر الكونغرس من الحزب الديموقراطي، مشيراً إلى عدّة زيارات قام بها مسؤولون في الكونغرس إلى المنطقة للتركيز على استراتيجية الطاقة.

وقدم اثنان من أعضاء الكونغرس في فلوريدا، هما النائب الديموقراطي تيد ديوتش والنائب الجمهوري غوس م. بيلراكيس، مشروع قانون في أواخر نيسان الماضي من شأنه أن يعزّز استراتيجية البيت الأبيض.

وقال مصدر آخر في الكونغرس، وهو من الحزب الديموقراطي، إن مواجهة النفوذ الروسي الزاحف على موارد الطاقة في المنطقة “قد يكون بالتأكيد مؤشراً” على إقرار مشروع القانون.

في موازاة ذلك، سافر ديفيد ساترفيلد، مساعد وزير الخارجية بالوكالة، إلى بيروت، على أمل التوسط في تسوية نزاع حدودي بحري بين لبنان وإسرائيل، وكلاهما يعمل على إقامة منشآت بحرية لحقول غاز جديدة واعدة.

وقال مسؤول في وزارة الخارجية لـ”ماكلاتشي” إنه “إذا أمكن حل مشكلة تلك الحدود البحرية، فإنّ شركات طاقة كثيرة ستعمل على التنقيب، ما يفتح الكثير من الفرص”.

استراتيجيات مخطّطة منذ سنوات

ركز مسؤولو مجلس الأمن القومي – بمن فيهم ريك بيري ومستشار الأمن القومي جون بولتون والنائب الأول للرئيس للتقييمات الاستراتيجية فيكتوريا كوتس ووزير الخارجية مايك بومبيو – أنظارهم مجدداً إلى استراتيجية صيغت في مكتب مظلم داخل وزارة الخارجية.

هذا المكتب، المسمى مكتب موارد الطاقة، يعمل منذ عهد أوباما على إخراج أوروبا من الوقود الروسي، وبناء “سوق متكاملة للطاقة بهدف تحفيز التعاون الإقليمي وتعزيز أمن الطاقة”، وفقًا لموقعه على شبكه الإنترنت.

توضح الخريطة اكتشافات النفط والغاز قبالة سواحل قبرص ومصر وإسرائيل ولبنان على مدار العقد الماضي، وترسم بينها مسارات محتملة للتصدير إلى الولايات المتحدة.

يقول هوشتاين: “أنا لست مندهشاً على الإطلاق… إنه خيار سياسي واضح بدعم المصالح الأميركية والإقليمية. ليست هناك الكثير من الجوانب السلبية، لكن الأمر يتطلب الاهتمام بالتفاصيل، وليست هناك حاجة لمحاولة إعادة اختراع العجلة التي أضاعت الكثير من الوقت”.

ويشير هوشتاين، الذي عمل عن كثب مع بايدن طوال فترة ولايته، إلى أن الخريطة قدمت شخصياً إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال عملية السلام في قبرص (2015-2017)، وكانت الأساس للتقارب بين تركيا وإسرائيل بعد أزمة أسطول غزة، مضيفاً “اللبنانيون لديهم (هذه الخريطة) والإسرائيليون يمتلكونها والقبارصة أيضاً – كان هذا تركيزاً كبيراً”.

يرفض أحد كبار مسؤولي إدارة ترامب ممن عملوا على إطلاق المحادثات الإسرائيلية الفلسطينية الكشف عما إذا كانت الطاقة من سمات خطة السلام. ومع ذلك، فإنّ منتدى غاز شرق المتوسط الناشئ، ومقره القاهرة هو الإطار الوحيد الذي يوفر تعاوناً مشتركاً بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وفي هذا السياق، يقول مسؤول آخر إنّ “أي شيء يجعل الإسرائيليين والفلسطينيين يتفقون على سبع نقاط هو أمرٌ مهم للغاية”.

وفي وقت تركز جهود الإدارة الأميركية على تشكيل “تحالف إستراتيجي في الشرق الأوسط”، لمواجهة إيران، ينظر مسؤولو الأمن القومي إلى منتدى الغاز كأداة إستراتيجية أساسية لتعزيز مصالح الولايات المتحدة في المنطقة.

في آذار/مارس الماضي، حضر بومبيو حفلًا في تل أبيب بمشاركة المسؤولين اليونانيين والإسرائيليين والقبارصة من أجل الاتفاق على إنشاء خط أنابيب بقيمة سبعة مليارات دولار، ومن شأنه تسهيل تصدير الغاز المحلي إلى أوروبا. أخبر مسؤولو الأمن القومي “ماكلاتشي” أن ذلك كان إشارة متعمدة إلى دعم الولايات المتحدة للمشروع.

يقول أحد المسؤولين الأميركيين: “نحن ندعم بشكل أساسي فكرة خط الأنابيب – إنها جذابة للغاية”، لكنه يوضح أن “المسألة هنا تتعلق بالشق الاقتصادي… إذا كان خط الأنابيب سيجعل الغاز باهظ الثمن في السوق الأوروبية في الوقت الحالي فيجب أخذ ذلك بعين الاعتبار”.

“أين يمكن أن تحصل أوروبا على الطاقة؟”

الرؤية الأميركية تتمثل في ربط الحكومات التي كانت في وقت من الأوقات على تنافس في ما بينها، من خلال شبكة الطاقة، واستخدام هذا التحالف العملي لإثراء المنطقة، وتنويع الواردات الأوروبية، وإضعاف موسكو. ربما تكون تلك هي العقيدة الاستراتيجية قررتها إدارة ترامب.

ومع ذلك، ثمة مفارقة استراتيجية ملازمة لتلك الرؤية، وفقاً لسيمون هندرسون، مدير “برنامج بيرنشتاين لسياسة الخليج والطاقة” في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

يقول هندرسون: إن “فكرة أن طاقة شرق المتوسط يمكن أن تؤثر على توازن الطاقة الأوروبي بطريقة تضعف حصتها في السوق الروسية هي فكرة خيالية – إن تعطش أوروبا للغاز ضخم للغاية، وقدرة روسيا على توفير هذا الغاز كبيرة للغاية”، معتبراً أن هذا الهدف حلم لا يمكن توقّع تحققه في ضوء الاحتياطيات المحدودة المكتشفة حتى الآن”، وموضحاً أن “الأمل في العثور على الغاز لا يعني العثور على الغاز بالفعل”.

يتم استيراد أكثر من ثلثي الغاز الأوروبي من الخارج. نصف هذه الكمية تقريباً تأتي من روسيا، وفقاً للمفوضية الأوروبية وشركة “غازبروم”، وهي تصل إلى حوالي 200 مليار متر مكعب تم تسليمها في العام 2017.

يعلّق دبلوماسيو الطاقة من إدارتي ترامب وأوباما آمالهم على بيانات واعدة تشير إلى وجود كمية كافية من الغاز (في شرق المتوسط) لإشباع أوروبا بأسرها. مع ذلك، فإنّ التقديرات حول كمية الوقود الأحفوري الموجود في شرق البحر المتوسط تستند إلى نماذج زلزالية متطورة، ولكنها غير دقيقة.

“أين يمكن أن تحصل أوروبا على الطاقة؟” يسأل هندرسون، قبل أن يجيب “إذا كنت غير مسيّس تماماً، فسأقول إيران”.