الإثنين , نوفمبر 11 2019
عبد الباري عطوان: بوتين يقلب الطاولة في سوريا

عبد الباري عطوان: بوتين يقلب الطاولة في سوريا

عبد الباري عطوان: بوتين يقلب الطاولة في سوريا

عبد الباري عطوان
يعيش الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أفضل أيامه في منطقة الشرق الأوسط، ويحصد ثمار فشل السياسات الامريكية الوفيرة فيها، والفضل في ذلك يعود بالدرجة الأولى الى ثلاثة عوامل رئيسية، أولها دهاؤه الاستراتيجي بعيد النظر، وبرود اعصابه وسياسة النفس الطويل التي يتبعها، وثانيها تحالفاته الذكية والمدروسة بعناية في المنطقة، وخاصة مع سورية وايران وتركيا، وثالثها الغباء الأمريكي، وحالة الفوضى السياسية التي تسود واشنطن حاليا نتيجة الخلافات المتفاقمة بين البيت الأبيض والكونغرس.
الرئيس دونالد ترامب كان الهدية الإلهية الأعظم للرئيس بوتين، وروسيا عموما، فهذا الرجل بجشعه، ولغة الصفقات التي لا يتقن غيرها، لم يحقق أي انجاز على مدى السنوات الثلاث الأولى من حكمه، وكل سياساته، بما فيها المبالغة في فرض العقوبات الاقتصادية، أعطت نتائج عكسية، وانعكست سلبا على المصالح الامريكية في المنطقة، وهزت الثقة بالصورة الامريكية ومصداقيتها، وانهكت حلفاء أمريكا، الامر الذي يرجح النظرية التآمرية التي تقول بتدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لمصلحة فوزه حتى لو غابت الأدلة.
الرئيس بوتين يزور الرياض وأبو ظبي، ابرز شريكين لأمريكا، واكبر مستوردين لأسلحتها، وتعبت يده من توقيع الصفقات التجارية، والعسكرية، والنفطية، من كثرة عقودها، ويفرك يديه فرحا، ويشكر حليفه الإيراني في سره الذي لعب، واذرعته العسكرية الحليفة في اليمن والعراق ولبنان دورا كبيرا في هذا التحول الاستراتيجي الكبير، واقدم، أي الحليف الإيراني، على خطوات صبت في نهاية المطاف في تمهيد الطريق لتحقيق هذا الاجتياح الروسي.
***
ثلاثة انتصارات كبيرة حققتها ايران وحلفاؤها تكمن خلف هذا الاجتياح العسكري والسياسي الروسي التدريجي والمتسارع وبالانسحاب الأمريكي بالتالي من منطقة الشرق الأوسط:
الأول: نجاح صواريخها الباليستية والكروز المجنحة والطائرات المسيرة التي زودت بها حلفاءها الحوثيين في اليمن، في تقويض “الهيبة” العسكرية والأمنية الامريكية وربما تغير المعادلات الحالية ولو جزئيا في منطقة الخليج، وهي الصواريخ والمسيّرات التي اخترقت المنظومات الدفاعية السعودية الامريكية الصنع بكفاءة عالية، واحدثت شللا، ولو مؤقتا، في امدادات النفط السعودية للعالم، الامر الذي صب في مصلحة الصناعات العسكرية الروسية، وزاد من الإنتاج النفطي الروسي الذي عوض الغياب السعودي، وجعل دول الخليج تسعى للأسلحة الروسية كبديل عن الامريكية.
الثاني: التدخل العسكري الإيراني في سورية، سواء بشكل مباشر عبر قوات إيرانية وأخرى تابعة لـ”حزب الله” والسلاح الإيراني، او غير مباشر، من خلال فصائل وميليشيات، فهذا التواجد لعب دورا كبيرا في صمود الدولة السورية حتى قبل التدخل العسكري الروسي المباشر، وتكامل معه وعززه لاحقا، مما أدى في نهاية المطاف الى هزيمة المشروع الأمريكي.
الثالث: صمود ايران في وجه العقوبات الاقتصادية الامريكية وتحديها، ورفض الركوع امامها، والتسليم بشروطها المجحفة، بل ومقاومتها من خلال تكثيف الهجمات على مصالح أمريكا وحلفائها وناقلاتهم في الخليج، وربما قريبا في البحر الاحمر، وكسر الحصار من خلال استئناف التصدير للنفط بمعدلات وصلت الى مليون برميل يوميا حتى الآن، ووضع خطط تنمية وسياسات اقتصادية لتقليص الاعتماد على النفط كمصدر أساسي للدخل.
***
هذه الفتوحات التي حققها الرئيس بوتين في الخليج لن تقتصر على الصفقات التجارية والعسكرية، بل ربما تمتد أيضا الى أخرى سياسية تخدم مصالح حلفائه في سورية التي بات يملك اليد العليا في تسريع تعافيها، وعملية الاعمار فيها، ولن نستبعد ان يدفع بإتجاه استعادة دورها القيادي في الجامعة العربية، وليس مقعدها فقط، وفتح قنوات التطبيع بين حليفه الإيراني وهذه الدول أيضا، وهناك مؤشرات تؤكد ان السعودية ستسير قريبا على خطى الامارات، وترسل الوفود الى طهران لانهاء كل القضايا الخلافية وبما يؤدي الى انهاء الحرب في اليمن، ولعل زيارة عمران خان، رئيس الوزراء الباكستاني للرياض اليوم احدث المؤشرات.
من كان يتوقع ان يؤدي الاعتراف الأمريكي بالهزيمة في شمال سورية الى عودة الاكراد بوساطة روسية الى الدولة السورية الام ويتعهدون بالتخلي، ولو مؤقتا، عن كل طموحاتهم الانفصالية، ويفتحون كل أراضيهم وقواعدهم العسكرية للجيش العربي السوري، ويتعهدون بتسليم أسلحتهم الامريكية للجيش السوري، وحل ادارتهم الذاتية؟
اليوم عاد الاكراد الى دمشق، ولا نستبعد غدا ان يشكل المشروع الروسي بإحياء معاهدة اضنة بين سورية وتركيا (عام 1998) الأرضية الأصلب لعودة العلاقات بين البلدين الى صورتها السابقة، وبما يؤدي الى عودة السيادة السورية الى ادلب وشرق الفرات كاملة؟
انه الدهاء الروسي الذي يعيد تركيب منطقة الشرق الأوسط على أسس جديدة ليس للأمريكان أي وجود فيها، ولا نقول هذا من قبيل التمنيات، وانما استنادا للوقائع على الأرض.. والأيام بيننا.
رأي اليوم

إقرأ أيضا: عبد الباري عطوان: الدّهاء الشّامي ينتصر