الأربعاء , نوفمبر 13 2019

هل تفتح سورية “أخطر الملفات” و أكثرها استنزافاً للأموال ؟؟

هل تفتح سورية “أخطر الملفات” و أكثرها استنزافاً للأموال ؟؟

استمرت إجراءات رفع أسعار السلع المدعومة حكومياً خلال الحرب، واستمرت معها فاتورة الدعم بالارتفاع لتشكل أقصى درجات الضغط على الموازنة العامة للدولة مع وصول نسبة الدعم الحكومي إلى أكثر من (40%) من إجمالي الموازنة العامة لعام 2019، مقابل كل ذلك، ومع ضعف المقدرة على تحسين الدخول وخاصة لفئتي العاطلين عن العمل وموظفي القطاع العام، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية لاحتضان الفئات والأسر الأكثر هشاشة، استمرت الفجوة بين الدخول والأسعار وتكاليف المعيشة بالاتساع, هذا ما جاء في أوراق سياسات أعدها مركز دمشق للأبحاث والدراسات «مداد» يعالج خلالها قضية الدعم الحكومي وما تثيره من جدل بسبب الضغط الحكومي المستمر للإنفاق من جهة، ولحصر المستفيدين منها بأصحاب الحاجة حصراً.
وتذكر الدراسة أن هذا الواقع يكسب قضية الدّعم الحكومي أهميةً كبيرةً في ظلّ الجدلِ الدَّائر حول جدوى الدعم ومدى تحقيقه أهدافه الاقتصادية والاجتماعية، وبخاصةٍ مع تسارع وتيرة وإجراءات ما سُمّيت «عقلنة الدعم» وتوجيهه نحو مستحقيه، هذا الشعار الذي رُفع في متن الخطة الخمسية العاشرة التي شهدت سنوات تنفيذها إجراءات تنفيذية باتجاه رفع جزئيٍّ لبعض أوجه الدعم التي كانت سائدة في سورية لعقودٍ مضت، وهذا الرفع جاء مطلباً من متطلبات تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي المنبثق عن تلك الخطة، في المقابل لم تشهد إجراءات وبرامج تخفيف التأثيرات السلبية بشقيها الاقتصادي والاجتماعي سرعةً في التنفيذ، بل معظمها لم ينفذ برغم وجوده النظري في طيات وفصول الخطة.
تبدو دراسة مسألة الدعم ضرورية اليوم لاعتبارات متعلقة بالواقع السوريّ والظروف الاستثنائية بعد ثماني سنوات حرب أو ما يزيد، والأوضاع المعيشية الصعبة التي وصلتها شرائح واسعة من السكان، من جهة أخرى، فإنَّ دراسة مسألة الدعم تعدّ مهمة بالمعنى السياسي لقطع الطريق على أولئك الذين انهزموا عسكرياً وفشل تدخلهم، وهم سيحاولون على الأغلب ومن خلال الأوضاع الاقتصادية الصعبة تأليب الرأي العام وإضعاف وفك العلاقات بين المجتمع والدولة وما يترتب على هذا التصور من تأثيرات خطرة تستحق الدراسة.
رفعه..أمر خطير!
يحقق الدَّعم بشكله الحالي تأثيرات إيجابية تتجلى في مساعدة الأسر بشكل جزئي على تلبية بعض متطلبات العيش (الخبز، الطاقة، مياه الشرب، الصرف الصحي….)، كما يسهم في دعم عمليتي الإنتاج والتصدير، ورغم إيجابيات الدعم إلا أنَّ له تأثيرات سلبية منها، مثلاً: تشوه الأسعار، وضعف حوافز التطوير للقطاعات والسّلع المدعومة يعزز الدّعم بنمطه السائد ثقافة الاتكال والانتظار والهدر، إذ يكون الإقبال على استهلاك المواد المدعومة أكبر بكثير من غير المدعومة بما يفوق الاحتياج، ويسهم في سوء عدالة التوزيع، فالفئات الأغنى هي الأكثر نصيباً من الدَّعم، كما يسهم في تعميق الفساد.
الدعم قضية إشكالية اقتصادية اجتماعيه زيادته أو تخفيضه أو رفعه بالمطلق أمرٌ خطير، والقرارات التي اتُّخذت قبل الحرب أسهمت في تعميق الأزمة، ففي اقتصاد السوق الاجتماعي شقّان: الأول اقتصاديّ والآخر اجتماعيّ، كانت الإجراءات المنفذة جريئة كثيراً بالشق الأول (التحرير ورفع الدعم واللبرلة) وكنا أكثر من خجولين في الشق الاجتماعي، وإذا أعدنا هذا السيناريو اليوم سيكون الوضع كارثياً.
سياسات الدعم هي حق للمواطن وجزء من العقد الاجتماعي الذي قام بين الدولة والمجتمع افتراضياً، جزءٌ من نظام الحكم ونمط الدولة هو التزامها بالدعم، وإذا تغيّرت التزاماتها تجاه المجتمع فيجب عليه تغيير العقد.
التحديات
– هناك أولويات يمكن للحكومة العمل على مكافحتها قبل التفكير برفع الدعم ومنها: التهريب، التهرب الضريبي والجمركي، الفساد… هذه كلها كافية لتغطية فاتورة الدعم..
– تتبنّى الدُّول كافةً سياسات دعم، لكنها تضع استراتيجيات للخروج الآمن بالنسبة للدَّعم ذي الأهداف المؤقتة.
في سورية عندما تم تبني الدعم لم توضع أي استراتيجيات للخروج منه، فالدعم مرحلة حضانة، يترافق بمظلة من الإجراءات أي يتم دعم قطاع معين آنياً.
– تصحيح أرقام الدعم إجراء ضروري، فحسابات الدعم الحالية هي حسابات غير دقيقة، فقسم كبير من المبالغ التي تسمى دعماً وتحسب على المواطنين في الواقع هي تقصير في عمل الوزارات، ومَثَلُ ذلك نسب الفاقد من الكهرباء ومياه الشرب بسبب التعديات وسوء الشبكات يجب ألّا يتم تحميلها للمواطنين كمبالغ دعم، لأن حلها بيد الحكومة.
– عملية دعم القطاعات ليست ثابتة بل متغيرة، وتختلف أولوية القطاعات بحسب مسيرة التطور الاقتصادي، فيجب إعادة ترتيب الأولويات في كل مرحلة.
– تسهّل تكنولوجيا المعلومات والبطاقة الذكية اليوم ضبط الدعم نسبياً، لكن تبقى هناك فجوات.
– يقتضي استمرار الدعم وجود شفافية مطلقة، تحدد كيف تنفق كلّ ليرة مخصصة للدعم، وأن يكون الاستهداف دقيقاً ومحدداً.
– الدعم بوضعه الراهن سيئ، فهو باب لتغطية الفساد ولتأصيل خلل بنيوي خطير في سورية، اقتصاديّ واجتماعيّ واستراتيجي ندفع وسندفع ثمنه مستقبلاً.
– شبكات الحماية الاجتماعية غير فعالة وغير مترابطة، ومن غير المجدي رفع الدعم من دون إصلاحها، لتشكل حماية للطبقات والأسر الهشة وحصانة لها.
الخروج الآمن
رفع الدعم الآن وكل آن مسألة خطيرة إذا لم يترافق بمظلة من الإجراءات الحكومية التي تساعد على الخروج الآمن، وفي مقدمتها التمكين الاقتصادي. كما أنَّ رفعه «بالصدمة» يمكن أن يكون كارثياً، فالرفع إذا تمّ يجب أن يكون تدريجياً وانتقائياً لبعض الجوانب، وضمن حزم وبعد دراسة تأثيراته المتوقعة، ويجب التمييز بين الدعم الاجتماعي ودعم الإنتاج والمنتجين، فبعض القطاعات يجب الاستمرار في دعمها مقابل أخرى يكون دعمها آنياً أو مرحلياً، كما يحتاج رفع الدعم حزمة متكاملة من السياسات (ضرائب، أجور، موازنة عامة للدولة، إدارة إنفاق وإيرادات…) وإلا سيكون المردود السلبيّ قاسياً جداً.
إن منعكسات العلاج الصادم في المجتمعات الهشة خطيرة جداً، ومجتمعنا هشٌّ ومتصدع، لذا يجب العمل على عقلنة الدعم ووضعه في سياقه الصحيح، وضمان وصوله إلى مستحقيه، وهذا يجب أن يكون مشروعَ دولة وجزءاً من خطة ورؤية حكومية، هذه الرؤية مفقودة اليوم.
سيناريوهات
تطرح دراسة «مداد» خيارات التفكير في سياسات الدعم عبر سيناريوهات عديدة:
– السيناريو الاستمراري: أي الاستمرار بالآليات الحالية، وهو أمر غير قابل للاستدامة، إذ إن مشاكل الدعم الحالية ستستمر، ويمكن أن تتفاقم في الأمدين المتوسط والبعيد.
– سيناريو الرفع التدريجي: وهو سيناريو طويل الأمد، لأن متطلبات تحقيقه تتوقف على أهداف وسياسات التنمية على المدى الطويل، ويقوم على التمكين للناس اقتصادياً شيئاً فشيئاً، بحيث نصل إلى مرحلة التوازن بين الدخول والأسعار ومرحلة قطاعات اقتصادية متطورة قادرة على المنافسة.
– سيناريو الرفع بالصدمة: هو أسوأ السيناريوهات ويقوم على رفع الدعم بشكل فجائي من دون حساب المفاعيل والتأثيرات الاجتماعية أو السياسية أو الاحتجاجية لهذا الإجراء، وهذا ما حدث عام 2010.
– السيناريو الإصلاحي: يقوم هذا السيناريو على الاستمرار بالدعم مع إصلاح آلياته الحالية، ووصوله إلى مستحقيه، والتفكير بموارد أخرى لدعم الموازنة العامة للدولة، وهو سيناريو مركب يجمع بكفاءة بين الاحتفاظ بالحد الأدنى للمسؤوليات الاجتماعية للدولة وتخفيف تأثير الضغوط والتشوهات الكلية التي يسببها الدعم على المدى الطويل.
السيناريو الإصلاحي
إن تطبيق السيناريو الإصلاحي يستدعي تبني وتنفيذ سياسات إصلاحية كحزمة واحدة تشكل بمجملها مساراً واضحاً وشفافاً يحقق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية بشكل عقلاني ومدروس.
على المدى القريب والمتوسط
– تصحيح تشوهات وأخطاء حسابات الدعم: وهي خطوة استهلالية للوقوف على الحجم الحقيقي للدعم وتقييم تأثيره في المواطنين والقطاعات المدعومة والموازنة العامة للدولة.
– تبني آليات استهداف شفافة ومتطورة لإيصال الدعم لمستحقيه، فالآليات الحالية يشوبها الكثير من أوجه الفساد والبيروقراطية.
– حصر مكونات الدعم وتقسيمها إلى مكونات شمولية ومكونات استهدافية، إذ إن معظم مكونات الدعم الحالية تتسم بالشمولية في التغطية ولا تميّز بين فقير وغني، وبالتالي لا تؤدي دوراً واضحاً في تخفيف سوء عدالة التوزيع.
– تخفيض الفجوة بين الدخول والأسعار (تكاليف المعيشة) ليس بزيادة الرواتب والأجور فحسب؛ بل بخلق فرص عمل ومصادر دخل جديدة، والقضية الأهم في هذه السياسة ليس المفاضلة بين زيادة الرواتب والأجور أو خلق فرص عمل، بل السياستان مطلوبتان لتحقيق هدف تحسين الأحوال المعيشية.
– تبني منهجية سليمة وواضحة لصنع السياسات العامة وتسلسلها، فمن المفترض أن تبنى السياسات المالية والنقدية لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية، وليس أن تتحكم السياسات المالية والنقدية بسياسات وأهداف التنمية الأخرى، فمنهجية صنع السياسات العامة الحالية غير واضحة وغير مترابطة.
المدى البعيد
تُعد سياسات رفع الدعم جزءاً من منظومة التنمية التي لا يتم تنفيذها وتحقيقها إلا على المدى الطويل، ورغم الفعالية النسبية لسياسات الدعم وأهميتها وبخاصة في الدول التي تمر بحروب وأزمات ودورها في تحقيق الأهداف المنشودة في الأجل القصير، إلا أن الواقع العملي برهَنَ على أن الاستمرار فيها على المدى الطويل تترتبُ عليه جملة من التداعيات، منها: تشجيع وزيادة استهلاك السلع والخدمات التي يشملها الدعم؛ تسريع وتيرة نمو النفقات العامة وتشجيع التهريب؛ تباطؤ نمو الموارد العامة، إضافة إلى التشوهات السعرية للسلع عبر الحدود.
إضافة لذلك وفي ضوء التحديات المالية التي تواجهها اقتصاديات الدول النامية ومنها سورية، أصبح من الصعب الاستمرار في تمويل التكلفة المرتفعة لبرامج الدعم الذي أصبح يزاحم تمويل الاستثمار العام في البنى التحتية والاجتماعية كالنقل والبنية التحتية، والتعليم، والرعاية الصحية. في ظل هذه التداعيات ازدادت الحاجة لإعادة النظر في نظم الدعم الحكومي في معظم البلدان والتدرج في خطوات إصلاحية على المدى البعيد لمنظومة الدعم بشكل يخفف من التأثيرات السلبية في الفئات السكانية والقطاعات المتضررة ليس من منظور اجتماعي وتنموي فحسب، بل من منظور سياسيّ، فعادةً ما تترافق إجراءات رفع الدعم بحراك شعبي رافض لهذه التدخلات، كما حدث في بلدان عديدة (تونس، مصر، الأردن، …….)، في هذا الخصوص ركزت أغلب الدول النامية على إصلاح الدعم الذي يشكل عبئاً على الموازنة العامة مثل دعم الطاقة الذي بات يقتطع جزءاً من الموارد العامة، هذا التحول السياساتي الذي انتهجته بعض الدول هَدَفَ إلى ضبط وترشيد الدعم وإعادة هيكلته والانتقال إلى وسائل بديلة.
باقية ومبررة
مع ضرورة الأخذ بالحسبان أنَّ بعض أشكال الدَّعم باقية ومبررة مع بقاء الحالة التي استدعاها تبني سياسة الدعم: كدعم بعض أوجه الإنتاج والتصدير وهي متغيرة ومتبدلة حسب الحاجة، ودعم الأسر والفئات الأكثر هشاشة، بالإضافة إلى ضرورة استمرار الدولة بممارسة مسؤولياتها الاجتماعية في الصحة والتعليم وكفالة الفئات الهشة من السكان.
* د. سلمان: يجب أن يمنح الدعم للإنتاج قبل الاستهلاك بهدف خفض التكلفة والأسعار
* د. العدي: الدعم الحالي نافذة للفساد ويجب أن يستفيد منه المواطن لا السلع
لم تعد نغمة الدعم الحكومي تطرب الآذان، ففي كل مرة يشكو فيها المواطن من الوضع المعيشي المتدهور مطالباً بزيادة الأجور، يصدح بعض المسؤولين بـ(الأسطوانة المشروخة) نفسها لتذكيره بالأرقام الخيالية التي تتكبدها الخزينة من جراء تحمل فاتورة الدعم وخاصة المتعلقة برغيف الخبز التي تتجاوز المليار ليرة يومياً، لدرجة أن البعض رد عبر مواقع التواصل الاجتماعي (بلا هالمنية) وبدأت المقترحات وتقديم الحلول تنهال من قبل نشطاء ومهتمين بالشأن الاقتصادي لحل هذه الإشكالية، وإذا كان القاسم المشترك بين جميع الآراء هو الاتفاق على أن سياسة الدعم الحالية غير عادلة، ويجب العمل على إصلاحها، غير أنهم يختلفون في آلية وأسلوب إعادة التوزيع.
إذ طرح البعض فكرة توزيع الأموال المخصصة للدعم مباشرة إلى المواطنين كمبالغ نقدية أو عبر البطاقة الذكية بينما رأى آخرون بزيادة نسبة الأجور والرواتب لتصل لحوالي /200/ ألف ليرة مقابل تحرير الأسعار حلاً مناسباً، وذهب البعض إلى أن الأثرياء هم المستفيد الأكبر من الدعم على حساب الفقراء وخاصة فيما يتعلق بمخصصات الدعم للبنزين عبر البطاقة الذكية باعتبار الفقير لا يملك سيارة ويستخدم وسائط النقل العام. نحاول في هذا التحقيق مناقشة السجالات والأفكار التي أطلقت بخصوص سياسة الدعم الحكومي التي تتعرض لكثير من الانتقادات في الآونة الأخيرة وفيما إذا كان لدى الحكومة فعلاً نيات حقيقية لإعادة التوزيع أو تحرير الدعم.
ففي رسالة توجه بها المواطن سمير اسحاق لـ« تشرين» أشار إلى أن إيصال الدعم لمستحقيه هو مجرد شعار، إذ لا يختلف اثنان على أن الدعم يجب أن يرتفع كلما ازدادت نسبة الفقر و ينخفض كلما ازدادت نسبة الثراء لدى بعض الشرائح، منوهاً بأنه يمكن الاستدلال على المستوى المعيشي من منطقة السكن، فمن غير المنطقي أن تدعم الحكومة حوامل الطاقة للقاطنين بالأحياء الراقية، التي قد يصل سعر المنزل فيها إلى أرقام فلكية بالمستوى نفسه الذي تدعم فيه القاطنين في العشوائيات، كعش الورور الذين هم من أصحاب الدخل المحدود وصغار الكسبة ويعيشون في منازل لاتتوافر فيها الشروط الصحية.
ويضيف: المنطق في الدعم أن المناطق السكنية الراقية ليست بحاجته، وإنما يجب تحرير أسعار الطاقة فيها، على أن يتم تحويل هذا الوفر إلى المناطق الأكثر فقراً.
ويقدم وجهة نظر تتلخص بضرورة وجود مشروع وطني يتم تكليف وزارة الإدارة المحلية بتنفيذه، يتضمن تصنيف المدن إلى عدة مناطق بحسب أسعار المساكن فيها، وعندها يصبح من السهل إيصال الدعم إلى مستحقيه، محذراً من أن من يدخل مطحنة الفقر يخرج منها مجرماً أو إرهابياً، وأن مساعدة الطبقات الأشد فقراً ضرورة من باب الحفاظ على الأمن الوطني، باعتبار أن جيوش الفقراء والعاطلين عن العمل فريسة سهلة لكل من أراد ببلدنا الأذى والدمار.
بالفقه الاقتصادي
الدكتور حيان سلمان معاون وزير الكهرباء أكد أن سياسة الدعم متبعة في كل دول العالم بما فيها المتقدمة اقتصادياً، فأمريكا تعطي قيمة المحاصيل الزراعية للفلاحين حتى لو لم يقوموا بزراعة أرضهم، منوها بأنه يمكن تقسيم الدعم إلى قسمين إنتاجي واستهلاكي، فالدعم الإنتاجي يكون لمصادر إنتاج محددة ولصناعات معينة تتمتع بميزات تفضيلية لا تستطيع أن تثبت موجوديتها في سوق الإنتاج الداخلية والخارجية، أما الدعم الاستهلاكي فهو يهدف لتحقيق عدالة اجتماعية وتقليص الفروقات بين المستهلكين والتغلب على أعباء الحياة المادية. وأوضح أنه من حيث الفقه الاقتصادي، فالدعم هو تشويه لمنظومة الأسعار لأنه يعني أن على خزينة الدولة أن تتحمل النفقات ما بين التكلفة والسعر، كما هو الحال بالنسبة لبعض السلع المدعومة في سورية، لذلك ارتفعت مؤخرا الأصوات التي تطالب بإيصال الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين ولا سيما أن منظومة الدعم تعم جميع المواطنين ولا تميز بين غني وفقير
ولفت الدكتور سلمان إلى أن الدعم يجب أن يكون منطقياً وأن يعطى للإنتاج قبل الاستهلاك وأن يتم دعم المواقع الإنتاجية بهدف تخفيض التكلفة ومن ثم تطرح السلع بالأسعار المناسبة وبين أنه برغم الظروف الاقتصادية الصعبة وسنوات الحرب التي أرهقت الخزينة وما رافق ذلك من شح الموارد لايزال موضوع الدعم يحظى بأهمية خاصة من قبل الحكومة وهو حق لكل مواطن.
دعم تفضيلي
وعن الآلية المطبقة حاليا في توزيع الدعم والتي يستفيد منها الأغنياء والفقراء على حد سواء وما يشكل ذلك من ظلم اجتماعي شدد الدكتور سلمان على أن الدستور السوري لايميز بين مواطن وآخر فالجميع متساوون بالحقوق والواجبات، لكن يمكن أن يكون الدعم تفضيلياً أو انتقائياً بحيث يوجه إلى شرائح محددة عن طريق المنظمات الشعبية أو (البونات ) ولكن بشكل عام لا يجوز التمييز بين المواطنين على أساس موقعهم من سلم الرواتب والأجور والدخل وأن الحل الوحيد هو بدعم الإنتاج لخفض التكلفة وبالتالي خفض الأسعار.
وعن رأيه بالدعوات التي أطلقها اقتصاديون لإلغاء الدعم وتحرير الأسعار مقابل زيادة الأجور والرواتب، وفيما إذا كان المواطن يستطيع تحمل تحرير الأسعار في الوقت الراهن، وما الذي سيحل بالنسبة لمن لا يتقاضى أجوراً من الحكومة كالفلاحين الذين يشكلون نسبة غالبة من المجتمع السوري وكذلك شرائح كبيرة لا تتقاضى أجوراً قال: لست مع هذا الرأي، و نحتاج دراسة متأنية بحيث يتم تخفيف الدعم بشكل تدريجي بما يتناسب مع زيادة الرواتب والأجور.
و تابع: من المعروف أن زيادة الرواتب والأجور يجب أن تترافق مع زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وهذا الناتج حالياً يعاني ظروفاً قاسية نتيجة ما حل من دمار وتخريب للمؤسسات والبنى التحتية للمنشآت بسبب الأعمال الإرهابية،لذلك يمكننا اقتراح آلية معينة لتخفيف الدعم للسلع غير الضرورية ومن ثم السير باتجاه تحرير الأسعار ومن ثم رفع الدعم بشكل نهائي حتى تتعادل القوة الشرائية للمواطن، و يقترب دخله مع ثمن التكلفة.
تعافي الإنتاج
وفيما يخص الدعم الحكومي لقطاع الكهرباء أشار الى أنه يتجاوز/ 800 / مليون ليرة سنويا، وهو رقم كبير خاصة بعد ارتفاع أسعار النفط والغاز والخسائر التي لحقت بهذا القطاع نتيجة الأعمال الإرهابية التي بلغت حوالي /3000 / مليار ليرة كخسائر مباشرة وغير مباشرة.
ويفسر الدكتور سلمان انخفاض الدعم الخاص بالمشتقات النفطية في موازنة العام القادم /2020/ من نحو 343 مليار ليرة عام 2019 إلى 11 مليار ليرة (أي بنسبة تقارب 96.8%).بأنها دليل على تعافي الإنتاج المحلي الذي بدأ يعوض قليلاً من المستوردات، إذ كنا ننتج/ 385 / ألف برميل قبل الأزمة و انخفض الإنتاج إلى / 2000 / برميل خلالها وأن الوضع عاد للأفضل، كما أن أموال القطع الأجنبي المخصصة لتأمين المشتقات النفطية أصبح اليوم من الصعب تأمينها.
الدكتور إبراهيم العدي الأستاذ في كلية الاقتصاد- جامعة دمشق أكد أن سياسة الدعم الاشتراكية أثبتت فشلها ولم تنعكس على المواطن إيجاباً، فالدعم يفترض أن يتوجه مباشرة للمواطن وليس للسلع، وأن معظم الدول التي طبقت الدعم على السلع فشلت بل وفتحت منفذاً للفساد، لافتاً إلى أن الحصول على رخصة فرن أشبه بالمعجزة نظراً لما تحققه من ثراء ناجم عن السرقات بمادة الخميرة والمازوت والدقيق. وأشار إلى أن الدعم على مادة الخبز منذ عشرات السنين قدم لنا خبزاً بمواصفات سيئة وفي بعض الأحيان انتهى المطاف بهذا الرغيف ليقدم علفا للحيوانات. ورأى أن البعض متمسك بسياسة الدعم الحالية باعتباره منفذا للسرقات والفساد وأن وزارة التجارة وحماية المستهلك لا تقدم شيئاً يصب في مصلحة المستهلك، وغير قادرة على لجم ارتفاع الأسعار، لذلك من الأفضل رفع الدعم وترك السوق يضبط إيقاعه بنفسه.
أما بخصوص مخاوف التضخم التي يطلقها البعض في حال زيادة الرواتب ورفع الدعم قال: الحكومة هي من تتحكم بالكتلة النقدية ولكن لا يمكنها التحكم بالكتلة السلعية وعليه فإن هذه المخاوف لامبرر لها والتضخم عدو افتراضي لا وجود له وأضاف: هناك خبراء وأكاديميون في هذا المجال يمكن للحكومة الاستعانة بهم ومن تجارب الدول الأخرى لإيجاد طريقة عادلة لتوزيع الدعم كفتح حساب للشرائح المشمولة بالدعم وتحويل هذه المبالغ الى حساب المستحقين
وأردف الدكتور العدي أن أسلوب دعم البنزين عن طريق البطاقة الذكية الذي طبق مؤخراً استفاد منه الأغنياء فمن لديه 10 سيارات حصل على الليترات المدعومة لكن الفقير الذي يتنقل بوسائط النقل العامة لم يحصل على شيء وهذا إجحاف كبير، محذراً من أن موارد البلاد تستنزف وعلينا اتخاذ إجراءات تقطع هذا النزيف،فاستمرار الدعم على هذا الحال ما هو إلا باب للفساد وتشويه للقوانين الاقتصادية والأخلاقية،و المستفيد من الدعم هم الأغنياء والفاسدون والمتضرر الوحيد هو الفقير.
حق حصري
بدوره الدكتور زياد عربش المستشار في رئاسة مجلس الوزراء يرى ضرورة تصحيح آلية الدعم الحكومي، فالمواطن يحصل على أكثر من حاجته من الخبز بسبب رخص ثمنه، وفي بعض الأحيان يقدم علفاً للحيوانات، مبينا أن تخصيصه عبر البطاقة الذكية يحد من هذا الهدر ويسهم في ترشيد الاستهلاك، ويمنع تهريبه إلى لبنان والأردن، وأن الدعم هو حق حصري للمواطن السوري بغض النظر عن وضعه الاجتماعي.
وأشار إلى أن رفع الدعم هو مطلب مجتمعي، غير أن تحديد الفئات المستحقة للدعم أمر شائك جداً، فهناك أستاذ جامعي يصل دخله إلى حوالي /400/ ألف ليرة شهريا لكن زميله لايتجاوز دخله /100/ ألف ليرة، معتبرا أن تخصيص المواطنين بمادة المازوت التدفئة عبر البطاقة الذكية كان فيه إجحاف لبعض المناطق فالاستهلاك في الأرياف الباردة للمادة لا يقارن بكمية الاستهلاك في المدن الداخلية الأكثر دفئاً.
ويقدم جمال السطل أمين سر جمعية حماية المستهلك وجهة نظره فيما يتعلق بمقترح رفع الدعم مقابل زيادة أجور العمال بأنه في هذه الحال لن يستفيد سوى العاملين بالقطاع الحكومي وبذلك ستحرم شريحة كبيرة تستحق الدعم من صغار الكسبة وهذا ظلم وانقاص لحقوقهم مبيناً أن الدعم عبر البطاقة الذكية يعدّ حلا أفضل، مشدداً على أن الدعم بوضعه الحالي يشكل إرهاقاً كبيراً للدولة ويشجع على التهريب والهدر ويجب ضبط هذه الآليات.
يرى الدكتور علي ميا الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة تشرين، أن قضية الدعم الحكومي من القضايا الأساسية في اقتصاديات كل الدول سواء أكانت متقدمه أم نامية، رأسماليه أم ذات اقتصاد مخطط، وهي من المسائل التي تقلق مجتمعنا في سورية وخصوصاً في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة التي نتجت عن الحرب الكونية التي تشن على بلادنا الأمر الذي انعكس سلبا على المستوى المعيشي لكافة المواطنين وخصوصاً الفقراء وذوي الدخل المحدود .
وقال: إن آليات سياسة الدعم للجميع ثبت فشلها لأنها غير عادلة يحصل عليها الغني والفقير بالتساوي ولهذا يجب إعادة النظر فيها والبحث عن آليات جديدة بحيث يصل الدعم لمستحقيه فقط
ويفند الدكتور ميا الطروحات التي تم تداولها بشأن الدعم، فإعطاء الأسر الفقيرة مبلغاً نقدياً يضعنا أمام تساؤل: ما مقدار هذا المبلغ؟ وكيف سننتقي هذه الأسر؟ ولاسيما في ظل الفساد المستشري وتدخل الأساليب البيروقراطية والمحاباة والعلاقات الشخصية وبالتالي قد تتجاوز تكلفة هذا الأسلوب تكلفة الدعم نفسه.
أما الفريق الذي ينادي برفع الدعم كاملاً مقابل زيادة الأجور بحيث يصبح الحد الأدنى للأجور 200 ألف ليرة سورية، فيرى أن هذا الأمر قد يؤدي إلى تحسن الوضع المعيشي قليلاً بالنسبة للعاملين وخصوصاً إذا كان في الأسرة مجموعة من العاملين غير أن هذا الدخل في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار قد لا يكون له أي أثر إيجابي على المستوى المعيشي للمواطنين بعد مضي سنة
مقترحات
ويحدد الدكتور ميا دور الحكومة في هذا الإطار بالعمل قدر الإمكان على تحويل شعار إيصال الدعم لمستحقيه إلى واقع عملي يشعر به المواطن وذلك من خلال زيادة الأجور في القطاعين العام والخاص بشكل يتناسب مع تكاليف المعيشة، وايجاد نظام استعلام جديد يتمتع بالنزاهة والشفافية بالحصول على المعلومات اللازمة لعمله، إضافة لمكافحة التهرب الضريبي والإعفاءات الضريبية غير المبررة و الإسراع في تشكيل هيئه لمكافحة الفساد.
والتركيز على السياسات الاجتماعية التي تستهدف الفقراء وكذلك إيجاد شبكات للأمان الاجتماعي قادرة على احتواء الفقراء والمحتاجين من خلال تقديم إعانات نقدية أو عينية وخدمات صحية وتعليمية، والأهم استغلال الجزء الذي يتم توفيره من جراء توجيه الدعم لمستحقيه فقط في إقامة مشاريع تنموية من شأنها توليد فرص عمل جديدة وزيادة الإنتاج وتحقيق قيمه مضافة وهكذا يتحول جزء من الدعم المباشر المقدم للسلع والمواد إلى دعم مباشر لمستقبل التنمية والشرائح الاجتماعية ذات الدخل المحدود.
يعرف الدكتور سنان ديب الخبير الاقتصادي الدعم بأنه أحد أساليب توزيع الثروة الوطنية بشكل عادل لإيصال السلع والخدمات الضرورية للشرائح الأقل دخلا، موضحاً أن رفع الدعم التدريجي كان مطروحاً من قبل الحكومة قبل الأزمة، ولكن هذا الطرح قابله آنذاك رفض من كل الأطراف باعتبار أن مؤشراتنا الاقتصادية كانت إيجابية فلا ديون ونسبة البطالة مقبولة والطبقة الوسطى مسيطرة والاحتياطي النقدي لا يستهان به. وأضاف: جاءت انعكاسات الحرب ليصبح ما رفضناه سابقا حاجة وخاصة البطاقة الذكية التي عالجت الكثير من الهدر، ولاسيما الوقود لتكون الكمية المدعومة واحدة لكل شرائح الشعب وشدد على ضرورة التوسع بدعم المنتجات الزراعية لكونها تحقق أمننا الغذائي.
ومراجعة كل القرارات و قراءة الواقع و الخروج ببرنامج اقتصادي واجتماعي غايته تحسين مستوى معيشة المواطن ضمن الإمكانات المتاحة وزيادة مداخيل الحكومة عبر ترشيد الاستهلاك والهدر، ومحاولة إعادة الأموال المهاجرة وخاصة في البلدان المحيطة والوصول لحل وطني للإحاطة بالفساد.
غير مطروح حكومياً
رغم كل وجهات النظر والإجماع بأن الدعم الحكومي بأسلوبه الحالي لم يعد مقبولاً، وخاصة فيما يتعلق برغيف الخبز الذي يرهق خزينة الدولة ويسهم في الهدر والتهريب غير أن مدير المواد والأمن الغذائي في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك بشر السقا أكد أنه لا توجد نية لرفع الدعم عن مادة الخبز، وأنه ليس هناك أي دراسة حاليا بهذا المجال و كل ما يتم الحديث عنه من تحرير للدعم مقابل زيادة للأجور غير مطروح بالنسبة للحكومة وهذه الدراسات تبقى آراء شخصية لأصحابها! ولفت إلى أن قيمة الدعم اليومي على مادة الخبز تصل لحوالي مليار ليرة يومياً وأنه لا يوجد استيراد لمادة الدقيق نظراً لأن أنظمة التجارة الخارجية تمنع ذلك، وإنما يتم طحن الدقيق محلياً من اقماح محلية أو مستوردة وفق الاحتياجات وتبلغ الحاجة اليومية من الدقيق التمويني يومياً حوالي 4260 طناً.
منال صافي – تشرين