الجمعة , ديسمبر 3 2021

هكذا تحوّل «عمود المعرض» إلى «سيف دمشقي»!

هكذا تحوّل «عمود المعرض» إلى «سيف دمشقي»!

على كتف «ساحة الأمويين» من جهة الشرق، يرتفع نصب معماري مزيّن بقطع زجاج ملوّن في طريقة هندسية. منذ سنوات طويلة، بات النصب «أبرز معالم العاصمة السورية»، وأحد الأماكن التي يفضلها الزوّار لالتقاط الصور. ويحرص البعض على شراء مجسّمات تذكارية صغيرة تحاكيه، من «سوق القباقبية» في دمشق القديمة.

لا يختلف اثنان على الأهمية المعنوية للنصب، وعن البُعد النفسي الذي تشكّل من خلال اقتران الحديث عن الشام بصورة من إحدى زواياه، بطريقة تجعل التسليم بديهيّاً بأنّ هذا الصرح يمثل «السيف الدمشقي». وبغضّ النظر عن «متعة تصديق» هذا التداول، فإن البحث في هذا الموضوع قد يُعطي نتائج أخرى، من دون انتقاص من قيمة هذا الصرح المعماري.

«منلتقي الساعة ستة بساحة الأمويين، عند السيف الدمشقي». عبارة تداولتها ديمة دقاق، مع أصدقائها الذين يودّون حضور حفل للفنانة ميس حرب في «دار الأوبرا» قرب ساحة الأمويين. لا تفوّت ديمة، الفرصة لالتقاط الصور، في انتظار وصول الآخرين. تنشر الفتاة واحدة من الصور، على صفحتها الشخصية في موقع «إنستغرام»، مرفقةً بجملة «سيلفي، والسيف الدمشقي خلفي». تشاركها في التقاط الصور صديقتها العشرينية مرام، ابنة مدينة اللاذقية، وهي تدرّس حالياً في «كلية الإعلام» بجامعة دمشق. تقول مرام «أشعر أن هذا المكان يعني دمشق.

حين أريد إرسال صور إلى أصدقائي في اللاذقية، أو خارج سوريا، أفضل أن ألتقطها قرب السيف الدمشقي». تطلب الفتاتان من أحد موظفي تنظيم الدخول إلى «دار الأوبرا» التقاط صورة مشتركة لهما، بجوار «السيف». يقول الشاب «ألتقطُ يومياً عشرات الصور من الزاوية ذاتها، صارت لديّ الخبرة الكافية لإظهاره مع الأشخاص».

إقرأ أيضاً :  عائلة سورية لاجئة في أوربا تعيش الصدمة والانهيار.. والسبب؟

قبل عام تقريباً، كان صحافي إسباني يقوم بجولة في دمشق، رفقة معدّ هذا التحقيق. حين وصل إلى «ساحة الأمويين»، سأل عن النصب المجاور لـ«الأوبرا»، وكان الجواب «إنه رمزٌ للسيف الدمشقي». ردّ الإسباني منبهراً «يا ألله كم يشبه السيف الانكليزي». لم يسمع تعليقاً على جوابه، ليقوم بعد ساعات بالمقارنة بين صورة للسيف الإنكليزي، وأخرى للسيف الدمشقي، ويقول «هذا الصرح لا يُشبه شكل السيف الدمشقي المنحني، على عكس السيف الانكليزي المستوي تماماً».

السيف والحرب… والسلم

يؤكد الإعلامي، سعد القاسم، أنّ هذا النصب «لا علاقة له بالسيف الدمشقي». يقول القاسم، وهو مُجاز من «كليّة الفنون الجميلة» ومدرّس في «المعهد العالي للفنون المسرحية»، إنّ النصب «أشيد خلال فترة الوحدة بين سوريا ومصر، وأطلق عليه بداية اسم: نصب الوحدة». ويضيف «المشكلة أنه يُقدّم صورة مشوّهة عن السيف الدمشقي الجميل والأصيل، المعروف بانحناءته القوسية، وهي إحدى المزايا التي أعطته القوة».

يُقلّب القاسم بعض الأوراق التي يستعرضُ فيها تاريخ سوريا، ويقول «نخشى مع تحول الأيام العجيب، أن يأتي يوم ويقال: هذا سيف غورو مثلاً! لا سيما أن الشكل الهندسي للسيف الإنكليزي أو الفرنسي قريبٌ نسبياً من هذا الشكل». ينشطُ القاسم في التوثيق، ويُعرف باهتماماته البحثية في الفن التشكيلي، ويؤكد أن «إشادة النصب جاءت في مرحلة شهدت حديثاً متزايداً عن السلام، والعلاقات الطيبة بين الشعوب. وكان هذا الصرح رمزاً صناعياً، وُضعت عليه أعلام الدول المشاركة في معرض دمشق الدولي. أصلاً، لماذا قد يُشاد سيف يرمز إلى الحرب في زمن السلم؟».

إقرأ أيضاً :  رئيس الوزراء يصارح السوريون: الوضع الاقتصادي صعب والمسكنات لم تعد تنفع

«عمود المعرض»

بتاريخ 18 آب 2018، نشرت وكالة الأنباء السورية «سانا» مقالاً يتحدث عن النصب بوصفه «الشاهد التاريخي والهوية البصرية الراسخة في ذاكرة السوريين، والتي ترمز إلى القوة والشموخ وتربطُ أمجاد الماضي بإنجازات الحاضر». تنقلُ سانا عن المؤرّخ، عماد الأرمشي، أن «النصب التذكاري شكّل بوصلة للزوّار والسياح.

أطلق عليه أهل الشام اسم عامود المعرض، لقربه من مكان معرض دمشق الدولي، واقترانه بهذا الحدث الموسمي المميز». يعلّق الأرمشي على نقاش دار حول الموضوع، في مجموعة متخصّصة بتاريخ دمشق، ويقول «هو ليس بسيف كما يقولون، وليس دمشقياً. السيف الدمشقي مُنحنٍ، وغمده كذلك. أين جماليات بريق السيف الدمشقي من هذه الكتلة البيتونية؟».

«هو قطعاً ليس سيف دمشق»، يقول الدكتور طلال عقيلي، الباحث في مرصد التراث العمراني في كلية العمارة. يؤكد عقيلي لـ«الأخبار» أنّ النصب «بُني في الأساس رمزاً للدول المشاركة في معرض دمشق الدولي، وكانت أعلامها موجودة عليه». ويوضح أنه كان بمثابة «المدخل الغربي للمعرض. خلفه مباشرة كان قسم الصناعات اليدوية والزخارف والحرف الدمشقية، وتليه أجنحة الدول المختلفة. لكن لاحقاً، دفعت المُخيلة الشعبية الناس للقول إنه السيف الدمشقي».

إقرأ أيضاً :  حفنة من المال تدفع شخصا لقتل والده في سوريا... صور

يشرح عقيلي البنية المعمارية، ويقول «هو عبارة عن نصب تذكاري، له وجهان: شرقي وغربي. الشرقي يطل على المعرض والمتحف الوطني، والغربي يُشرف على ساحة الأمويين». يوافق رئيس قسم التصميم المعماري في كلية العمارة بجامعة دمشق، جمال الأحمر، على ما سبق.

اقرأ المزيد في قسم الاخبار

ويقول «عبارة (السيف الدمشقي) لم أسمع بها إلا منذ سنوات. قبلها كان يُسمى عمود المعرض. أما عندما كنتُ صغيراً، فلم أسمع به، لا من أهلي، ولا في المدرسة، ولا الكتب». ويضيف «ربما ظهرت التسمية في نهاية الثمانينيات، ويبدو أن الناس أحبوها وتقبلوها. ثم تمّ تبني المصطلح إعلامياً، بعد اختيار النصب شعاراً للتلفزيون السوري».

لمحة تاريخية

شُيّد النصب عام 1960، بالتزامن مع الدورة السابعة لـ«معرض دمشق الدولي»، ويبلغ ارتفاعه 40 متراً. وبحسب المؤرخ عماد الأرمشي، يعود تصميم النصب للمهندس هشام المعلم، وتنفيذه إنشائياً للمهندس عاطف السيوفي، تحت إشراف المهندس سامي قدح. فيما وضع المهندس عبد المحسن القضماني، اللمسات الأخيرة للتصميم النهائي حين كان في مصر.

بعد انتقال «معرض دمشق الدولي» إلى مقره الجديد، في «مدينة المعارض» على طريق مطار دمشق، فقد النصب وظيفة حمل أعلام الدول المشاركة. وتم تكليف الفنان إحسان عنتابي، بتجديد واجهتي النصب اللتين صمّمهما الفنان عبد القادر أرناؤوط. عمل عنتابي بالتعاون مع الفنان مصطفى علي، على الزجاج المعشق، واستبدلت فكرة الأعلام بالأشكال الهندسية المجرّدة في شكل زخرفي فني.