الأحد , ديسمبر 8 2019

من يحمي مواقع دمشق الأثرية؟

من يحمي مواقع دمشق الأثرية؟

حبيب شحادة

لم تطلها آلة الحرب كما سواها، لكن الإهمال وربّما النسيان أتى عليها. مواقع دمشق الأثرية تتصدّع وتفقد بريقها التاريخي، وتدخل ضمن مواقع التراث العالمي المُهدّدة كما أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) عام 2013. خان أسعد باشا العظم الذي بُنيَ عام 1753، والذي تبلغ مساحته 2500 متر مربع تجتاحه الجرذان والحشرات.

تعجّ الجغرافيا السورية بالعديد من المواقع الأثرية والتراثية التي جعلتها مُصنّفة ضمن قوائم التراث العالمي. فدمشق القديمة أُدرجت على لائحة التراث العالمي عام 1979، ثم تلتها بصرى القديمة وموقع تدمر في العام 1980، وحلب القديمة (التي تعرّضت للتدمير) عام 1986 وفي ال 2006، قلعة الحصن وصلاح الدين الأيوبي، وأخيراً المدن المنسية في شمال سوريا في العام 2011.
خان أسعد باشا العظم

يقع في دمشق القديمة وسط سوق البزورية، بناه والي دمشق أسعد باشا العظم بعد أربع سنوات من بناء قصر العظم. ذاك البناء الذي يُشكّل مَعلماً من معالم دمشق الأثرية، أصبح اليوم بحاجة لنفض الغبار عنه وترميمه من كثرة التصدّعات والشقوق التي طالته على مر السنين. لكن لا حياة لمَن تنادي. فبمجرد الدخول إليه والتجوال في أروقته ينتابك شعور بالاكتئاب وكأنّك في مكان مهجور تعجّ به الغبار وشباك العناكب باستثناء فسحته الأرضية النظيفة، والتي تحوّلت إلى كافتيريا بسيطة.

يقول مصدر رسمي من الخان طلب عدم الكشف عن اسمه للميادين الثقافية إنّ الجهة “المسؤولة عن الخان (وزارة الثقافة) لا تقوم بشيء من واجبها تجاه ما حلّ بالخان من إهمال وتصدّع”، مضيفاً، أنّ كل طلب يُقدّم للوزارة لإصلاح التصدّعات والشقوق التي تُهدّد الخان بالانهيار تبقى حبيسة الأدراج بسبب عدم توافر الاعتمادات.

في حين يرى خبير الآثار رائد عباس في حديثه للميادين الثقافية أنّ “التصدّعات تصيب كل الأبنية عبر الزمن، وأنّ التصدّعات الحالية في المواقع الأثرية الدمشقية ليست خطيرة لدرجة تُهدّد بانهيارها”، مشيراً إلى ضرورة أن تكون هناك صيانة دورية تعالج هذه التشقّقات الحاصلة. لكن ما يُؤخّر عمليات الترميم والصيانة وفقاً لعباس يعود إلى كثرة المواقع الأثرية التي تحتاج للصيانة والترميم بفعل الحرب وتداعياتها.
الخان… وظائف مُتبدّلة

في ثمانينيات القرن الماضي، نُقلت ملكية الخان من عدد من التجار إلى مديرية الآثار والمتاحف بُعيد نقل ملكيته من والي الخان أسعد باشا إلى تجار البزورية. ولدى الدخول إلى الخان تجده فارغاً، غرفه البالغ عددها 80 غرفة مهجورة وأبوابها مُقفلة. ربما فات المعنيين التفكير بإصلاحها أو أقله استثمارها.

ورغم أنّ وظيفة الخان عبر التاريخ كانت لتبادل البضائع، ومكاناً لنوم التجار، إلا أنّها تبدّلت عدّة مرات، وتحوّلت من مستودع للبضائع الخاصة في المنطقة، إلى مكان يَعرض مقتنيات أثرية سورية، لتنتهي به الحال اليوم إلى مكان مهجور بعد فشل محاولة تحويل الخان من قبل خبراء يابانيين إلى متحف للتاريخ الطبيعي في العام 2005. كما فشلت محاولة تحويله إلى معرض للمهن اليدوية.
قصر العظم

لا يختلف الوضع في قصر العظم كثيراً عما هي الحال في خان أسعد باشا. ورغم أنّه يُعتبر من أهم مقاصد السيّاح في مدينة دمشق إلا أنّه تحوّل اليوم إلى مكان يعاني التصدّع وكثرة الشقوق في جدرانه التي لم تعد تقوى على الصمود من دون إصلاحها أو تدعيمها. ومع ذلك ما زال القصر يُستخدم كمتحف للفنون الشعبية، والصناعات اليدوية بخلاف الخان الذي أضحى اليوم مُعطلاً كلياً.

يقع القصر في النهاية الشمالية لسوق البزورية بمساحة تبلغ 6400 متر مربع، حيث تم بناؤه في العام 1749، ويُعد نموذجاً للبناء الشامي العتيق القديم بحجارته الملوّنة وأقسامه وحدائقه الداخلية.

مديرة القصر ميساء إبراهيم تقول للميادين الثقافية أنّ القصر “عمره أكثر من 265 سنة، ويؤرّخ لحقبة تاريخية مهمة تتضمن فترة الاحتلالين العثماني والفرنسي”، وتضيف، بأنّ “القصر كان على مرمى النيران خلال الحرب، نتيجة توسّط موقعه ضمن دمشق القديمة التي كانت مهدّدة بمواقها الأثرية نتيجة لسقوط القذائف والانفجارات التي حدثت وأثرت على معظم الواجهات والنوافذ”.

لم تتغيّر وظيفة القصر خلال سنوات الماضية ولا قبلها، وفقاً لميساء، حيث بقي متحفاً للتقاليد الشعبية والفلكلور، مضيفةً بأنّ قصر العظم، هو المتحف الوحيد الذي ظل مفتوحاً خلال فترة الأزمة رغم تأثر نشاطاته التي انخفضت نوعاً ما. كما أكدت بأنّ هناك خطة لتفعيل القصر من جديد بالتعاون مع أكثر من جهة عبر نشاطات تستهدف الحرف اليدوية المهدّدة بالاندثار للحفاظ عليها.
إهمال بحجّة الحرب؟

رغم أنّ تأثيرات الحرب كانت طفيفة جداً على مواقع دمشق الأثرية، حيث اقتصرت على تساقط بعض القذائف، إلا أنّ ذلك لم يمنع (اليونيسكو) من تصنيفها على مواقع التراث العالمي المُهدّدة.

وفي الوقت الذي تنفق فيه وزارة الثقافة ملايين الليرات على الفعاليات والمهرجانات، يبدو أنها تقتّر وتتبع سياسة ضغط النفقات بسبب الحرب والوضع الاقتصادي، الذي ربما أصبح “شمّاعة” المسؤولين في بلد يعاني تراثه من احتمال الضياع.

من جهة أخرى، تمتلك هذه المواقع أهمية خاصة تستدعي الاهتمام الوطني والدولي، وتطبيق المعايير العالمية المتّبعة أثناء عملية الترميم والصيانة، وكذلك تستدعي وضع سياسة وطنية لصون تلك المواقع وحمايتها من الاندثار.

وحول هذا الأمر، تقول إبراهيم للميادين الثقافية ” اليوم لا يمكن القيام بأيّ مشروع في القصر نتيجة وجود هبوطات كبيرة ظاهرة للعيان وتشكّل خطورة على الزوّار والمعروضات وحتى على موظّفي القصر، وأنّ أيّ اهتزاز أرضي ممكن أن يؤدّي بالمبنى إلى السقوط”. لذلك هناك خطة تدعيم للقصر العام القادم.

أكبر خان في الشرق الأوسط مهجور، وقصر العظم مُهدّد بالانهيار ليس نتيجة الحرب، إنّما بفعل فساد البعض ولا مبالاته، الذي قد يؤدّي إلى إزالة دمشق القديمة من لائحة التراث العالمي وليس وجودها ضمن القائمة المُهدّدة فحسب.

وفي الوقت الذي يَجهد فيه بعض المسؤوليين في الثقافة لإدراج عناصر التراث اللامادي على لوائح التراث العالمي لمنظمة (اليونيسكو)، يتجاهلون التراث المادي المحتضن لتراث وتاريخ الشعب السوري.

الميادين