الأحد , مايو 29 2022

الجولاني وانتظار خريف السقوط

الجولاني وانتظار خريف السقوط
محمد محمود مرتضى
لم يكن غريباً انفصال “حركة نور الدين الزنكي” عن “هيئة تحرير الشام” في الثلاثين من شهر تموز من العام الماضي بقدر ما كان غريبا اتحادها مع “النصرة” تحت عنوان “هيئة تحرير الشام”. وبالتالي فإن الانفصال كان أمرًا حتمياً لحركة تسعى لإثبات نفسها كشريك قوي، فيما “جبهة النصرة” تسعى لنوع من الاندماجات التي تذوب معها الفصائل في هيكل “النصرة” لا العكس.
ورغم الصدامات التي وقعت بين “حركة نور الدين الزنكي” و”الهيئة”، إلا انه لم يكن صداما شاملاً نظرا للتفوق الظاهر للهيئة ما يعني أن الصدام سيعني بشكل أو بآخر انتهاء دور “الزنكي” كفصيل فاعل بين الفصائل الأخرى. ورغم قوة “الزنكي” مقارنة بباقي الفصائل غير الكبرى، إلا أنه كان من الواضح أن “الزنكي” لا قدرة لها قبالة “الهيئة” ما لم تتحالف مع فصيل قوي يستطيع أن يؤمن توفقا واضحا. من هنا كان يمكن التنبؤ بأن الصدام بين “الزنكي” من جهة و”هيئة تحرير الشام” من جهة أخرى ليست إلا قضية وقت تخضع فيها ساعة الصفر لإيجاد الحليف المناسب.
ومن جهة أخرى، فإن فائض القوة التي شعرت به “هيئة تحرير الشام” بعد سلسلة الاندماجات التي شهدتها في أعقاب تشكيلها، دفعها لاستهداف العديد من الفصائل لا سيما “حركة احرار الشام” فقامت الهيئة بطرد “الحركة” والعديد من الفصائل من مناطق متعددة في ارياف حلب الغربي وبعض ارياف ادلب. ورغم كل الوساطات التي دخلت على خط هذه الاشتباكات والتي كانت ترتكز على مبدأ اعادة “الهيئة” لـ”حركة تحرير الشام” المناطق التي اخرجتها منها، كانت “الهيئة” تصطدم ايضا مع “الزنكي” التي ما لبث أن اعلن عن انفصاله عنها.
ما بين “اعتداءات” “هيئة تحرير الشام” على “حركة نور الدين الزنكي” و”حركة أحرار الشام”، وجد الطرفان الأخيران نفسيهما في خندق واحد. ما دفعهما لتشكيل فصيل جديد تحت اسم “جبهة تحرير سوريا”.
وبعيدا عن الدلالات المرتبطة بهذا الاسم الجديد، لا سيما اختيارهما لاسم سوريا بدل الشام، وهو ما درجت عليه “حركة احرار الشام” منذ تأسيسها (الجبهة الشامية)، فانه ومنذ اللحظة الاولى للتشكيل بدا وضاحا ان الفصيل الجديد سيضع نصب عليه استهداف “هيئة تحرير الشام”.
عندما بدأت الاشتباكات بين “جبهة تحرير سوريا” و”هيئة تحرير الشام”، رفع القائد العام لـ”جبهة تحرير سوريا” حسن صوفان ( قائد احرار الشام) السقف عاليا في أهداف الصدام، واعتبر ان العد العكسي بدا للتخلص من “هيئة تحرير الشام” وزعيمها ابو محمد الجولاني. وانه قريبا لن نرى هذه “الهيئة” على الساحة السورية.
من الواضع ان تصريح صوفان كان فيه نوعا من التسرع، وفي أحسن الاحول يمكن حمله على نوع من الحرب النفسية لدفع “هيئة تحرير الشام” لتقديم تنازلات حول شروط المصالحة وإرجاع المناطق المتنازع عليها مع مخازن الأسلحة ومحتوياتها.
اذ انه من نافل القول أن تصفية فصيل بحجم “هيئة التحرير الشام”، بغض النظر عن امكانية “جبهة تحرير سوريا” العملانية على القيام به، فانه يحتاج الى “أضواء خضراء” من اكثر من طرف، اولهم التركي وثانيهم الاميركي وثالثهم القطري. نظرا للدور الهام الذي تلعبه “الهيئة”، حتى هذه اللحظة، في الساحة السورية، ومن غير الواضح أن ورقة “الهيئة” قد سقطت او نضجت وحان وقت قطافها.
صوفان الذي تسرع في الحديث عن قرب نهاية “الهيئة” ما لبث ان “بلع لسانه” وغيّر من طبيعة تصريحاته عندما تحدث عن استعادة المناطق التي خسرتها “احرار الشام” و”الزنكي”.
ومهما يكن من أمر، فمنذ ما يزيد عن السنتين، بدا واضحا ان “جبهة النصرة” وضعت هدفا استراتيجيا في استهداف الفصائل المسلحة، مع تركيز العين كهدف اساس على “حركة احرار الشام” والسعي لتفكيكها ومحاولة ادماجها، ورغم ان “حركة احرار الشام” لم يكن من الواضح سعيها لهدف مماثل، اعني تفكيك “النصرة”، الا ان هذا الهدف بات واضحا منذ ان بدأ الجولاني بإجراء تحولات شكلية ترتبط بهوية الجبهة والسعي لسورنتها وفصلها عن “القاعدة”. الا ان اختيار “هيئة تحرير الشام” في اول تأسيسها لابي جابر الشامي زعيما لها ( كان قائدا عاما لأحرار الشام) اوضح بما لا لبس فيها أن “هيئة تحرير الشام” سوف تسرع من وتيرة استهداف “احرار الشام”. ويمكن اعتبار ان تلك اللحظة كانت منعطفا حاسما في تخطيط “احرار الشام” لاستهداف “النصرة” ايضا، وانها ستتحين الفرصة لذلك، وان المرحلة الاولى ستكون التركيز على ضرورة الحفاظ على اكبر قدر من التماسك داخل صفوف “احرار الشام” من العاصفة التي ستهب على الحركة في اعقاب تولي الشيخ قيادة “الهيئة”.
لقد مرّ “قطوع” تشكيل “هيئة تحرير الشام” باقل قدر من الخسائر على “حركة الشام” بحيث ان تعيين “الشيخ” اميرا على “الهيئة” لم يؤت أكله الذي كان يتوقعه الجولاني، فعمد الى خطوة، كانت متوقعة ايضا وان بوقت اكثر تأخراً، حيث قدم “الشيخ” استقالته من منصبه القيادي واستلم الجولاني مكانه، فيما تربع الشيخ على عرش “الهيئة الشرعية”.
وعلى اي حال، صحيح ان جدة الاشتباكات تراجعت بين “هيئة تحرير الشام” و”جبهة تحرير سوريا”، لا سيما بعد اعلان صوفان ان “الجبهة” استردت مناطقها، فمن غير المقطوع به ان هذه الاشتباكات لن تتجدد، الا أن المقطوع به ان هذه الاشتباكات لناحية وسعها وحدتها واهدافها ستكون خاضعة لروزنامة التركي بشكل اساس. وعليه فإننا لن نستغرب اذا رأينا هذه الاشتباكات مرتبطة بشكل أو بأخر ببعض التفاهمات المحتملة بين تركيا وروسيا والتي يمكن رصدها من خلال الجبهات وطبيعة الاوضاع الميدانية.
العهد

اترك تعليقاً