الثلاثاء , مارس 31 2020
تركيا بين نارين: القيصر و "المجنون"

تركيا بين نارين: القيصر و “المجنون”

تركيا بين نارين: القيصر و “المجنون”

بينما تجاهد تركيا لحشد ضغوطات دولية متتالية على روسيا وسوريا بهدف منعهما من متابعة العملية العسكرية في إدلب، وإعادة المناطق التي سيطر عليها الجيش السوري إلى تركيا قبل نهاية الشهر الحالي، تجد أنقرة نفسها بين نارين مشتعلتين قد تلتهمها إحداهما، الأولى من الجار الروسي، والثانية من الولايات المتحدة الأميركية.

خلال السنوات القليلة الماضية، قفزت أنقرة بشكل تدريجي من المركب الأميركي، بعد أن وجدت نفسها وحيدة أمام تهديدات روسية متواصلة، إثر إسقاط طائرة روسية العام 2015 في السماء السورية، وما تبعها من عقوبات روسية متواصلة أرهقت تركيا، في حين وقف حلف الناتو والولايات المتحدة الأميركية موقف المتفرج.

وعلى الرغم من عدم وجود أرضية صلبة للعلاقة بين روسيا وتركيا، قدم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اعتذاراً علنياً لروسيا، قبل أن يبدأ عهد شراكة استراتيجية بنيت في حقل من ألغام المصالح المتضاربة.

وتمكنت روسيا وتركيا من توثيق علاقة اقتصادية متينة، وشراكة سياسية محدودة ضمن الجغرافيا السورية، في وقت وقف كل من الدولتين موقف العداء للآخر في مواقع جغرافية أخرى.

ففي ليبيا، تدعم تركيا حكومة “السراج” الاخوانية، في وقت تقدم فيه روسيا الدعم للجيش الليبي الذي يقوده المشير حفتر. وفي القوقاز، الملعب الروسي المحصن لم تسمح موسكو لأنقرة إلا بإبرام صفقات أعمال مع أذربيجان وجورجيا، ووقفت بشكل صارم أمام المد العثماني الاسلامي.

كذلك، تتمركز روسيا في أرمينيا وتدعمها بشكل مباشر، حيث توجد قاعدة عسكرية في غيومري وحرس حدود في مواجهة تركيا، خصوصاً أن موسكو اعترفت منذ زمن طويل بمذابح تركيا ضد الأرمن. وذات الحال يمكن أن ينسحب أيضاً على قبرص، والبلقان، حيث تقف روسيا بشكل مباشر في وجه المشروع العثماني.

أما أوكرانيا، فتتابع تركيا فيها استفزازها لروسيا، خصوصاً بعد أن قام رجب طيب إردوغان بزيارتها مؤخراً، وقام بإلقاء تحية قومية معادية للروس، ورفض الاعتراف بالقرم، كما قدم مساعدات عسكرية لها.

بموزاة ذلك، رفعت أنقرة من حجم الشراكة العسكرية مع روسيا، خصوصاً بعد إبرام صفقة منظومة S400 الروسية، وهي الصفقة التي خلقت توتراً كبيراً بين أنقرة وواشنطن، وتم إلغاء صفقة مقاتلات F35.

وارتفع منسوب التوتر بين أنقرة وواشنطن سبب دعم الأخيرة للأكراد في سوريا، حيث هددت تركيا بإغلاق قاعدة انجرليك الجوية التابعة لحلف شمال الأطلسي في حال لم يسمح لها بشن هجمات على الأكراد، وهو ما تم بشكل جزئي بعد انسحاب القوات التركية من الشمال الشرقي من سوريا.

كذلك، تشوب العلاقات المالية والاقتصادية التركية – الأميركية توترات متلاحقة، بسبب تورط تركيا في عمليات غسل أموال، وتشير لائحة الاتهامات الأميركية الموجهة إلى ثاني أكبر بنك تركي مملوك للدولة إلى أنه تورط في أعمال احتيال، وغسل أموال، ومخالفات تتعلق بخرق العقوبات المفروضة على إيران.

وخلال المواجهات السياسية الأخيرة بين تركيا وروسيا، تلقت تركيا رسائل واضحة من واشنطن أنها مستعدة لتقديم الدعم في أية عمليات عسكرية في سوريا، إلا أن هذا الدعم سيقتصر على المعلومات وبعض المعدات فقط، دون أن يورط واشنطن في حرب مباشرة مع روسيا.

كما لم تسمع أنقرة من حلف “الناتو” أية كلمات مؤكدة حول تقديم دعم حقيقي في أية مواجهة مع روسيا، الأمر الذي ساهم في تعقيد الموقف.

في الوقت الحالي، ومع عدم تراجع تركيا عن تهديداتها ضد الجيش السوري الذي تدعمه روسيا بشكل مباشر، تجد أنقرة نفسها أمام خيارين، إما التراجع عن هذه الخطوة ما سيسبب لها الإحراج في الشارع التركي، وسيكسر “هيبتها”، أو التورط في حرب لن تجد أي دعم فيها من حلف الناتو”، أو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي تعرف أنقرة تماماً أنه “تاجر مجنون لا يؤتمن جانبه”، وقد يجبر على تقديم تنازلات لأميركا، التي ترغب بإعادة سطوة الأكراد إلى الشمال، كخنجر مشهر بشكل دائم في وجه أنقرة.

أمام هذا المشهد المعقد الذي وضع إردوغان بلاده فيه، تجد أنقرة نفسها محاصرة بخيارين، فإما الرضوخ للروس، أو الرضوخ للولايات المتحدة الأميركية، وفي كلا الخيارين خسائر فادحة لتركيا، في الوقت الحالي، ومستقبلاً.

علاء حلبي – وكالة أنباء آسيا

نائب روسي: فعالية أنظمة الدفاع الجوي السورية نحو 90%