الأحد , مارس 29 2020
حلّ لغز اسم النبي إدريس

حلّ لغز اسم النبي إدريس

حلّ لغز اسم النبي إدريس

ورد ذكر النبي إدريس في القرآن مرتين:

الأولى في سورة مريم:
«واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صدّيقاً نبياً. ورفعناه مكاناً علياً» (مريم 57:56)
والثانية في سورة الأنبياء:
«وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلٌّ من الصابرين» (الأنبياء 85).
وتعطينا المصادر العربية صورة واضحة عن طبيعة إدريس، لكنها لا تصل إلى حل مرضٍ بخصوص معنى اسمه واشتقاقه.
أما بخصوص طبيعته، فهذه تماهي إدريس بأخنوخ الكتاب المقدّس وبهرمس الأول، أو هرمس الهرامسة كما تسميه هذه المصادر: «أخنوخ… وهو النبي إدريس، عليه السلام، وهو هرمس الهرامس، المثلث بالنبوة والحكمة والملك» (العصامي، سمط النجوم العوالي). يضيف المقريزي: «إدريس الذي يسمونه هرمس الأوّل المثلث» (خطط المقريزي). وحسب ابن النديم، فإن هرمس البابلي، هو عطارد: «وقد ذكر هرمس البابليّ قد اختلف في أمره فقيل: إنه كان أحد السدنة السبعة الذين رتبوا لحفظ البيوت السبعة، وإنه كان لترتيب عطارد وباسمه سُمي، فإن عطارد باللغة الكلداني هرمس، وقيل: إنه انتقل إلى أرض مصر بأسباب، وإنه ملكها» (خطط المقريزي). ولو ساوينا بين هرمس البابلي وهرمس الهرامسة، أي هرمس الأول الذي نحن بصدد الحديث عنه، فإن نجم هرمس الأول في السماء يجب أن يكون هو نجم عطارد المعروف. وبما أن إدريس هو نظير هرمس الأول، فيجب أن يتمثل أيضاً بنجم عطارد في السماء.

تريسماغوستوس Trismegistus

وحسب الجاحظ، فإن النبي إدريس كان من المفاليج: «داء الأنبياء الفالج واللقوة [اللقوة: شلل العصب الوجهي، الذي يؤدي إلى انحراف الفم]. قال الجاحظ: ومن المفاليج إدريس عليه السلام» (الزمخشري، ربيع الأبرار). وأغلب الظن أن الفالج هنا على علاقة بضلع أوزيريس الناتج عن أن إحدى رجليه أقصر من الأخرى. وهو ما يعني أن إدريس على علاقة بأوزيريس بشكل ما.
أما اشتقاق اسم إدريس، فلم يكن واضحاً أبداً بالنسبة إلى المصادر العربية. لكن بعض هذه المصادر العربية مالت إلى افتراض أنه مأخوذ من الفعل «درس» بمعنى قرأ: «وإنما سمي إدريس لكثرة ما كان يدرس من كتب الله» (الصحاري، الأنساب). يضيف الشامي: «إدريس بالسريانية أخنوخ. ومعناه كثير العبادة… وقيل مشتق من الدرس والدراسة بمعنى الكتابة. وسمي به لكثرة ما درس من كتب الله عز وجل» (الصالحي الشامي، سبل الرشاد). وقد سهل هذا الافتراض أن إدريس وهرمس معاً مرتبطان بالكتابة والخط: «إدريس عليه السلام أول من خطّ بالقلم وأول من خاط الثياب ولبس المخيط، وأول من نظر في علم النجوم والحساب وسيرها. وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله تعالى. وأنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة كما في حديث أبي ذر. الزمخشري: وقيل سمي إدريس إدريس لكثرة درسه كتاب الله تعالى» (تفسير القرطبي). وهكذا قاد ارتباطه بالكتابة إلى ترسيخ فكرة أن اسمه آت من الفعل درس، بمعنى قرأ.

لكن القرطبي يرفض هذا الاشتقاق من أصله: «وهو غير صحيح؛ لأنه لو كان إفعيلاً من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفاً، فامتناعه من الصرف دليل على العجمة… [و] يجوز أن يكون معنى إدريس عليه السلام في تلك اللغة قريباً من ذلك فحسبه الراوي مشتقاً من الدرس» (تفسير القرطبي). والقرطبي يتبع في رأيه هذا لغويين كباراً شككوا في هذا الاشتقاق المفترض ورفضوه. كما أن الصاغاني شنّ هجوماً عنيفاً على من قال بهذا الرأي: «هذا قول من يرمي الكلام على عواهنه، ويقول ما خَيَّلَتْ، كما يقولون إبليس من أبْلَسَ من رحمة الله. وإدريس لا يُعرَف اشتقاقه، فإنَّ الاشتقاق لِما يكونُ عربياً، وإدريس ليس بِعَرَبيّ، ولهذا لا يَنصَرِف وفيه العَجْمَة والتعريف» (الصاغاني، العبار الزاخر).

تعطينا المصادر العربية صورة واضحة عن طبيعة إدريس، لكنها لا تصل إلى حل مُرضٍ بخصوص معنى اسمه واشتقاقه

وهكذا، فإدريس اسم غير عربي في الأصل، لذا فهو ممنوع من الصرف على العجمة والعلمية. وهذا أقصى ما وصلت إليه المصادر العربية القديمة. إنه اسم «لا يُعرف اشتقاقه».

وقرأت في موقع إلكتروني من يعتقد أن هذا الاسم من أصل يوناني وأنه تحريف للاسم أندرياس: «وأصل الاسم يوناني وينطق أندريانوس أو «اندرياس» https://www.altkia.com وهذا افتراض ضعيف لا دليل عليه أبداً.
إذن، فما الذي لدينا لكشف أصل هذا الاسم ومعناه؟ وهل نستطيع أن نحل لغزاً عجزت عن حله المصادر العربية القديمة؟

نعم، نظن ذلك. إذ يبدو لنا أن أصل هذا الاسم مغطى بقشة صغيرة، وأن إزاحة هذه القشة سيكشف لنا عن أصل هذا الاسم واشتقاقه ومعناه، إذ أنه ليس في الحقيقة سوى اختصار عربي للقب هرمس اليوناني. فهرمس يوصف في اليونانية بأنه تريسماغوستوس Trismegistus، أي: المثلث العظمة. أما في المصادر العربية، فيوصف بأنه المثلث بالحكمة أو بالنعمة: «وهرمس، وهو المثلث بالنعمة، ويقال إنه إدريس النبي» (اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي). وما دام إدريس وهرمس متماهيين ومثلثين، فإنه يمكن الافتراض أن الاسم (إدريس) هو في الأصل القسم الأول من لقب هرمس اليوناني (ترِيس Tris ) وأنه يعني «المثلث»، إشارة إلى عظمته المثلثة، أو حكمته المثلثة (النبوة، الحكمة، الملك). وكل ما جرى هو أن التاء اليونانية تحولت إلى دال عربية (دريس)، وهذا يحصل عادة عند النقل عن اليونانية. ثم أضيفت بعد ذلك همزة متحركة في البداية لأن العربية لا تبدأ بساكن، فصرنا مع «إدريس». وهو ما أدى إلى الافتراض خطأ أن الاسم من جذر «درس» بمعنى قرأ.

بناءً عليه فإدريس تعني: المثلث. أي المثلث بالحكمة أو النعمة أو العظمة. وهو ما يؤكد أن إدريس هو بالفعل هرمس الهرامسة اليوناني. فهما يملكان اللقب ذاته (المثلث). وهذا يعني أن المصادر العربية، التي أخطأت اشتقاق الاسم ومعناه، لم تكن مخطئة أبداً في مماهاته بهرمس. فاسمه العربي، أو المعرب، الذي يعني «المثلث» هو الدليل الحاسم على أنه هو هرمس ذاته.

هذه إذن قصة اسم إدريس الملغز. إنها قصة بسيطة جداً. قصة الضياغ بين لغتين.

زكريا محمد – الأخبار

جولة رائعة للتعرف على تفاصيل البيت الدمشقي