الإثنين , أبريل 6 2020

أشباح عبد الناصر وشيطنة الأسد

أشباح عبد الناصر وشيطنة الأسد

ايهاب زكي

منذ بدء العدوان على سوريا يتعرض الرئيس بشار الأسد بشخصه لحملة ممنهجة ومنظمة، وهي حملة تسعى على مسارين متوازيين بشكلٍ دقيق. المسار الأول هو الشيطنة المطلقة من خلال تصويره كديكتاتورٍ قاسٍ ومجرم حرب، لا يرعوي عن الفتك بحياة كل السوريين بأبشع الطرق وأشد الأسلحة فتكاً في سبيل البقاء على كرسي السلطة، والمسار الثاني هو عملية التسخيف الشخصي من خلال تصويره كتابعٍ ومجرد أداةٍ تنفيذية لإرادات دولية وإقليمية، وأنّه لا يملك قراراً صغيراً أو كبيراً في الحرب الدائرة في بلاده.

وهذا الاستهداف ليس مجرد “بروباغندا” تمارسها ما تسمى بـ”المعارضة” على سبيل تشويه صورة الرئيس الأسد لدى السوريين، كجزء من عملية استقطاب جماهيري، بل إنّ ما تسمى بـ”المعارضة” لا تعدو كونها مجرد ترس صغير في هذه الحملة المنظمة والممنهجة، فهذه حملة تستهدف شبح استعادة تجربة مريرة خاضها الغرب الاستعماري مع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ومنذ ذلك الحين قرر ألّا يسمح باستعادة هذه التجربة أو حتى السماح بمجرد إرهاصاتها.

بعد انتهاء العدوان “الإسرائيلي” عام 2006 على لبنان، رُفعت صور السيد نصر الله على امتداد الوطن العربي حتى في دول الخليج، كما رفعت في ردهات الجامع الأزهر، بكل ما يحمل ذلك من دلالات تاريخية وسياسية، كما أجرت بعض المراكز البحثية ووسائل إعلامية استطلاعات رأي عن الرئيس العربي الأكثر شعبية، وكان الرئيس بشار الأسد على الدوام في رأس القائمة، وكان هذا بمثابة ناقوس خطر دق في دوائر صناعة القرار غربياً، فالأمر ليس مجرد نشوةٍ عابرة لانتصارٍ عابر، بل رأت فيه إرهاصات التجربة المريرة بأشد مرارة، حيث استنادها لانتصارٍ عسكري استراتيجي، بعكس الانتصار السياسي لجمال عبد الناصر بعد العدوان الثلاثي عام 1956، حيث كان الشرارة التي أطلقت العدو الأسوأ كما قال بن غوريون “كان لليهود عدوّان تاريخيان، فرعون مصر في القديم وهتلر في الحديث، وجمال عبد الناصر فاق الاثنين، فقد خضنا الحروب للتخلص منه، حتى أتى الموت وخلصنا منه”، لذلك فإنّ الرئيس الأسد بشخصه كما السيد نصر الله بشخصه – بعيداً عما يمثلان كحزب الله والجمهورية العربية السورية – مستهدفان قيمياً وأخلاقياً، وهذه الكاريزما يجب وأدها في المهد.

يذكر الراحل أحمد بهاء الدين في كتابه “محاوراتي مع السادات” ما ساقه على لسان الاقتصادي البارز علي الجريتلي، حيث روى له ما حدثه به رئيس البنوك السويسرية بعد عامٍ من رحيل جمال عبد الناصر، حين أخبره “أنهم كانوا يتعرضون لضغوطٍ هائلة من الموساد و”CIA” للعثور على أيّ حسابٍ باسم جمال عبد الناصر”، وكما كان هذا البحث الدؤوب في سبيل إيجاد ثغراتٍ ترتكز إليها حملات التشويه، فإنّه يحدث الآن قطعاً لذات الأسباب. وكما رضخت البنوك السويسرية قديماً فإنها حتماً رضخت حديثاً، ولكن النتائج لم تختلف. فكما أنّ عدم إيجاد الثغرة لم يوقف حملات التشويه زمن عبد الناصر، فإنّ هذا العدم لم يوقف ذات الحملة من ذات الأطراف على الرئيس الأسد، وما يتم تداوله عما يسمى إعلامياً بـ”إعادة تعويم الأسد دوليا” هو جزء من عملية التضليل، وهو يشبه ما تعلنه أوروبا عن رفض المساهمة في إعادة الإعمار بوجود “نظام” الأسد، فكلاهما شعاران تضليليان عن سبق إصرارٍ وترصد، فالرئيس الأسد لم يطلب هذا التعويم ولم يسعَ إليه، بل كان واضحاً في أنّه يستمد شرعيته من شعبه ولا يهمه ما يسمى بالمواقف الدولية، كما كان صريحاً في رفض مساهمة أيّ دولةٍ شاركت بالعدوان على سوريا في إعادة إعمارها، وهم في هذه الحالة كالجائع الذي يرفض طعاماً لم يُعرض عليه بل لا وجود له أصلاً.

في الأزمات الكبرى وحالات الانحسار الحضاري، تبحث الأمم والشعوب عن المخلص، وتتلمس آثاره بحساسيةٍ شديدة. وكما كان النصر السياسي عام 56، بعد نكبة فلسطين عام 48، حيث الإحساس الجمعي بالذلة، كان الانتصار الاستراتيجي عام2006 بعد غزو العراق واحتلاله وضياع بغداد عام 2003، بكل ما أثارت في العقل الجمعي من شجون الغزو المغولي، والغرب الذي عانى من التجربة الناصرية، ولا زال صاحب التجربة يخضع للتشويه حتى بعد نصف قرنٍ على رحيله.

حتى لو انتهت الأزمة السورية اليوم، فلن يتوقف برنامج الشيطنة للرئيس الأسد، فهو لا يحتمل قامة عربية صلبة صلدة ومنتصرة، خصوصاً وأنّه يرتكز إلى محورٍ متكامل سياسياً ومتفوق عسكرياً ومنسجم استراتيجياً، وأنّ خروجه منتصراً مع البدء بعملية إعادة الإعمار بالتعاون مع حلفائه دولياً وإقليمياً، بعيداً عن ابتزاز الغرب وبعيداً عن مصالحه ورغباته، سيجعل من العقل الجمعي العربي أكثر قابلية لاكتشاف هذا الرئيس مجدداً، وإعادة تفنيد أوراق الماضي وترتيبها من جديد، وهذا ما سيحاول الغرب منعه، ولن يسمح بالوصول إليه إلّا مضطراً أو غصباً، لذلك فإنّ هذه الحملة لن تتوقف قريباً.

العهد