السبت , أبريل 4 2020

تعرف على الكاتبة التي تنبأت بوصول ترامب إلى البيت الأبيض قبل عقدين

تعرف على الكاتبة التي تنبأت بوصول ترامب إلى البيت الأبيض قبل عقدين

إنه موسم الحملات الدعائية السابقة للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، وفجأة يبزغ نجم سياسي ذو كاريزما ويبدو الحصان الأسود للسباق، الذي يخوضه تحت شعار “لنجعل أمريكا عظيمة من جديد”.

خصوم هذا الرجل يرونه “منافقا وغوغائيا يعتمد على إثارة حماسة الدهماء”. وعندما يبدأ أنصاره في تشكيل مجموعات من الغوغاء وإضرام النار في الآخرين حتى الموت، يدين أفعالهم “بتلك اللهجة المعتدلة، التي تجعل بوسع مؤيديه تفسير كلماته هذه على هواهم”. كما أنه يطلق اتهامات دون أي أساس ضد فئات بعينها من الناس، يَصِمَهُم فيها جميعا بأنهم “مغتصبون وتجار للمخدرات”، فضلا عن كونه يحاول بجِد إعادة البلاد إلى “ماضٍ أكثر بساطة” لم يُوجد على أرض الواقع قط.

ربما يبدو لك “السياسي الأمريكي”، الذي تحدثنا عنه في السطور السابقة مألوفا. لكنك قد تُفاجئ لو علمت أنه ليس إلا “عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس أندرو ستيل غاريت”، تلك الشخصية الروائية التي حققت نصرا انتخابيا مدويا، أوصلها إلى البيت الأبيض ضمن أحداث رواية “حكاية رمزية عن المواهب” للكاتبة الأمريكية أوكتافيا إي. باتلر.

وتنتمي الرواية إلى فئة الخيال العلمي، وتدور أحداثها في مستقبل كابوسي. وقد صدرت عام 1998، أي قبل نحو عقدين من تنصيب دونالد ترامب، رئيسا للولايات المتحدة.

وشكلت هذه الرواية – مثلها مثل غالبية أعمال باتلر – تحذيرا من الاتجاه الذي ربما تمضي فيه الولايات المتحدة والإنسانية بأسرها. المفارقة أن الأحداث التي نمر بها حاليا تجاوزت ما تخيلته الكاتبة في جوانب عدة.

أحداث روايتها هذه، التي تشكل جزءا ثانيا لرواية “حكاية رمزية عن ناثر البذور” (1993)، تدور في عام 2032 أي بعد 12 عاما تقريبا من الآن. ورغم أن الرؤية التي تعبر عنها الكاتبة خلالها تتسم بالجموح، فإن كثيرا مما تتحدث عنه فيها يبدو في حدود المعقول الآن، على غرار حدوث شح متزايد في الموارد، وارتفاع لدرجة حرارة الأرض، وتصاعد للتطرف الديني، فضلا عن نزوع أبناء الطبقة المتوسطة للحياة، في أحياء أشبه بجيوب مغلقة على قاطنيها.

وتكشف الأحداث عن أن بطلة العمل، وهي من أصحاب البشرة السمراء مثل الكاتبة، تتخوف من أن يؤدي النهج السلطوي الذي يتبعه غاريت في قيادته للولايات المتحدة، إلى جعل الأمور أكثر سوءا.

المفارقة أن صيت باتلر ذاع بشكل كبير بعد 14 عاما من وفاتها المفاجئة. فتوقعاتها بشأن الاتجاه الذي يمكن أن تتخذه السياسة الأمريكية والشعار الانتخابي الذي استُخْدِمَ على هذا المضمار، يماثلان الواقع بالقطع على نحو غريب من نوعه. لكن ما تنبأت به هذه السيدة، لم يقتصر على ما سبق فحسب، فقد تحدت التصورات التقليدية الخاصة بما يُعرف بـ “الهوية الجندرية”، أو بعبارة أخرى رؤية الشخص إلى جنسه وطبيعة ما يقوم به في الحياة، إذ كان من بين أبطال قصصها “رجل حامل” في رواية “طفل الدم”، كما تصورت في رواية “بذور برية” إمكانية وجود أشخاص قادرين على تغيير الشكل والجنس.

فضلا عن ذلك، فإن اهتمامها بمسائل مثل اختلاط الأعراق والهويات، وتكيف الجنس البشري مع الظروف المحيطة به، وهي قضايا تناولتها في ثلاثيتها “تناوب الأجيال”، جعلها تتوقع مسبقا، ما توصل إليه مؤرخون وكتاب غير روائيين فيما بعد، من أمثال المؤرخ والأستاذ الجامعي الإسرائيلي يوفال نوح هراري. بالإضافة إلى هذا وذاك، أصبحت المخاوف المتعلقة بشؤون مثل التغير المناخي وما تشهده صناعة الأدوية من تطورات، ذات صدى وأهمية أكبر في المجتمع الآن، مما كانت عليه عندما تناولتها باتلر في رواياتها.

وبطبيعة الحال، سعت هذه الكاتبة جاهدة – بحكم جنسها وأصلها العرقي – إلى تحطيم الصور النمطية الافتراضية المرتبطة بالنوع الاجتماعي، من تلك المتأصلة لدى الكتاب والقراء معا، والتي بلغت حد إصرار ناشر رواية لها صدرت عام 1987، على وضع صورة لامرأتين من ذواتي البشرة البيضاء على الغلاف، رغم أن الشخصية الرئيسية من أصحاب البشرة السمراء.

كما أن باتلر ساعدت على إعادة تشكيل ملامح روايات الخيال العلمي والأعمال الأدبية ذات الطابع المغرق في الفانتازيا، لتُكْسِبها مسحة طبيعية، وتضع فيها شخصيات مماثلة لشخصيتها هي نفسها. وعندما فازت في عام 1995 بمنحة “ماك آرثر” التي تُمنح سنويا في الولايات المتحدة، كانت أول كاتب متخصص في أدب الخيال العلمي ينال هذا الشرف الرفيع.

وقد ولدت أوكتافيا إستل باتلر في 22 يونيو/حزيران 1947، لأب كان يعمل ماسحا للأحذية، توفى وهي في سن صغيرة للغاية، ما أدى إلى أن تتعهدها أمها – التي كانت تعمل خادمة – بالتربية والعناية، في مدينة باسادينا بولاية كاليفورنيا.

ولأنها كانت طفلة وحيدة، فقد بدأت في إزجاء وقتها من خلال سرد قصص مُتخيلة، وهي لم تتجاوز الرابعة من العمر. وعندما شبت عن الطوق – خجولة على نحو مزعج وأطول قامة ممن هم في سنها – أصبح عشقها لروي القصص مهربا لها وملاذا، في ضوء أنها نشأت في فترة ساد فيها التمييز العنصري. ورغم معاناتها من عسر القراءة، فقد كانت باتلر قارئة نهمة كذلك.

أما أمها – التي لم تسمح لها ظروفها سوى بتلقي النذر اليسير من التعليم – فلم تتوان عن مساعدتها على الاطلاع، عبر استخراج بطاقة عضوية لها في إحدى المكتبات، وجلب الكتب التي يتخلص منها أصحاب المنازل، التي كانت تقوم بتنظيفها.
مستقبل بديل

ومن خلال إطلاق العنان لخيالها، تعلمت باتلر أن تتصور وجود مستقبل بديل لتلك الحياة الباهتة التي بدت مُقدرّة لها؛ كأن تكبر لتصبح زوجة وأما وأن تعمل سكرتيرة مثلا. وفي عام 1999عادت بذاكرتها إلى تلك اللحظات البعيدة قائلة، إن الخيال شطح بها فيها “لأتصور أنني أعيش حياة مستحيلة، لكنها ممتعة ومثيرة في الوقت نفسه؛ حياة سحرية أستطيع فيها الطيران مثل سوبرمان، والتحدث مع الحيوانات، والتحكم في عقول الناس”.

وفي سن الثانية عشرة، اكتشفت باتلر الخيال العلمي؛ هذا الجنس الأدبي الذي سيستحوذ على انتباهها ككاتبة أكثر من أي شيء آخر. وقد سبق أن قالت في هذا الشأن: “راق لي الخيال العلمي بشكل أكبر حتى من الأعمال ذات الطابع الفانتازي، لأنه يتطلب تفكيرا أكثر، والمزيد من البحث بشأن الأمور التي افتتنت بها”.

لكن حتى كفتاة صغيرة؛ كان ما تفتتن به باتلر، يتراوح ما بين علم النبات وعلم الحفريات وصولا إلى علم الفلك. ورغم أنها لم تكن “طالبة مجدة”، فقد كانت “طالبة متحمسة”.

وبعدما أنهت دراستها الثانوية، حصلت باتلر في عام 1968 على درجة جامعية في الآداب من كلية مدينة باسادينا. وخلال السبعينيات من القرن الماضي، شحذت باتلر مهارتها في الكتابة، ووجدت لنفسها مرشدا مُعلما في مجال أدب الخيال العلمي، وهو الكاتب المخضرم هارلان إليسون. وخلال حضورها ورشة عمل متخصصة في كتابة هذا النوع من الأعمال الأدبية، أصدرت باتلر أولى رواياتها.

وكانت تلك الكاتبة، تضطر وقتذاك للاستيقاظ في الساعة الثانية من فجر كل يوم، لتشرع في الكتابة، نظرا لأنها كانت تعمل في الوقت نفسه، في عدة مهن لكسب قوت يومها، وذلك في مجالات مثل غسل الصحون والترويج للسلع عبر الهاتف، والتحقق من جودة المنتجات في مصنع للمقرمشات.

وفي عام 1975 وبعد خمس سنوات من المحاولات التي لم تُكلل بالنجاح، تمكنت من بيع حق نشر روايتها الأولى “سيد الأنماط”. وعندما نُشِرَت الرواية في العام التالي، أشاد النقاد بحبكتها المُحكمة، وبطلتها ذات التوجهات التقدمية.

وتدور أحداث الرواية حول مستقبل بعيد، ينقسم فيه البشر إلى ثلاث مجموعات جينية متمايزة عن بعضها بعضا. وبحسب الأحداث، يتواصل أبناء المجموعة المُهيمنة – من بين هذه المجموعات – عن طريق التخاطر. وتطرح باتلر في هذا العمل، قضايا ستحدد طبيعة أدبها بوجه عام فيما بعد، مثل الترتيب الهرمي الذي يسود المجتمع، وكيفية تشكل الجماعة وطبيعة العلاقة بين أفرادها. وقد كتبت جزأين لـ “سيد الأنماط”، صدرا قبل نهاية عقد السبعينيات، تحت عنوانيْ “عقل عقلي” و”الناجي”.

وبفضل مكاسبها من رواية “الناجي” التي بلغت 1750 دولارا، شدت باتلر الرحال صوب الشرق لتزور ولاية ماريلاند، التي شكلت مسرحا لأحداث رواية اعتزمت وقتها كتابتها، عن شابة من أصحاب البشرة السمراء تسافر عبر الزمن إلى الماضي، لتعيش في أقاصي جنوب الولايات المتحدة، خلال القرن التاسع عشر.

ونظرا لأنها عاشت طيلة عمرها على الساحل الغربي للبلاد، فقد قررت السفر على متن حافلة تأخذها عبر الولايات المختلفة إلى مقصدها. وخلال ساعات الانتظار الثلاث في محطة للحافلات، كتبت باتلر الفصول الأولى والأخيرة، مما سيصبح بعد ذلك رواية “كيندرد” (أقرباء) التي نُشِرَت عام 1979، ولا تزال حتى الآن عملها الروائي الأكثر مبيعا.

أما عقد الثمانينيات فكان زاخرا بالجوائز بالنسبة لباتلر، ومن بينها جائزتا هوغو التي تُمنح منذ عام 1953، لأفضل روايات الخيال العلمي. كما نشرت خلال ذلك العقد ثلاثية “تناوب الأجيال”، التي طرأت فكرتها على ذهنها، خلال نقاش دار بشأن كيفية “شن حرب نووية رابحة”، في غمار سباق التسلح بين الشرق والغرب الذي دار في تلك الحقبة.

وبحثت باتلر في هذه الثلاثية فكرة مفادها أن تقسيم البشر بشكل هرمي، يشكل عيبا قاتلا ومدمرا. كما شكلت هذه الثلاثية تفاعلا مع النقاشات التي كانت سائدة آنذاك بشأن الهندسة الوراثية، وبرامج الإكثار التي يجريها الخبراء للأنواع الحيوية المهددة بالانقراض.

وتبدو باتلر في الصور المُلتقطة لها سيدة جادة ذات نظرة ثاقبة على نحو استثنائي. وفي محاضرة ألقتها في العاصمة الأمريكية واشنطن عام 1991، قدمت ما بدا وصفا شاملا لنفسها وشخصيتها قائلة إنها شخص “يرتاح في تجنب التفاعل الاجتماعي، وناسكةٌ وسط لوس أنجليس، ومتشائمة إن لم أكن حريصة، أؤمن بالمساواة بين الجنسين. كنت أنتمي سابقا للكنيسة المعمدانية، وأمثل مزيجا غير مألوف بين الطموح والكسل، وأخيرا ذات قناعات راسخة وقدرة على القيادة”.

ويمكن أن نرى الصفتين الأخريين بوضوح إذا تصفحنا الأرشيف الخاص بـباتلر، والمحفوظ الآن في مكتبة هانتينغتون بالولايات المتحدة. ففي عام 1988 مثلا كتبت ملاحظات تحفيزية لنفسها، على الجزء الخلفي من دفتر للكتابة قالت فيها: “سأصبح أحد الكتاب الذين تُدرج رواياتهم على قائمة الأعمال الأكثر مبيعا. سأجد طريقة لأن أصير كذلك!”. وفي ملاحظات أخرى، ستجدها تحث نفسها على “سرد قصص حافلة بالحقائق، تجعل الناس يلمسون ويتذوقون ويعرفون”.

وقد توفيت باتلر عام 2006، بعدما سقطت قرب منزلها في ولاية واشنطن. ورغم أنها كانت قد عانت في الفترة الأخيرة من حياتها، من الاكتئاب وفقدان الحماسة للكتابة، وهو ما كان يرجع جزئيا لأدوية تناولتها لمعالجة الإصابة بارتفاع ضغط الدم، فقد واصلت التدريس. كما نشرت في عام 2005 رواية “الفرخ الصغير”، التي كان على بطلتها مصاصة الدماء، الانتقام من هجوم شرير تعرضت له، وإعادة بناء حياتها وتكوين أسرتها. وفي ذلك الوقت، كانت رواياتها قد تُرْجِمَت إلى 10 لغات، وبيعت منها مجتمعة أكثر من مليون نسخة.

وفي الأعوام التالية، لم تكف قاعدة شعبيتها عن النمو باطراد. وتبين كذلك أنها لم تخترع الشعار الانتخابي الذي أوردته في “حكاية رمزية عن المواهب” (1998) وراق لترامب. فقد اتضح أن هذا الشعار اسْتُخْدِمَ من جانب رونالد ريغان في حملته الانتخابية للفوز بالرئاسة عام 1980، كما لجأ إليه لاحقا بيل كلينتون، رغم أنه اعتبره في وقت لاحق لذلك، ذا طابع عنصري ويروق للناخبين الأمريكيين ذوي البشرة البيضاء، من ذوي التوجهات المتشددة في هذا الجانب.

ومع ذلك، أبرزت عميدة كلية العلوم الإنسانية والآداب والعلوم في جامعة سانت كاترين، تارشيا إل. ستانلي، أهمية ما فعلته باتلر من اختيار لهذا الشعار للمرشح المتخيل في روايتها. وقالت في هذا الصدد إن إدراك القراء لهذا الأمر، خلال الحملات الدعائية السابقة لانتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016، ومدى تشابهه مع الشعار الذي رفعه ترامب، كان بمثابة “صدمة لهم دفعتهم لإدراك أن باتلر طالما سعت لإخبارنا بأن ذلك الذي وصلنا إليه هو ما سيحدث، إذا لم نغير أوضاعنا. لقد وجهت لنا تلك الرسالة باستمرار `إذا واصلتم المضي على هذا الطريق، فتلك هي الخاتمة المنطقية`. بحسب اعتقادي، عندما رأى الناس هذا الشعار، بدأت مجموعة جديدة من القراء في مطالعة أعمال باتلر”.

وقد أصبحت روايات باتلر اليوم مثارا لنقاشات بين معجبيها، وموضوعا لأعمال تليفزيونية مأخوذة عنها (نُفِذَ منها اثنان على الأقل) ومحورا لاهتمام الباحثين والطلاب، نظرا لكونها ذات جوانب متعددة، ويمكن أن يُنظر إليها من زوايا نظريات نقدية مختلفة، مثل “نظرية الأصل العرقي” أو “النسوية السوداء” وغيرهما.

وترأس ستانلي، التي أعدت العام الماضي مجموعة مقالات عن طرق تدريس أعمال أوكتافيا إي باتلر، جمعية مكرسة لأدب هذه السيدة. وتقول تلك الباحثة الأكاديمية إن الجمعية تضم عددا كبيرا من الأعضاء. غير أن المفاجأة التي سترضي عشاق روايات باتلر، تتمثل في ذلك العدد الغفير من الشبان المنخرطين في الجمعية، بل إن المؤتمر الذي شهد الإعلان عن تدشينها، حظي بحضور عدد من طلاب المرحلة الثانوية.

لكن ما الذي كان يمكن لكاتبة مثل باتلر أن تستلهمه في أعمالها الأدبية من الواقع السياسي الحالي في الولايات المتحدة؟ تجيب ستانلي على هذا السؤال بالقول: “لا أعتقد أنها كانت ستندهش” مما هو جارٍ حاليا. وأرجعت قدرة هذه الكاتبة على التوقع المسبق لما يحدث، إلى فهمها العميق للطبيعة البشرية، والمعرفة التي اكتسبتها من كونها كانت دائما خلال طفولتها، أشبه بشخص غير مرحب به ويشعر بأنه غريب على المجتمع الذي يعيش فيه.

وقد عززت باتلر قدراتها عبر البحث، ومطالعة الدوريات العلمية المرموقة مثل “ساينتفيك أميركان”، بجانب الاستماع للمحاضرات، فضلا عن الأسفار التي قادتها إلى مناطق مثل الأمازون. وتقول ستانلي إن “الأمل” يشكل الدرس الرئيسي الذي يمكن استخلاصه من أعمال أوكتافيا إي. باتلر.

وتقول في هذا الصدد: “بناء العالم يمثل أمرا ضخما في نظر هذه الكاتبة، لذا يتمثل الأمل دائما في أنه بما أننا شيدنا هذا العالم، فبوسعنا تشييد عالم آخر”.

ولعل ذلك المعنى يتجسد في مقطع تتضمنه رواية “حكاية رمزية عن ناثر البذور”، تتحاور فيه البطلة لورين أولامينا مع أعز صديقاتها. فعندما تصر الصديقة على أن “الكتب لن توصلنا إلى بر الأمان”، تجيبها لورين بالقول: “عليك استخدام خيالك”، وتطلب منها البحث في الكتب التي تركتها أسرتها على الأرفف، عن أي شيء قد يكون ذا فائدة، من قبيل “أي نوع من المعلومات التي تفيد في البقاء على قيد الحياة، سواء كانت في دوائر المعارف أو كتب السير الذاتية. حتى بعض القصص الخيالية قد تكون مفيدة”.

وتنتمي روايات باتلر إلى هذا النوع الأخير من القصص بالقطع. فالطفلة التي شرعت في الكتابة كوسيلة للهروب من واقعها، انتهى بها المطاف لكي تبلور دعوات قوية وفعالة للتحرك والعمل على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، وهي الدعوات التي تبدو الآن أكثر صلة من أي وقت مضى، بقدرتنا كجنس بشري على البقاء.

هفزيبا أندرسون / بي بي سي