السبت , يونيو 6 2020

العلاقات السورية الليبية: بداية تغيير في المعادلات

العلاقات السورية الليبية: بداية تغيير في المعادلات

عبير بسّام

العلاقات العربية – السورية لم تنقطع أساساً، هو ما أكده الرئيس السوري بشار الأسد خلال لقائه على روسيا 24 في الرابع من هذا الشهر. ومع ذلك، يعد اللقاء ما بين المسؤولين السوريين والليبيين في بداية شهر آذار / مارس حدثاً هاماً بحدّ ذاته وتطوراً هاماً في مجال العلاقات ما بين البلدين، والذي يمكن وضعه في خانة خواتيم الحرب الدائرة في كلّ منهما، حيث بات فيهما لعب الأطراف المتناحرة دولياً على المكشوف. ولذا فإن عودة الدبلوماسية السورية- الليبية يؤسس اليوم لمرحلة جديدة تتضح من خلالها خارطة التوزع الجديد للقوى العالمية.

عودة العلاقات مع ليبيا، كدولة عربية، تعتبر أمراً بديهياً في السياسة السورية. غير أن الأزمة التي عصفت ما بين البلدين كان سببها الأساسي إغراق سوريا بالمتطرفين الليبيين الذين استجلبهم التحالف الغربي والأتراك من أجل قتال الجيش العربي السوري. وبالتالي فإن تطور العلاقات الدبلوماسية وإعادة افتتاح البعثات الدبلوماسية والقنصلية ما بين دمشق وبنغازي، “بمعنى حكومة خليفة حفتر”، التي تحظى باعتراف دولي وعربي، تكسب العلاقة ما بين البلدين دلالات في السياسة، أهمها عودة العلاقات العربية- السورية، والتي تعد بحد ذاتها صفعة لتركيا، التي جاهدت من أجل عزل الرئيس بشار الأسد.

بالطبع لم يكن الهدف التركي بالتدخل في شؤون الدول العربية بهذا الشكل الفاضح، إلا من أجل الحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية خصوصاً في دول يتواصل فيها اكتشاف المزيد من الثروات الباطنية، منذ بدايات القرن الماضي وحتى اليوم. والأرض التي تختزن وقود الصناعات والتطورات التكنولوجية باتت مطمعاً لجميع القوى الإمبريالية التي تحكم العالم، والتي تحاول تركيا باسم إرثها العثماني أن تجد لها مكاناً فيها، وهي حتى اليوم ليست قادرة على إدراك أنها مجرد كبش فداء يقدم على مذبح الإمبريالية العالمية، وأنّ كل ما ستتحصل عليه، هذا إذا سمح لها به، هو الفتات.

الصفعة التي تلقاها أردوغان في عودة العلاقات ما بين دمشق وبنغازي تدل على دعم سوريا لحكومة خليفة حفتر من خلال التعاون الأمني الذي اتفق عليه الطرفان خلال لقاء وزير خارجية سوريا وليد المعلم مع نائب رئيس وزارة “الحكومة الليبية” عبد الرحمن الأحيرش وعبد الهادي الحويج وزير الخارجية والتعاون في الحكومة الليبية. خلال اللقاء وبعد التعبير عن عمق العلاقة ما بين الأشقاء العرب، أكد المعلم بحضور الضيفين على ضرورة محاربة الأطماع الخارجية والتي تبرز في مقدمتها في الوقت الحالي العدوان التركي على البلدين الشقيقين وخطورته على الأمن القومي وسيادة البلدين. كما أكد المعلم، من دمشق، على ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي البلدين وحقهما في محاربة الإرهاب حتى عودة الأمن والأمان. في حين شدد الحويج على أهمية إعادة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية ما بين البلدين، وأن 46 اتفاقية تعاون مشترك قد وقعت ما بين البلدين، وأن وزارة الحويج سوف تتسلم مقر سفارتها في دمشق.

هذا الكلام له دلالات كبيرة: أولها، أن دمشق من خلال العلاقة مع اللواء خليفة حفتر بالذات قد وجهت صفعة ثانية لتركيا، بعد الانتصار عليها في سراقب في إدلب، من خلال الاعتراف المباشر بحكومة ليبيا الرسمية بقيادة حفتر وليس بحكومة فايز السراج التي تدعمها تركيا؛ وبالمقابل فإن هذا يعد دليلاً على أن ليبيا إضافة إلى دول عربية أخرى ابتدأت تأخذ زمام المبادرة بتأكيد شرعية الحكومة السورية. وتزامن هذا مع رفض الجزائر، رئيس الجامعة العربية حالياً، عقدة قمة عربية على أرضها لا تحضرها سوريا، وبالتالي فقد سحب الكرسي من أسفل كلّ من السعودية وقطر لتعاود الجامعة العربية القيام بدورها ما قبل الأزمات أو الثورات العربية. والنقطة الأخيرة، هي توقف تدفق المقاتلين الإرهابيين ما بين الدول العربية، وبالتالي فقد اتخذ القرار بالقضاء عليهم حيثما وجدوا. هذا التوافق مرتبط بالعلاقات الأمنية التي أسست لها اللقاءات الأمنية التي عقدت ما بين مصر وسوريا وما بين مصر وحكومة حفتر، حيث تتخوف مصر من تبعات انتشار الجماعات الإرهابية على طول الحدود الليبية معها.

في بداية شهر شباط/ فبراير، رفضت روسيا القبول باتفاق الحدود البحرية والتعاون الأمني ما بين أنقرة وحكومة فايز السراج. وأعلنت موسكو أنّها ليست راضية عن تزايد النفوذ التركي في ليبيا. فالتصعيد في إدلب في الفترة الماضية يقع ضمن طموحات تركية في تحسين وضعها الميداني، وهو ما فشلت في تحقيقه. ويبدو وبحسب مصدر للعهد: “أن روسيا لن تنتظر طويلاً قبل إنهاء الوضع في إدلب لأن روسيا تريد الالتفات بشكل نهائي إلى ما يجري في إدلب من أجل ضبط التدخل التركي في ليبيا”. وبناء عليه فإن عودة العلاقات ما بين سوريا وليبيا وعلى هذا المستوى يقع ضمن قرار مشترك أن نهاية معركة سوريا ستضع معركة ليبيا على سلم النهايات، خاصة وأنّ المعطيات حول اللواء حفتر تدل على عمق العلاقة ما بينه وما بين روسيا المترافق مع رضى أميركي حوله: فاللواء خليفة حفتر، الذي تلقى علومه العسكرية في الاتحاد السوفياتي سابقاً، ويتحدث اللغة الروسية بطلاقة، والذي تم تكريمه رسمياً على متن حاملة الطائرات الروسية “كوزنتسوف” في كانون الثاني/ يناير 2017، كان قد قضى الأعوام الثمانية الماضية في أمريكا. وبالتالي وحسب المصدر فإن القتال اليوم يدور حول الحصص في الكعكة الليبية، بعد أن فشلت تركيا في الحصول على حصة في الكعكة السورية.

العهد