الخميس , مايو 19 2022

ما السر وراء معدل الوفيات المنخفض في ألمانيا؟

ما السر وراء معدل الوفيات المنخفض في ألمانيا؟

رغم تجاوز عدد الإصابات بفيروس «كورونا» فيها عتبة الـ 100 ألف، بقيت ألمانيا بعيدة جداً عن معدلات الوفيات التي وصلت اليها نظيراتها من دول غرب أوروبا، كإسبانيا وإيطاليا، ومؤخراً فرنسا. فحتى انقضاء الأسبوع الأول من نيسان، لم تكد حصيلة الضحايا تلامس الـ 2000، أي ما نسبته 1.9% من الإصابات، مقارنةً بـ 12.5% في إيطاليا، و9.5% في كلٍّ من إسبانيا وفرنسا.

منذ بدايات انتشار الوباء، كانت ألمانيا من أوائل الدول الأوربية التي أفادت من تجربة كوريا الجنوبية في إدارة الأزمة الصحيّة المستجدّة وتبنّتها. إحدى أولى الحالات سُجّلت في شباط لشابّ يبلغ من العمر 22 عاماً. ورغم عدم ظهور أيٍّ من أعراض المرض عليه، طلبت منه إدارة المدرسة، حيث يعمل، الخضوع لفحص «كورونا» بعدما علمت بمشاركته في كارنفال محليّ سُجِّلت فيه إحدى الإصابات. وبمجرد التثبت من إصابته، أُغلقت المدرسة على الفور، وطُبّق الحجر الصحيّ على جميع مرتاديها، من تلامذة وأساتذة وعاملين. وكان من نتيجة هذه الحادثة وحدها أن أُجري اختبار التقصّي على 235 شخصاً على الأقل.

ويُحسَب لألمانيا تطبيقها اختبارات تقصّي الفيروس على نطاقٍ يفوق نظيراتها الغربيات، إذ لم تكتفِ بتأكيد الإصابة أو نفيها لدى المرضى ذوي الأعراض المقلقة أو عوامل الخطورة – كما هي الحال في فرنسا – بل شملت عمليّة التقصّي أيضاً من يُبدون أعراضاً بسيطة، أو حتى من لا تظهر عليهم أعراضٌ مطلقاً، وهذا ما رفَعَ العدد الكلّي للإصابات المسجّلة.

إقرأ أيضاً :  استدرجوا طبيب إلى منطقة مهجورة وسلبوه سيارته ومبلغ مالي وشرطة الميدان في حلب يلقي القبض عليهما

ويعود التنبُّه الألماني إلى ضرورة إجراء مسحٍ شاملٍ للإصابات إلى منتصف كانون الثاني الماضي، قبل أن ينال هذا الوباء ما ناله من ضجّةٍ إعلاميّة، إذ سُجّل تطوير أول اختبارٍ محليٍّ للكشف عن الإصابة لصالح مستشفى شاريتيه في برلين، وكانت مستلزمات التقصّي متوفرةً في جميع مختبرات البلاد يوم تمّ تسجيل الحالة الأولى في شباط.

وتتصدّر ألمانيا اليوم لائحة الإحصاءات لجهة عدد الاختبارات التي تُجرى أسبوعياً (350 ألف اختبار). ولا يمكن التقليل من أثر الكشف المبكر للمرض على إبطاء انتشاره، إذ إنه يمهّد لاتخاذ قراراتٍ طبيّةٍ أكثر جدوى في اللحظة المناسبة، سواء لناحية عزل هذه الحالات، أم إجراء المداخلة اللازمة متى توفّرت ودعت الحاجة، فضلاً عن أثر استخدام جهاز التنفس الاصطناعي في الوقت المناسب على زيادة احتمالات بقاء المريض على قيد الحياة.

كذلك، لا يمكن تجاهل أثر مجانيّة الفحص المخبري على تجاوب المواطنين. ولعلّ هذه إحدى الثغرات الكثيرة للنظام الصحّي في دولٍ كالولايات المتّحدة، مثلاً، إذ لم يُقرّ الكونغرس مجانيّة هذا الاختبار حتى شهرِ آذار الماضي، ما حالَ دون الكشف المبكر عن عدد كبير من الإصابات. ولا تُغفِلُ استراتيجية التقصّي الواسع النطاق في ألمانيا طواقمَ الرعاية الطبيّة، إذ يخضع هؤلاء لاختباراتٍ سريعةٍ ودوريّة.

إقرأ أيضاً :  شائعة عن “جاك ما” تُكلف شركة “علي بابا” خسارة بـ26 مليار دولار!

وفي وقت تصارع فيه نظم الرعاية الصحية في بقية الدول لعدم التداعي، لم تنحصر قدرة نظام الرعاية الصحية في ألمانيا في تلبية احتياجات مواطنيها وحسب، بل تعدّتها لقبول مرضى من بلاد الجوار، فخففت بذلك من الضغط على وحدات العناية المركّزة في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا. ويعدّ هذا ثمرةً لإعادة هيكلةٍ في البنى التحتية والموارد البشرية في مؤسسات الرعاية الصحية، أفضت الى مضاعفة عدد العاملين المدرّبين في وحدات العزل والعناية المركّزة، ورفع عدد الأسِرّة والتجهيزات فيها إلى إلى 40 سريراً لكل 100 ألف مواطن، في مقابل 12 سريراً في إيطاليا و7 أسرّة في هولندا، مثلاً.

يُحسَب لألمانيا تطبيقها اختبارات تقصّي الفيروس على نطاقٍ يفوق نظيراتها الغربيات

ورغم انغماس السلطات الصحيّة في احتواء الأزمة غير المسبوقة، حرصت على إرساء قواعد لدراسةٍ تتوزّع على كامل البلاد، تُجرى على عيّناتٍ عشوائيّةٍ مأخوذةٍ من 100,000 شخص. ترصُدُ هذه الدراسةُ أسبوعيّاً مستويات أضداد فيروس كورونا لديهم، ما يعطي صورةً عن قدرة المواطنين على بناء مناعةٍ في وجه الوباء.
لا يخفي بعض الخبراء تفاؤلهم الحذِر حيال أثر تطبيق التباعد الاجتماعي في الحدّ من انتشار فيروس كورونا وتجنيب نظام الرعاية الصحيّة الوصول إلى حالة نقصٍ في معدات الإنقاذ، كأجهزة التنفس الصناعي، وبالرغم من الجاهزيّة النسبية لوحدات العناية المركزة في ألمانيا مقارنة بدول الجوار، إضافةً إلى انخفاض المدة الزمنية اللازمة لتضاعف عدد الحالات مؤخراً إلى تسعة أيام، ترى البروفيسور سوزان هيرولد، خبيرة الأمراض الرئوية المُعدية في مستشفى مدينة جيسن الجامعي، أن الوضع لن يغدو مطمئناً ما لم تصل المدة الزمنية اللازمة لتضاعف عدد الحالات إلى 12-14 يوماً، فوقتها فقط، لن يضطر الأطباء إلى أن يأخذوا على عاتقهم قرار أحقية بعض المرضى بأجهزة التنفس الصناعي مقارنةً بسواهم.

إقرأ أيضاً :  إدارة الأمن الجنائي تلقي القبض على أحد المتعاملين مع المواقع الالكترونية المشبوهة.

ألمى أبو سمرة – باحثة في مجال التطوير الدوائي

الأخبار

على خلاف الجميع… دولة تمنع ارتداء الكمامات