الجمعة , أكتوبر 30 2020
عشائر

الشرق السوري،جمرٌ تحت الرماد،أين تقف عشائره؟

الشرق السوري،جمرٌ تحت الرماد،أين تقف عشائره؟

عثمان الخلف

رغم سيطرة تفشي وباء ” كورونا ” على مسرح الأحداث فيما يراه من يراه إنشغالاً بمواجهته عن الصراع بين الكبار على مسرح الاشتباك العالمي.

ليسحب رؤيته من هذه الزاوية على مسار الاشتباك في الملف السوري ، لاسيما في الشرق ، غير أن الحادثة التي وقعت منذ أيام والتي استهدفت جنرالاً أميركيا وأدت إلى مقتله وثلاثة عناصر من ” قسد ” بريف دير الزور الشمالي ( هذه قصة مقتل الجنرال الأمريكي شرق سورية المادة المنشورة في وكالة آسيا بتاريخ 7 – 4 الجاري ) وماتبعها بيوم واحد من اعتقال عناصر ل” قسد ” في بلدة ” الحصان ” بالريف الشمالي الغربي داهموا منزلاً بحجة مطاردة مطلوب ، ماحدا بالأهالي تجريدهم من سلاحهم وطردهم ، كل ذلك يشي بسخونة الصراع ومحاولات تثبيت النفوذ لما سيأتي قابل الأيام
وفي هذا الإطار تجري تسريبات عن قيام الروس بالتجهيز لمطار عسكري للمروحيات في قرية ” حطلة” بريف دير الزور الشمالي الواقع تحت سيطرة الدولة السورية ، مع توسيع لمقرات قيادتها بالمنطقة ، ناهيك عن أحاديث حول احتمالية نشر الشرطة العسكرية الروسية في مناطق سيطرة ” قسد ” ( لا تأكيدات رسمية سورية أو روسية بهذا الصدد ) ، كما وينشط الروس في العمل على كسب ود عشائر الحسكة وبرز ذلك في اجتماعات عُقدت لهذا الشأن في مدينتي القامشلي وتل تمر ، واستمرار التنسيق مع ” قسد ” بالمحافظة ودعم الوجود العسكري الروسي في محيط مطار القامشلي.

مايجري في العراق من إخلاء الأمريكي لقواعد في القائم والقيارة وأبو غريب ، وبالمقابل تعزيزه لوجوده في قواعده بريف دير الزور الشرقي ، مروراً بريف الحسكة الجنوبي وصولاً للحدود العراقية ودعمها بالعتاد والمعدات العسكرية وكان آخرها أمس الجمعة مع دخول 45 شاحنة لمعدات وجنود أمريكيين قادمة من كردستان ، أحد أهم المؤشرات لما أسلفنا ذكره من أن الصراع وإن بدا كامناً غير أنه ليس سوى استجماع لما هو آت من جولات تُحدد من له اليد الطولى شرقاً … ليبقى السؤال أين تقف عشائر الشرق السوري مما يجري ولمن من أطراف الصراع ترجح مواقفها؟

* كيف يبدو المشهد العشائري؟ :

كثيرٌ من قراءات الواقع العشائري في الشرق السوري
مُجانبة لحقيقته ، وهي أشبه ماتكون بمن يُعد مسلسلاً
درامياً بدوياً ليعكس صورة المجتمع هناك ، فيما هي بعيدة كل البعد عن الراهن الحالي أو في أقلها دراما تعود لبنية المجتمع قبل مائة عام ، كما يرى ذلك الباحث
والمفكر الدكتور ” عدنان عويد ” في حديثه لوكالة أنباء آسيا ، مضيفاً :

تلك القراءات حول واقع البنية المجتمعية لعشائر شرق سورية بالضرورة فيما خص مواقفها من الأزمة التي تعيشها وبالتالي أطرافها منذ العام 2011 وإلى الآن جاءت عن خلفيات سياسية محمولة ببروبوغندا إعلاميةعكست موقفاً حاداً بالضد من الحكم السوري ، لذا أقول : إن عشائر سورية لم تحمل يوماً السلاح بوجه الدولة منذ الاستقلال وحتى راهننا ، ولم تخرج التظاهرات بعناوين عشائرية مُطلقاً ولا من حمل السلاح كذلك، بل كانت الإيديولوجيا الإسلاموية بشقيها الإخواني والوهابي التكفيري هي المحرك الأكبر لتلتحق بها مجموعات الجيش الحر بالمنطقة، حتى عناوين مشائخ العشائر كحالة استثمارية لم تنجح، ومن خرج من الشيوخ بالضد من النظام السياسي خارج سورية جرى تضخيم حالته( كما شيخ قبيلة البقارة نواف راغب البشير ) الذي عمل مع المعارضة من تركيا ، لم تكن تلك الحالة قابلة للاستثمار الخارجي مُطولاً ، بل سرعان ماعاد ” البشير ” في العام 2017 إلى التنسيق مع الدولة
السورية ، بل وترأس وللآن تشكيلاً عسكرياً رديفاً للجيش السوري ( أسود سورية ) وخاض معارك ضد تنظيم ” داعش ” وقد قُتل إبنه بقصف للتحالف الدولي في قرية ” طابية جزيرة ” شتاء العام 2017 أثناء محاولة لتشكيله ومجموعة مقاتلة روسية ( غارنر ) التقدم باتجاه حقل غاز ” كونيكو ” الذي سيطرت عليه آنذاك قوات سورية الديمقراطية.

ويبين ” العويد ” : لا يعني هذا أن لا معارضة وسط العشائر لنظام الحكم ، هناك معارضة لكنها لم تكن مؤيدة
بالكامل من العشائر التي فقدت الكثير معيشياً وخدمياً واقتصادياً وحتى بشرياً كنتيجة للأحداث ( شيخ قبيلة البقارة نواف راغب البشير كان من رجالات مجموعة إعلان دمشق الذي تشكل العام 2005 ) .

الواقع المعيشي والخدمي ومستواه العالي الذي توفره الدولة كان العائق أمام المعارضات السورية ومن يدعمها من أخذ الكتلة البشرية العشائرية بالكامل نحو صفها ، ومن التحق بها تظاهراً أو عملاً مسلحاً كان السبب فيه اثنين أولهما انحسار سيطرة الدولة وبالتالي توسع سيطرة المعارضات المسلحة ، مما أدى لتشكيل السبب الثاني أي لقمة العيش فسيطرة المعارضة المسلحة جعل
الكثيرين إما أن ينضووا في صفوفها أو أخذ الحياد
، وبالتالي يأتي الجواب أن الأمر ليس قناعة بالمعارضة بقدر ماكان أن تأمن على حياتك وبالتالي لقمة عيشك ، مع الإشارة إلى تواجد بؤر على مستوى الأفراد تنهج الفكر التكفيري ومعه الإخواني كما في بلدات( الشحيل، التبني ، ومناطق أخرى ) في الريف الديري نجحت في أخذ الكثيرين في مسارها

ويؤكد ” العويد ” أن السلطة السورية بقي لها حضورها
وسط العشائر بما تمثله من وجهة استقرار وخدمات المعيشة وأمان مفقود بفعل الصراع ، فشيوخ العشائر من الصف الأول قاطبة ظلوا على علاقة معها بشكل معلن ، والأمر ينسحب على حلفاء سورية الروس والإيرانيين الذين يعملون على نسج علاقاتهم وسط هذه البيئة إن بالاستقطاب العسكري أو على صعيد النشاطات الخدمية والثقافية ، الحضور الإيراني في هذا الجانب أعلى ، فهو أسهم في تأهيل بنى خدمية، إضافة لرعايته
فعاليات ثقافية وأسسوا مع مواطنين من المحافظة ” لجنة الصداقة الإيرانية السورية ” ، ويبرز الدور الروسي عبر تقديم المساعدات الإغاثية غذائية ودوائية لكن على فترات غير منظورة .

الجانب الأمريكي بمناطق سيطرة ” قسد ” عمل على استقطاب العشائر فظهرت شخصيات في الواجهة
ليس لها حضور كما على مستوى قبيلة ” العقيدات ” إحدى أكبر قبيلتين بالشرق حيث برزت أسماء الشيخ ” جميل رشيد الهفل ” وإخوته ، في حين حافظ شيخ عام ” العقيدات ” المُنصب حديثاً ” إبراهيم عبود جدعان الهفل ” الذي يقطن بلدة ” ذيبان ” بمناطق قسد على علاقاته بالحكومة السورية( زار دير الزور مركز المحافظة صيفاً على رأس وفد عشائري مكون من 50 شخصية والتقى قادة أمنيين وتناول الاجتماع حينها موضوع دخول مؤسسات الدولة لمناطقهم ) ، فيما برز على مستوى القبيلة الثانية الكبرى ” البقارة ” الشيخ حاجم أسعد البشير ” ابن عم الشيخ العام نواف البشير ، الشيخ ” حاجم ” يلتقي كثيراً الأمريكيين لاسيما ممثلهم بسورية وقادة عسكريين منهم ، وفي الوقت الذي يرى البعض ذلك انخراطاً بالمشروع الأمريكي، تنفي مصادر وكالة أنباء آسيا ذلك مؤكدة وجود تواصل مع السلطات السورية.

هذا وتُقدر مصادر رسمية بمحافظة الشرق السوري( دير الزور ) أعداد سكانها حالياً يناهز المليون نسمة( 1,3 مليون نسمة قبيل الأزمة ) غالبيتهم في منطقة ” الشامية ” والبلدات الست طرف الجزيرة الواقعة تحت سيطرة الدولة السورية مما يجعل الثقل العشائري يميل لجانبها حيث الانخراط بصفوف الجيش وقواه الرديفة.

قائد الدفاع الوطني بدير الزور ” فراس جهام” يشير إلى أنه ومنذ هزيمة تنظيم ” داعش ” فيالمحافظة جرى استقطاب أبناء العشائر سواء ممنكانوا بالضد من نظام الحكم أو لا ، فشكّلنا تشكيل الدفاع وهو رديف للجيش السوري ، يوجد في صفوفه أكثر من 3 آلاف مقاتل ، عدا من يعمل في صفوفه في الجوانب الإعلامية والصحية والإغاثية وغيرها.

يضيف ” جهام ” : لايقتصر عملنا الاستقطابي على
مناطق الدولة ، بل حتى في مناطق سيطرة الأمريكيين
و ” قسد ” ، وأستطيع القول : إن مانسبته 70% – 80 % من عشائرنا في تلك المناطق مواقفها رافضة للوجود الأمريكي ومشروع ” قسد ” الانفصالي ، ونحن على
تواصل مع أشخاص في كل قرية وبلدة يزودوننا بما
يجري ، فقط هناك من انخرط في صفوف ” قسد ”
هم أقلية وبالأصل هم من بقايا الجيش الحر وغيره
من فصائل مسلحة كانت ناشطة بداية الحراك الحراك
المسلح وسيطرتها على تلك المناطق.

فقدنا الكثيرين ممن يتعاونون معنا في تلك المناطق، لكن اليوم هناك كثيرون يتعاونون ، الناس هناك مقتنعين
أن لا استمرارية للوضع السائد بمناطق ” الجزيرة ” وأنها
لابد وستعود لسلطة الدولة السورية .

لاقبول بغير الطرف الحكومي السوري ومعه بالخيار حلفائه الذين يدعمون عودة سلطته على كافة الأرض
السورية كما يُشير قائد لواء الإمام الباقر ” الحاج خالد” لآسيا قائلاً : عملنا جار تحت سقف سلطة الجيش السوري وفروعه الأمنية ، جرى استقطاب الكثير من أبناء
العشائر ، ومابين الريف الحلبي وحتى دير الزور حيث تنشط قواتنا وصل عديدها لأكثر من 6 آلاف منتسب
مابين مقاتل ومتفرغ لنشاطات إعلامية وإسعافية وصحية وغيرها ، هم من عناصر التسويات والقسم الأكبر
ليسوا كذلك ، عملنا ونعمل على حشدهم في صفوف القوى الرديفة ، كثيرٌ منهم يؤدون خدمتهم العسكرية ومنهم من أنهاها قبيل الأحداث ، لكنه التحق بصفوف
التشكيلات الشعبية التي اكتسبت خبرات قتالية كبيرة

الشيخ ” فواز الوكاع ” أحد مشائخ عشيرة ” البوخابور” الناشطين بموضوعة المصالحات يلفت إلى أن النفس الشعبي على الطرف الآخر يرغب بعودة الأمور كما السابق، باستثناء المنخرطين في صفوف ” قسد ” ، وهم إما مسلحين سابقين ضمتهم في صفوفها وبالتالي يتقاضون رواتب عالية، أو ممن انخرط بالإغاثة والخدمات التي تسوقها قيادة ” قسد ” .

” الوكاع ” يشير أنه خلال الأيام الأخيرة تعمل القوات الأمريكية على إعادة الكثير من العناصر الذين طُردوا
من ” قسد ” واستقطابهم عبر الأموال التي يبدو أنه يُستمر جانب من إنتاج المواقع النفطية التي يسيطر عليها الأمريكيون لأجل هذا الغرض .

يبدو المشهد العشائري شرقاً يميل للطرف الحكومي
السوري الذي أعاد جغرافية واسعة كانت خارج سلطته
إليه ، وإذ يبدو الأكثر تنظيماً ووضوحاً بمسعاه مدعوماً
بحلفائه لكسب المزيد من البيئة العشائرية، تنقص هنا
طمأنة أكثر للأهالي للمضي في إعادة تلك المناطق التي وضعها الرئيس السوري بشار الأسد على قائمة وجهة
الجيش في حديثه الأخير لإحدى القنوات الروسية بعد الإنتهاء من وضع إدلب .

وكان رئيس مكتب الأمن الوطني ” علي مملوك” التقى شيوخ عشائر في محافظة الحسكة أواخر العام المنصرم ، ومع انتشار الجيش في مناطق بالمحافظة
على تماس والحدود التركية، إضافة لمناطق أخرى بمحافظة الرقة ، يبدو أن هنالك عملاً يجري بهدوء للتضييق على الوجود الأمريكي كما نلاحظه عبر الاعتراضات الشعبية للقوافل العسكرية الأمريكية
بين فينة وأخرى، والتي أدت في إحدى قرى
القامشلي لمقتل مدني بنيران أمريكية .

الوضع يشي بالكثير لمسار الأحداث ، خصوصاً وسط
هذه الوقائع على الجانبين السوري والعراقي ، ويبدو
فيه كل طرفٍ يُحشِّد أوراقه لمواجهة ، إما بطرقٍ تفاوضية أو عسكرية تُفضي لمشهدٍ جديد في الشرق
السوري.

هامش :

– البنية العشائرية للشرق السوري تتوزع بين أكبر قبيلتين
هما ( البقارة، العقيدات ) وأخرى متوسطة كالبوخابور والمشاهدة والكلعيين و الدليم والبوبدران والعبيد ، وأخرى صغرى محسوبة كتحالف عشائري على ( العقيدات ) كالمجاودة والدميم وغيرهم ، وهذه العشائر لها امتداداتها في الجوار العراقي.

– د. عدنان عويد – كاتب وباحث بالشأن السياسي والفكري عموماً ، محاضر بجامعة الفرات وله عدة مؤلفات، وشغل مناصب حكومية

أنباء آسيا