الجمعة , أكتوبر 30 2020
صدام

الصدام التركي مع “النصرة”.. والخسارة الأخيرة

الصدام التركي مع “النصرة”.. والخسارة الأخيرة

ايهاب زكي

في القرن التاسع عشر، حين كانت العبودية مشرعة في الولايات المتحدة، استطاعت الناشطة في مجال إلغاء الرق من أصولٍ أفريقية “هاريت توبمان” انقاذ 700 عبد وتهريبهم خارج الأراضي الأمريكية، وقد كانت عمليات معقدة وشديدة الخطورة، ولكن حين سؤالها عن أصعب ما واجهها في تلك العمليات، كان الجواب غريباً بل مستهجناً إلى أبعد الحدود، حيث قالت “إنّ أصعب ما واجهته هو إقناع العبيد بحقهم في الحرية”، حيث إنّهم يتعاملون مع الحرية باعتبارها جريمة بل أمّ الجرائم. وهذه ليست حادثة فريدة في التاريخ، بل إنّ استمراء العبودية واردٌ في الكثير من الحوادث التاريخية، وعليه الكثير من الشواهد في الحاضر وإن بأساليب ومسوغات مختلفة تتسق مع مفاهيم المعاصرة. ورغم أنّ العبيد يمتازون بالوداعة المفرطة تجاه أسيادهم، فإنّ بعضهم يمتاز بالشراسة والحقد تجاه أقرانهم من العبيد، والعبيد يقاتلون في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، سوى أنّها معارك الأسياد ورغبة الأسياد.

منذ بدء العدوان على سوريا كانت تركيا طرفاً رئيسياً في ممارسته، ثم بعد اسقاط الطائرة الروسية والتغيير الذي طرأ على طبيعة العلاقات الروسية التركية، وما ترتب على ذلك التغيير من الوصول إلى مؤتمر أستانة وما تلاه من اتفاقيات “سوتشي”، كانت المجموعات الإرهابية من مشارب وفصائل متعددة هي الورقة التركية الأهم. فهم من تحارب بهم وقت الحرب، وتبيعهم في سوق النخاسة وقت السلم. وفي الكثير من المقالات السابقة كتبت أنّ المصير المحتوم لهؤلاء وفي أقصى ما يمكن أن يحصلوا عليه من تكريم، هو أن تكون رقابهم ثمناً لخروج تركيا الآمن من ورطتها السورية. وكان المغيبون يتعاملون مع هذا الطرح باعتباره ضرباً من الخيال وإيغالأً في التمنيات، وقد تتلمس لهم عذراً مع غياب “الملموسات”. أمّا بعد كل هذه الشواهد منذ ما يزيد عن ثلاثة أعوام، فالأمر لم يعد مجرد غيبوبة ذهنية، بل أصبح عبودية موصوفة. الأحداث في إدلب تجري وفق أحداثٍ مرسومة سلفاً، وهي مكررة منذ 2016 واستمرت إلى 2017-2018-2019، ولا يتغير سوى ترقيم السنوات، وهو ما يتكرر حالياً عام 2020، حيث الصراع البيني بين ما تسمى فصائل”المعارضة” من جانب، وتصادم مدروس بين تلك الفصائل وتركيا من جانبٍ آخر.

كانت ما تسمى “هيئة تحرير الشام” – جبهة “النصرة” سابقاً، هي الحصان الأخير الذي امتطته تركيا بعد احتراق ورقة “داعش” العسكرية، لذلك قامت “الهيئة” بالتهام الكثير من الفصائل بتوجيهات تركية، وبسطت سيطرتها على غالبية البلدات والقرى في محافظة إدلب، وكان من أنواع المزاح الثقيل بعد كل اتفاق روسي تركي إيراني، تصدر الأخبار عناوين وتحليلات من قبيل قرب الصدام التركي مع الهيئة، ثم يكتشف العالم أنّ الهيئة هي الأكثر انصياعاً للرغبات التركية. فقلب الهيئة وعقلها وأوردتها وشرايينها في القبضة التركية، وسلوكيات الهيئة التي تبدو متشنجة أحياناً تجاه تنفيذ الاتفاقيات، ما هي إلّا مناوراتٍ تركية، وهذه ليست يقينيات تحليلية استنتاجية، بل إنّها “إدانات” توجهها فصائل”معارضة” للهيئة، باعتبار أنّها أصبحت مخلباً تركياً في ظهر”الثورة”، أو سكيناً مقبضه بيد “بني علمان” حسب توصيفاتهم. وقد صرّح بعض قادة الفصائل بأنّ الهيئة أبلغتهم بضرورة إخلاء مقراتهم وتسليم سلاحهم أو أنّها ستتقرب برقابهم للدول الحليفة، فيقول مثلاً قادة ما يسمى بـ”حراس الدين” “هل ضاقت الأرض بمقرات المجاهدين ووسعت لقوات العلمانيين ومقرات درع الصليب والجيش الوثني”، ويضيفون “لا تجعلونا نقتنع بما يتناقله البعض عن نية ضرب الصادقين والتخلص منهم مقابل سلطة موهومة في إدلب”، وهؤلاء سيستشرسون في الدفاع عن مقراتهم في وجه أقرانهم، وكلاهما سيُقتل في معارك لا ناقة لهما فيها ولا جمل.

في 26/4/2020 قتلت القوات التركية 5 من عناصر”الهيئة” حين فضت اعتصاما على طريق”M4″، وكانت الهيئة قد أطلقت بعض قذائف الهاون على نقاطٍ تركية مما أدّى لجرح بعض الجنود الأتراك. قد يكون الأمر مناورة تركية، وقد يكون فعل أجنحةٍ متشددة داخل ما يسمى بـ”الهيئة”، ولكن المؤكد هو أنّ تركيا تعاني من أزمةٍ حقيقية، وهي في مأزق المربع الأخير، حيث تدرك أنّ اتفاق موسكو الأخير هو اتفاق مؤقت، وأنّ عودة إدلب للسيادة السورية مسألة وقت، وهذا يُلح بالسؤال عن مصير عشرات الآلاف من الإرهابيين في إدلب، وهل تضطر تركيا للتخلص منهم بنفسها حرباً، أم تناور بهم للحصول على ما أمكن من مكاسب سياسية، أم تغلق حدودها وتتركهم لمصيرهم؟ ولكن حتى اللحظة لا يبدو أنّها توصلت لخيار، وتحاول قدر المستطاع أنّ تثمن قدرتها على تسليم رقابهم بأسعارٍ لا تتناسب مع سلعةٍ بخسة، وهذا التردد التركي سيؤدي في النهاية إلى تلف السلعة دون أيّ عوائد، بل قد تضطر لتحمل تكاليف الإتلاف، فالدولة السورية لا تقبل بالمساومة على الجغرافيا، خصوصاً وأنّها تمتلك القدرة العملياتية على استعادتها بالقوة، وأنّ الإلتزام التركي حرفياً بتنفيذ الاتفاق، والرضوخ لمصالح سوريا العليا هما الممر الوحيد لتعليق العمل العسكري لسوريا وحلفائها، ولكن بما أنّ أردوغان سيد الرهانات الخاسرة، فقد يراهن على تحرك أمريكي يعيد خلط الأوراق، على ضوء الأزمة الانتخابية التي يعانيها ترامب، ولكن رهانه هذه المرة سيكون بمثابة الخسارة الأخيرة.

العهد