السبت , أكتوبر 31 2020
الموت الأسود: الوباء الأشد فتكاً بتاريخ البشرية

الموت الأسود: الوباء الأشد فتكاً بتاريخ البشرية

الموت الأسود: الوباء الأشد فتكاً بتاريخ البشرية

يستحضر وباء كورونا اليوم في أذهاننا ذكرى أحد أشد الأوبئة فتكاً بالبشرية عبر التاريخ. ففي خريف عام 1347 حط الموت الأسود رحالهُ في أوروبا، ولم يغادرها قبل أن حصد نصف أو ثلثي أرواح القارّة أي ما يُعادل 50 مليون شخص، وغالباً أكثر من هذا الرقم في آسيا حيثُ يعتقد أنه نشأ، ولم يعد تعداد سكان أوروبا إلى ما كان عليه إلّا بعد 200 سنة، مُغيّراً بذلك النظام الاجتماعي للقارة مرّة وإلى الأبد.

ما هو إذاً الموت الأسود؟

الموت الأسود هو ثاني أوبئة الطاعون الدمّلي الكبرى الثلاث التي ضربت العالم وهو صاحب أكبر مُعدّل للوفيّات بينها، والطاعون الدمّلي أو الدبّلي هو أحد أنواع الطاعون الثلاث، يُصيب العقد اللمفاوية المعروفة بالأدبال تحت الإبطين وأعلى الفخذ والرقبة أو في المنطقة الأربية، مسبباً تورّمها واسودادها ومن هنا أتى اسم الطاعون الأسود، كما يُسبب تماوت أطراف الجسم كاليدين والقدمين، وذلك بعد أن يلدغ برغوثٌ حامل لجرثومة اليرسينيا الطاعونية الإنسان.

هُنالك العديد من الأمثلة التاريخية عن الإجراءات التي كانت تتّبعها الدول للحد من الأوبئة قبل الموت الأسود، فمن المعروف أن الصين كانت تحتجز البحارة والمسافرين في الموانئ للحد من انتشار الأمراض، ومنذُ القرن السابع أمر الخليفة في دمشق بالحجر الإجباري للمُصابين بالجذام في المشافي، كما أن الإمبراطور جستنيان الأول أمر بعزل المُصابين بالطاعون عند انتشار الوباء الأول الذي عرف باسم الإمبراطور عام 541، وحدّ من تحرّك بعض الأقليات التي وجّه إليها اللوم على الفور.

وإن الإجراءات التي تتّخذها معظم الدول اليوم وتنصح بها منظمة الصحة العالمية ليست بالغريبة كليّاً عن الإجراءات التي اتّبعتها الحكومات الأوروبية في زمن الموت الأسود، بل إن جذورها تعود إلى هناك بالحقيقة. فعلى سبيل المثال كانت معظم المدن الإنكليزية تنكر وجود أي حالات إصابة لديها، لكن ما إن يتفشّى الوباء في المدينة حتى يتم فرض إجراءات مُشدّدة فيها، فكانت النيران تُضرم في المواقد والمشاعل لتنقية الهواء، وكانت التجمّعات العامّة تُحظر أو على الأقل لم تكن مُحبّذة.

فرض الموت الأسود على كل مدينة مهمة إيجاد “باحثين” تتجلّى مهمتهم في البحث عن إصابات بالطاعون. ولقد كانوا مُدرّبين على تمييز الأعراض، وما أن يحددوا أي إصابة حتى يُرسل المُصاب إلى مستشفى مُخصص للأمراض الوبائية، أما عن بقيّة أفراد منزله، فيُحجر عليهم لمدة 40 يومًا حتى يتم التأكد من عدم نشرهم للعدوى. كان الطعام والماء يُجلب إلى تلك العائلات بناءً على مقدرتهم المادية تحت إشراف حرّاس يتأكدون من عدم هروب أي فرد من العائلة.

لربّما أكثر إجراء أثار الجدل آنذاك كان إغلاق الأسواق، حيثُ أن الكثير من العائلات سرعان ما وقعت في براثن الفقر، وكان السكّان مصممين على خرق هذا الإجراء. فكانت العائلات تعتمد على المدّخرات البسيطة إن وجدت ومساعدات الكنائس، أمّا العائلات الغنية فكانت ترشي الباحث كي لا يُعلن عن الإصابة أو ترشي الحرّاس ليسمحوا للعائلة بالخروج قبل مضي 40 يوماً. وبينما كانت إصابات الموت الأسود تتزايد، كان عدد الأشخاص القادرين على إيصال الطعام والماء وحراسة المنازل الموبوءة يقل تدريجياً.

لم يعد هناك شاغر في المُستشفيات، وأصبحت الإصابات الجديدة تُترك في منازلها جنباً إلى جنب الأفراد الأصحاء. هُناك من يرى أن هذه الإجراءات قد ساهمت بالفعل في الحد من انتشار الموت الأسود، لكن المشكلة أن الطاعون الدمّلي ينتشر عبر القوارض والبراغيث التي لم يكن من الممكن حجرها. وعلى الرغم من صعوبة مقارنة مُعدّلات الوفيات تاريخياً بدقّة، إلّا أن معدل الوفيات في البلدان التي لم تتخذ إجراءات كهولندا مثلاً تبدو مشابهة للبلدان التي اتخذتها كالمملكة المتّحدة.

الحجر البحري

مدينة البندقية الإيطالية أصدرت بدورها سياسة تُجبر السفن القادمة من دول ينتشر فيها الموت الأسود على أن ترسو في مينائها لمدة 13 يوماً قبل الإنزال، ومن ثم أصبحت هذه المدة 40 يومًا، وكانت سياسة الأربعين يومًا فعّالة أكثر حيثُ نعلم اليوم أن الإصابة بالطاعون تستمر حوالي 37 يوماً، حيثُ يُصبح المُصاب معدياً منذُ اليوم 12 ولا تظهر الأعراض الخارجية قبل اليوم 33، وإن الكلمة الإيطالية التي تعني 40 quarantino هي التي مهّدت إلى ظهور كلمة الحجر الصحي المُستعملة اليوم quarantine.

ثم قامت حكومة المدينة بعد ذلك بتأسيس مركز للحجر على جزيرة صغيرة قرب الميناء، حيثُ تستطيع السفن القادمة أن ترسو هناك ويستطيع البحّارة أن ينزلوا إلى الشاطئ ليمضوا الأربعين يومًا. وبدأت بعد ذلك فكرة الحجر البحري هذه Lazaretto تنتشر في مختلف البلدان الأوروبية المصابة بالموت الأسود ومن ثم وصلت إلى العالم الجديد، فتم بناء محجر على جزيرة بالقرب من ميناء نيويورك حيثُ يقع تمثال الحرية اليوم، ونظام الحجر هذا قاد إلى الأنظمة الوقائية المُتّبعة اليوم بعد التطور الطبّي الكبير.

ولقد كان لانتشار الموت الأسود في القارة الأوروبية تبعات كثيرة، فقد مهّد لانهيار نظام القنانة، وبما أن عدد الوفيات كان كبيراً جداً، كان لدى الناجين الكثير من فرص العمل، وبالتالي زاد الطلب على الأيدي العاملة وارتفعت قيمة الأجور، وإن سلطة الكنيسة الكاثوليكية ما عادت بالقوة التي كانت عليها قبل الوباء، كما شهدت أوروبا تزايداً ملحوظاً في التعصّب.

هُناك العديد من أوجه الشبه ما بين الطاعون وكورونا، فكلا الوباءين انطلقا من الشرق الأقصى، وكلاهما انتقلا من الحيوانات في البداية، وكلاهما أوبئة بعيدة المدى، فكما أن الإمبراطورية المغولية والتجّار الإيطاليين المسافرين على طريق الحرير كانوا السبب في نقل الموت الأسود عبر القارّات، فإن السفر جواً والأسواق العالمية سرّعت من انتشار الوباء المُعاصر. وبينما كان اللوم يوجّه إلى اليهود ويُحرقون بسبب انتشار الطاعون، فها إن اللوم يوجّه اليوم أيضاً هنا وهناك.

لكن كما يحلو للبعض تشبيه وضعنا اليوم بزمن الموت الأسود لا بدّ لنا أن نشير إلى بعض الاختلافات المهمة، فنعلم بدايةً أن الطاعون بأنواعهِ تُسببهُ جرثومة اليريسينيا الطاعونية، بينما الوباء الحالي يُسببه فايروس covid 19 من عائلة فيروسات الكورونا. الفيروس ينتشر من شخص إلى آخر، أمّا بالنسبة للطاعون فنوع واحد فقط ينتشر بهذا الشكل، ألا وهو الطاعون الرئوي، أمّا الإصابة بالطاعون الدمّلي أو الدموي فتتطلب لدغة من البراغيث الحاملة للجرثومة.

كان الموت الاسود إشارة إلى قرب نهاية العالم، على الأقل هذا ما اعتقده الكثيرون آنذاك. والجدير بالذكر ليس أن العالم لم ينتهِ، لكن أن هذا الوباء لم يختفِ كلياً عام 1351، فقد استمر بالوباء بالظهور في المدن الأوروبية تقريباً كل 15-20 سنة حتى نهاية القرن الثامن عشر. لقد انتشر الطاعون تقريباً في كل بلدان العالم في مرحلة من المراحل عبر التاريخ، وما يزال الطاعون موجوداً إلى اليوم في بعض البلدان الأفريقية، لكننا اليوم نملك المعرفة التي تُمكننا من مواجهته والقضاء عليه.

على سبيل المفارقة، فإن المدن الإيطالية التي أتقنت تحدّي الموت الأسود وأسست لمفاهيم الحجر والعزل هي اليوم أكثر المناطق الموبوءة. وعلى الرغم من الأرقام المُتضاربة، إلّا أن نسبة الوفيات بالفيروس تبقى متدنيّة نسبياً، بينما كانت النسبة 50% للطاعون الدمّلي و100% للرئوي والدموي في الحالات غير المُعالجة. وهذه الذكرى غير السارّة التي يستحضرها وباء اليوم لربما تكون إشارة إلى قدرة البشرية على تجاوز العقبات الكبيرة وعدم إمكانية تحقق ذلك إلا من خلال الجهود المُشتركة.

اراجيك

اقرأ أيضا: تركيا.. رجل يقفز من الطابق الرابع هربا من الحجر

شاركنا تعليقك على هذه المقالة في صفحتنا على موقع فيسبوك