الجمعة , أكتوبر 30 2020
قراءة متأنية في دراما 2020

قراءة متأنية في دراما 2020 ..الناجون: بروكار وحارس القدس وببساطة

قراءة متأنية في دراما 2020 ..الناجون: بروكار وحارس القدس وببساطة

لابدّ لأي مُتابع أو مُتلقي لأي عمل إبداعي، وأياً كان نوع وجنس هذا الإبداع؛ من أن ينظر لهوية هذا العمل الإبداعي، هذه الهوية التي يأخذها الإبداع من واقع الحياة في البلد التي يُفترض إنه طالعٌ منها أو مصدرٌ منها، ومحسوبٌ على هويتها.. فنقول رواية سورية، وفنون تشكيلية سورية، ودراما سورية على سبيل المثال لأنها تمدّ بالكثير من المجسات صوب بيئتها التي تربطها بسوريتها.. وهنا ليس معنى ذلك أن تكون تلك الفنون والآداب هي صورة عن الواقع السوري أو مهمتها تصوير واقعيته وتوثيقه وتسجيله.. وإنما هي الإبداع الذي يُشكل المُعادل الفني لهذا الواقع، وبغير ذلك يصبح هذا الإبداع أقرب للفتنازيا المقطوعة الجذور..

السؤال المُر

أسوق هذه المُقدمة لهذه القراءة المُتأنية لأعمال الدراما السورية موسم 2020، فلابد للكثيرين ممن تابعوها أن سألوا أنفسهم السؤال المُر الذي انتابني وأنا أتابع ما لا يقل عن عشرة مسلسلات؛ وهو:” أين الهوية السورية في كل ما قُدم هذا الموسم؟!”.. مسلسلات وكأنها مُقتلعة من واقعها تُناقش وتطرح قضايا أبعد ما تكون عن الواقع السوري الذي يئن بآلاف القضايا والأوجاع المُلحة، ومن ثمّ نجد هذه الدراما وقد ابتعدت آلاف الأميال عن مثل هذا الواقع، بحيث أن المُتلقي قد تتساوى عنده هذه الدراما مع مثيلاتها المكسيكية والتركية والهندية.. فهي أما دراما هربت بعيداً باتجاه أزمنة سورية لم تعد تعني السوري اليوم بشيء مثل أعمال البيئة الدمشقية التي أشبعت تناولاً درامياً وتحديداً دمشق خلال فترة الانتداب الفرنسي بحيث أنك إذا أجريت تداخلاً وخلطاً بين حلقات هذه المسلسلات لما انتبه المُشاهد لمثل هذا التعديل.. نفس أماكن التصوير، بذات المرحلة الزمنية من عمر دمشق، وأحياناً كثيرة نفس الكتّاب، وبذات الممثلين والمخرجين، وإن كان لم يصل أحد من هؤلاء لدرجة المُخرج بسام الملا وأخوته في عملية “الفنطظة” – من الفنتازيا- بحيث تمّ إزاحة المسألة التاريخية جانباً، وسرد المشاهد كأحداث افتراضية، ومن ثمّ إلصاقها بدمشق زوراً.. اليوم يُحاول صُنّاع مسلسل “بروكار” الخروج من “باب حارة” بسام الملا، وإعادة الاعتبار لما خربه فتح هذا “الباب”، وذلك على أكثر من مستوى، وهنا للكلام تفاصيل سنسردها لاحقاً..

دراما الليالي

أو هي دراما، تمّ تلفيق حكايا وأحداث وتوليفها لتكون دراما تلفزيونية، وهي أكثر ما تجلت في المسلسلات المُشتركة أو المُختلطة، ربما من هنا وقوعها في أخطاء إخراجية وفنية بالكاد يقع فيها الهواة والمبتدئون، كأن تكون مشاهد مسلسل بكاملها “ليلية” مثلاً، أيعقل أن نهاراً لم يطلع في حلقة أبداً، مع أنّ سير الأحداث تُفصح أنها تجري نهاراً، وليس ليلاً، وهنا أقصد مسلسل “النحات”، ناهيك عن الأحداث المُفبركة بكاملها والمأخوذة من عشرات المسلسلات الأخرى والكثير من قصص الروايات والأفلام.. عن ذلك الطفل الذي ينشأ مقطوعاً عن عائلته، ومن ثمّ يعود للبحث عنها ومعرفة كيفية قضاء كل فرد من أفرداها، وهذا يقودنا للذهاب صوب مسلسل “يوماً ما” – المُشترك هو الآخر – فهو أيضاً لا يختلف كثيراً عن “النحات”، غير أنّ استعارة الحكاية في هذا المسلسل تُشير فوراً لمسلسل مكسيكي تمّ عرضه خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي باسم “كاسندرا”.. حيث الطفلة التي يخطفها الغجر، ومن ثم لتبدأ رحلتها الطويلة في البحث عن أسرتها في مسحة درامية لم تستطع أن تُقارب الكوميديا، وكان الأفضل لصُناع المسلسل لو فعلوا ذلك، لأن من شأنه أن يأخذ الأحداث على مبدأ الهزل؛ وحينها يُمكن التغاضي عن عدم الإجادة في تجسيد تقاليد الغجر لا من حيث إتقان اللهجة التي شكلت فشلاً كبيراً في إتقانها، ولا في حكايا الغجر وأحاديثهم وأزيائهم، كما لم تستطع أن تكون تراجيديا جادة، وأخذ الأحداث على محمل الجد لأنّه كما ذكرنا كان “التلفيق والتوليف” سيّد هذه الدراما في كل ما ذكرناه سابقاً..

بطولة المكان

كل ذلك؛ كان يُمكن التسامح به، لو تمّ الاشتغال على “المكان”، أي المكان التي تجري الأحداث والمشاهد فيه، سمة أعمال هذا الموسم، طبعا باستثناء مسلسلات البيئة الدمشقية، والمسلسل الذي يتناول سيرة حياة المطران إلاريون كبوتشي (تأليف حسن م يوسف، إخراج باسل الخطيب)؛ فإنّ مُعظم المسلسلات الأخرى يكاد يغيب فيها عنصر المكان، وأظن أنّ اللهجة وحدها غير كافية لتحديد مكان الأحداث، ففي معظم أعمال الدراما في العالم – سينما ودراما تلفزيونية – ثمة إصرار على إبراز المكان، لأنه العنصر الأكثر فعالية في إعطاء صلة للأحداث بالواقع، وذلك من خلال الحوار الذي يتردد فيه اسم المكان، أو من خلال المشاهد التي تظهر فيها معالم مكانية تُحدد المكان الذي تجري فيه المشاهد، مدينة أو ريف لبلد مُعين، وهذا إضافة لإعطاء الهوية للعمل الإبداعي، كذلك له غايات سياحية أخرى، يُقدمها العمل الفني للبلد الصادر عنه، على سبيل المثال، وفي مُختلف الأعمال الفنية التركية؛ هناك إصرار على إظهار الجسر المُعلق بين شطري تركيا الأوروبي والآسيوي كحالة جمالية سياحية تُشكل فواصل بين المشاهد..

إجحاف وطني

في حالة الدراما السورية؛ وكأن هناك تغييب للمكان عمداً، وهو “عمّد” لا تفسير له، ودائماً يضع المُتلقي في دائرة السؤال:”لماذا؟؟”، وما الغاية من تغييب المكان، الذي يؤدي إلى التغريب، إضافة لخسارة الدعاية والترويج السياحي لسورية، التي يُفترض أن تكون إحدى غايات هذه الدراما التي تُنتج بملايين الأموال السورية، وإذا ما أضفنا إلى مسألة تغييب المكان، مسألة – ربما- تُشكل خطورة كبيرة، وهي تغييب موضوع الحرب على سورية خلال عشر سنوات، وهي مسألة لابد أن السوري سيقف عندها طويلاً، وكأن كل هذه الحرب وبكل خطورتها على الوطن السوري وامتدادها، وملايين الحكايا والأحدث التي تنطوي عليها، والذي كل حدث، وكل حكاية؛ يُمكن أن يكون مُلهماً لمئات إن لم يكن لآلاف الأعمال الدرامية، كلها تمّ تغييبها وبشكلٍ شبه كامل في هذا الموسم؟؟!! ومن هنا أيضاً السؤال الكبير: لماذا هذا الإصرار في إنتاج دراما مفصولة عن واقعها؟؟

الكوميديا الحزينة

وبعد سرد هذه النكبات التي أصابت دراما موسم 2020، نأتي للنكبة الأكبر، وهي الكوميديا، فهي ورغم أنها أخذت حيزاً واسعاً من الإنتاج الدرامي السوري بما يُقارب من أربعة مسلسلات إن لم يكن أكثر، غير أننا نجدها قد وقعت، بأسوأ ما يُمكن أن تقع فيه الكوميديا، الكوميديا التي مثلتّها كل من المسلسلات: “بوشينكي، فتنة زمانها، هواجس عابرة، وببساطة في جزأه الثاني”.. وللأسف هذه المسلسلات – وهنا سأستثني مسلسل ببساطة رغم الكثير من الملاحظات عليه – فقد وقعت في أما الابتذال كما في مسلسل “بوشينكي”، أو اللاشيء، وأظنه التعبير الأنسب لكل من مسلسلي: هواجس عابرة، وفتنة زمانها.

. وأما مسلسل ببساطة الطالع من معاطف مرايا ياسر العظمة وسلسلة بقعة ضوء، فقد وقع في مسألة التفاوت، بمعنى تأتي حلقات بمنتهى الرشاقة التي تقول غايتها الجمالية الكوميدية والفكرية بغاية التكثيف، فيما تخفق حلقات أخرى.. ومع ذلك فإنّ “ببساطة” استفاد كثيراً من الأخطاء التي وقعت فيها سلسلتي مرايا وبقعة ضوء، لاسيما لجهة الإيقاع البطيء في السلستين السابقتين، فيما جاءت ببساطة أكثر رشاقة ودون أن تقع بما وقعت فيه كوميديا مجاورة قريبة منها في لبنان التي وقعت في الابتذال والتهريج، ببساطة الذي كان يُقدم أربع لوحات مُختلفة في كل حلقة استفاد من كل هذه الكوميديا القريبة سواء في الجوار أو التي سبقته، وحقق ما يُمكن أن يحفظ فيه وجه الكوميديا السورية..

تشرين

اقرأ أيضا: شاهدوا السيارة الخارقة لنجل الرئيس العراقي الأسبق “عدي” صدام حسين!

شاركنا تعليقك على هذه المقالة في صفحتنا على موقع فيسبوك