الخميس , أكتوبر 22 2020
بوتن 2

روسيا وسوريا.. رد الدين!

روسيا وسوريا.. رد الدين!

ابراهيم شير
منذ جلاء الاستعمار الفرنسي عن سوريا عام 1946 اختارت دمشق نهجها وحلفاؤها أيضاً وعلى رأسهم الاتحاد السوفيتي، وبعد بداية العقد الخامس من القرن الماضي توطدت العلاقات بين الجانبين أكثر، وأول صفقة سلاح سوفيتية لسوريا كانت عام 1956، ومنذ ذلك الحين أخذت العلاقات في التطور أكثر وأكثر حتى وصلنا إلى عام 1973 وحرب تشرين التحريرية، وهنا برز السلاح السوفيتي الحديث الذي سلم لسوريا، فكانت له كلمة مهمة في الحرب وبعدها أيضاً، خصوصاً في ملف سلاح الردع والتطور العسكري، والسلاح السوفيتي برز مرة أخرى خلال حرب لبنان، ومعركة مرج السلطان يعقوب شاهدة على التفوق العسكري لصالح الجيش السوري خصوصاً في دبابات T82.
العلاقات بين الجانبين لم تكن عسكرية فقط بل حتى اقتصادية فالاتحاد السوفيتي وقف إلى جانب الدولة السورية في الكثير من الأحيان اقتصادياً وكان يدعمها في وجه الحصارات المتعاقبة ضدها، خصوصاً إذا علمنا أن الحصارات تفرض على سوريا منذ عام 1956 عندما وقفت بوجه حلف بغداد المدعوم أميركياً في ذلك الوقت، وساهم الاتحاد السوفيتي في دعم دمشق بتنمية البنية التحتية من سدود وطرق ومعامل وغيرها من الأمور اللوجستية والاستراتيجية. في المقابل كانت سوريا موطئ قدم للسوفييت في المياه الدافئة بعد أن طردهم أنور السادات من مصر وبعده حسني مبارك، وتقلب مزاج الزعيم الليبي معمر القذافي، إضافة إلى أن الدول الخليجية لم تكن على علاقات استراتيجية معهم وكانوا يصفونهم بالكفار، وأيضاً الرئيس العراقي السابق صدام حسين، كان عبئا على السوفيت أكثر منه حليفاً، سوريا أعطتهم تحالفاً استراتيجياً لم يكونوا ليحلموا به، دولة مستقرة وقوية لديها علاقات متينة مع الدول المحيطة بها، وصاحب قرار رئيسي في أي قضية عربية، لذلك ماذا يريد الاتحاد السوفيتي أكثر من ذلك؟ فصحيح أن العلاقات بين الجانبين استراتيجية ومصالح متبادلة، إلا أنها أيضاً علاقات متينة أكثر من أي تحالف آخر شهدته المنطقة.
في بداية الثمانينيات وقع الاتحاد السوفيتي في أزمة كبيرة في أفغانستان، بعد أن مولت بعض الدول العربية الإرهابيين تحت اسم الجهاديين ضده في أفغانستان وخرجت علينا وقتها تنظيم القاعدة، وفي ذلك الوقت كانت معظم دول العالم وخصوصا العربية على صدام مباشر مع الاتحاد السوفيتي، إلا سوريا التي كانت الدولة العربية والإسلامية الوحيدة التي تتعامل مع موسكو، وكان هذا التعاون على جميع الأصعدة.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي دخل الاتحاد الروسي في أزمات عديدة سواء اقتصادية أو سياسية وحتى عسكرية، بالاقتصاد كانت سوريا هي البوابة الرئيسية للمنتجات الروسية وحلقة وصل أيضاً بينها وبين الدول العربية، وسياسياً كانت سوريا بوابة مهمة لتطبيع العلاقات الروسية مع الدول العربية والإسلامية. أما عسكرياً فالإرهاب الذي واجهه الاتحاد السوفيتي في أفغانستان وكان من أهم عوامل سقوطه، لاحق الدولة الروسية الحديثة في الشيشان والقوقاز، وأضعفها شيئاً فشيئاً في ظل حكم بوريس يلتسن.
مرحلة جديدة من العلاقات بين الجانبين بدأت بعد أن وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى سدة الحكم في الكرملين، معه تطورت العلاقات أكثر من عهد سابقه يلتسن، وهنا أهدته سوريا هدية جعلت منه أيقونة النصر لدى الروس، هذه الهدية جعلته جوزيف استالين الثاني. روسيا واجهت خطرين في حياتها الأول هو النازية بزعامة أدولف هتلر، وهزمه استالين، والثاني كان الإرهاب وتزعمه في تلك الفترة السعودي سامر السويلم، ويعرف باسم “الخطاب”. هذا الإرهابي الذي كان في الشيشان أتعب روسيا جدا، وقتل عشرات الآلاف من جنودها ومن المدنيين أيضاً. الخطاب كانت والدته سورية وتقيم فيها أيضاً. وبحسب مصادر خاصة فإن المخابرات السورية بطريقة ما استطاعت أن تأتي برسالة من أم الخطاب وترسلها إلى موسكو فتصل إلى المخابرات الروسية وهي تصرفت مع الرسالة بطريقتها، ثم أرسلت إلى الخطاب ومات بعد ما قرأها بدقائق. هذه الهدية التي قدمتها دمشق لموسكو، كانت بمثابة النصر الثاني لروسيا بعد هزيمة ألمانيا، وبمثابة ورقة اعتماد كبيرة لبوتين لدى الشارع الروسي.
في عام 2008 كانت روسيا تحاول الخروج من تبعات انهيار الاتحاد السوفيتي والأزمات الداخلية التي قام بها يلتسن خلال فترة حكمه، ودولياً كانت متعبة نوعاً ما، فاستغلت جورجيا الوضع وقامت باجتياح دولتي اوسيتيا وابخازيا ذوات الحكم الذاتي والأغلبية الروسية، فما كان من روسيا إلا القيام بعملية عسكرية لإعادة الوضع كما كان عليه، وقتها تعرضت لهجوم دولي كبير، ولعزلة دولية أيضاً، إلا دمشق فقد كانت الوحيدة التي وقفت إلى جانب موسكو وبنفس الوقت قام الرئيس بشار الأسد بزيارة روسيا ليعبر عن دعمه لموسكو.
بعد اندلاع الحرب المفروضة على سوريا بأربعة أعوام، طلبت دمشق المساعدة العسكرية من موسكو، بعد أن ساعدتها سياسيا طوال السنوات الأولى للحرب. ولنكن صريحين فإن دمشق هي من أعادت موسكو كدولة عالمية بعد أن كانت إقليمية وجعلت منها دولة مهمة وأعادت الثقة فيها، والدعم الروسي لسوريا عاد بالنفع على موسكو سواء بصفقات السلاح التي ارتفعت خمسة أضعاف على ما كانت عليه قبل عام 2015 أو بالتحالفات الاستراتيجية التي بنتها مع دول لم تكن تحلم أن تخترقها، لأن هذه الدول تأكدت بأنه يمكن الوثوق بروسيا وذلك بفضل دمشق.

العلاقات بين الطرفين مبنية على الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة أيضاً. والأمر الذي لا يفهمه الكثيرون هو أن القرارت الاستراتيجية في سوريا تتخذ من قبل دمشق حصراً، وبتوقيع صغير على ورقة من الرئيس الأسد سيخرج الجميع من سوريا، لأن من أتى بطلب رسمي سيخرج بمثله لذلك الجميع يعلم أن الرئيس الاسد هو صمام أمان المنطقة، والقرارات التي تخرج من قصر الشعب في دمشق هي التي تنفذ فقط، وغير ذلك هي قرارات لا تساوي الحبر الذي كتبت به.

رأي اليوم