الأحد , أكتوبر 25 2020
بستنة

فيروس كورونا: كيف أسهم الوباء في عودة هواية البستنة؟

فيروس كورونا: كيف أسهم الوباء في عودة هواية البستنة؟

في أواخر مارس/آذار الماضي فُرِضَت إجراءات الإغلاق الكامل في بريطانيا. وبالتزامن مع ذلك، كنت قد طلبت شراء بذور مجموعة من النباتات مثل الجرجير والخردل والملفوف الصيني وغيرها. والآن وبعد شهرين من ذلك تقريبا، لا تزال تدابير الإغلاق على وضعها، لكن حال بذوري هو ما تبدل، بعدما أصبحت نباتات انبثقت من باطن الأرض.

وبينما أدى تفشي وباء كورونا إلى إثارة قلق عميق وتسبب في أجواء من الركود سادت شتى أنحاء العالم، بثت رؤيتي لهذه الخضروات وهي تنمو في المساحة التي أزرعها، مشاعر الطمأنينة في نفسي. ولم أكن وحدي في ذلك.

فقد أشاع الوباء خلال الأسابيع الأولى لتفشيه، حالة من الفوضى في سلسلة إمداد المواد الغذائية عالميا، ما حدا بالكثيرين لبدء تخزينها بكميات كبيرة. في تلك الفترة، شهدت الولايات المتحدة طفرة في مبيعات بدائل الألبان، وخلت أرفف المتاجر في استراليا من الدقيق، وندر وجود المعكرونة في متاجر إيطاليا، بينما شح البيض في بريطانيا.

ووفقا لمجلة “تايم” الأمريكية، أعربت دول عدة في العالم عن خشيتها إزاء قلة عدد الأيدي العاملة اللازمة للتعامل مع السلع السريعة التلف، مثل الخضروات الطازجة. وكما يحدث مع كل أزمة، سارع الناس لتولي مهمة التعامل مع هذه المشكلة بأنفسهم، كما تبين من القفزة الكبيرة التي شهدتها مبيعات البذور.

وقد أظهر تقرير صدر مؤخرا عن مكتب الإحصاء الوطني في بريطانيا أن 42 في المئة من مواطني هذا البلد، لجأوا إلى ممارسة البستنة في حدائقهم، للتعامل مع تبعات إجراءات الإغلاق، بينما بحث أكثر من 330 ألف شخص عن نصائح بشان كيفية زراعة محاصيل متنوعة في حدائقهم، على الموقع الإلكتروني الخاص بالجمعية الملكية للبستنة في المملكة المتحدة.

وتبين أن البطاطا (البطاطس) شكلت المحصول، الذي حظي بالشعبية الأكبر بين هؤلاء الأشخاص. ويعني ذلك أن الناس داخل بريطانيا وخارجها ينهمكون في الحفر في الأفنية الخلفية لمنازلهم بغرض زراعتها، أو في غرس بذور النباتات في الأصص الموضوعة في الشرفات، أو في الاستفادة من عتبات النوافذ، لاستنبات البذور، منتفعين في ذلك بأشعة الشمس.

وأدى هذا الاندفاع نحو تعلم أساليب البستنة والزراعة في الحدائق، إلى المقارنة بين ما يحدث حاليا، وبين الحقبة التي ظهر فيها ما سُمي “حدائق النصر” أو “حدائق الحرب” في العالم. وتشير مصطلحات مثل هذه إلى المساحات التي زُرِعَتْ بالخضروات أو الفواكه، خلال الحربيْن العالميتيْن الأولى والثانية، في أفنية مساكن خاصة أو في حدائق عامة على جانبيْ المحيط الأطلسي، من أمريكا الشمالية إلى بريطانيا، ووصولا إلى استراليا كذلك.

وقد شاع السعي إلى الاستفادة من هذه “الحدائق”، عندما بلغ نقص الغذاء مستويات حرجة في دول الحلفاء، ما حدا بحكومات هذه البلدان لإطلاق حملات منسقة، حثت من خلالها مواطنيها على زراعة حدائقهم، لخدمة المجهود الحربي وإطعام أنفسهم وأقرانهم، ليصبح ذلك بمثابة واجب وطني لا أقل من ذلك.

ولا يزال الكثيرون في المملكة المتحدة، يتذكرون حتى الآن الحملة التي أطلقتها وزارة الزراعة البريطانية عام 1939 تحت شعار “احْفُر من أجل النصر”. وقد حققت تلك الحملة نجاحا، تمثل في وصول عدد قطع الأرض المخصصة للزراعة من جانب المواطنين العاديين في البلاد، إلى 1.7 مليون قطعة خلال ثلاث سنوات فحسب، بينما بلغ عدد الحدائق الخاصة التي زُرِعَت بالخضروات خمسة ملايين حديقة.

وخلال تلك الفترة، أعادت مجلة متخصصة في البستنة، صياغة الوصف الذي أطلقه نابليون على الإنجليز، قائلا إنهم ليسوا سوى “أمة من البقالين”. وقالت في هذا الصدد: “ربما يكون بوسعنا – وبقدر مماثل من الإنصاف – أن نُوصف بأننا أمة من البستانيين”.

وقد التصق هذا الوصف بالبريطانيين بالفعل. فهوسنا بالبستنة، يتجاوز مجرد كونها هواية وطنية في بلادنا، إذ إنها تضرب بجذورها في الروح البريطانية. فالحديقة لا تُعتبر بمثابة ملاذ شخصي للمرء فحسب، وإنما بقعة للتعبير الإبداعي، وتجسيدا لمآثر تثير مشاعر الفخر بالنفس، كما يتجلى – مثلا – في المسابقة السنوية التي تشهدها بريطانيا من أقصاها إلى أقصاها، لمن يستطيعون زراعة “خضروات عملاقة”.

وبالنسبة للبريطانيين، تكتسب زراعة الواحد منهم لمحصوله الخاص من الخضر أو الفاكهة، قيمة مضافة تتمثل في أن ذلك يشكل وسيلة للم شمل الجيران مع بعضهم بعضا.

ففوائد “حدائق النصر” مثلا، لم تقتصر على توفيرها كميات إضافية من الخضروات والفواكه، بل شملت أيضا تعزيز الروح المعنوية. فقد أدت زراعة المحاصيل بهدف إفادة المجتمع لا الفرد، إلى توطيد الأواصر بين المجتمعات المحلية، وإتاحة الفرصة – لمن لم يكن بوسعهم الذهاب إلى جبهات القتال – للاضطلاع بدور، حتى وإن كان محدودا خلال الحرب. وربما شكَّل ذلك السبب، في أن ما يمكن أن نسميه “إرث الحدائق”، لا يزال قائما في وجدان البريطانيين حتى اليوم.

وبينما يبدو تشبيهنا لمواجهتنا الحالية مع وباء كورونا بالحرب الفعلية أمرا مثيرا للجدل، فمن المنطقي أن نربط بين الأجواء التي سادت البلاد خلال كلا الحدثيْن. فنحن الآن بحاجة إلى إحياء الشعور الجمعي بالوحدة في وجه الخطر، وهنا تمثل “حدائق النصر” حرفيا إشارة واضحة، إلى أننا نقف صفا واحدا في مواجهة الوباء.

وبجانب الفوائد الشخصية التي تعود على من يعكفون على زراعة الخضروات والفواكه بأنفسهم، فهم يمنحون جيرانهم كذلك بعضا مما يزرعونه. وقد أظهرت دراسة أُجريت في بريطانيا أن 42 في المئة من المستطلعة آراؤهم، يشعرون بأن أزمة الوباء الحالي، جعلتهم يشعرون بقيمة الغذاء بشكل أكبر، وأن 10 في المئة منهم حرصوا على مشاركة المواد الغذائية مع الآخرين، وذلك للمرة الأولى على الإطلاق.

أما أنا فقد أدركت فوائد ذلك بشكل شخصي بعد ثلاثة أسابيع فحسب من بدء سريان إجراءات الإغلاق، إذ وجدتُ جارة لي كنت أعرفها قبل ذلك بالكاد، تطرق باب منزلي في مقاطعة سافيك بشرق إنجلترا، وفي يدها بذور أحد أنواع التوت، وطلبت مني أن أزرعها في مكان ظليل قليلا.

وبعد أسبوع وافتني الجارة نفسها من جديد، ومعها هدية أخرى، من شتلات الفلفل هذه المرة. وللإعراب عن امتناني، قدمت لهذه السيدة، وتُدعى جيني، بذورا لأحد أنواع الثوم، يُطلق عليه اسم “ثوم الدببة”. تطور الأمر الآن بيننا، إذ نتبادل رسائل نصية، بشأن السلحفاة روزي التي تربيها جارتي. ومنذ أن امتدت جسور التعارف بيننا، اعتدت سؤال جيني وزوجها جون، عما يريدان شراءه من المحال التجارية، إذا كنت بصدد التسوق. لكن لماذا انتظرت أن يجتاح الوباء العالم لكي أُقْدِم على ذلك؟

وإذا مررت أمام منزل جون وجيني، فستجد لافتة تعرض منح نباتات “السنفية”، أو أي مزروعات أخرى فائضة عن حاجتهما، لمن يحتاج الحصول عليها. وقال لي جون في هذا الصدد: “إذا رغب شخص ما في أيٍ من نباتات حديقتك، بوسعك منحه بعضا منها، فذلك لن يكلفك شيئا”.

وثمة جمعيات غير هادفة للربح في بريطانيا، تشجع تبادل البذور بين المهتمين بزراعة حدائقهم. ومن بينها، جمعية “مبادلة البذور في بريستول”، التي نشرت إعلانا بعد بدء سريان تدابير الإغلاق بأيام قليلة، تكشف فيه أن لديها بذورا متبقية من مناسبة كانت قد نظمتها في السابق. وكان بوسع من يريد الحصول على بعض من هذه البذور، إرسال مغلف للجمعية كُتِبَ عليه عنوانه وأُلْصِقَ به طابع بريد، لكي يُعاد المظروف إلى صاحبه وبداخله ما طلبه من شتلات.

وتقول المتحدثة باسم الجمعية، ديان هولنيس، إن الطلبات انهالت عليها من البستانيين. وأشارت إلى أن البذور أُرْسِلَت إلى 150 شخصا. وأضافت بالقول: “الجميع يدركون على ما أعتقد، أن أسعار المواد الغذائية في ارتفاع، وأن المنتجات الطازجة ستكون في وضع متميز”.

وكانت بذور الطماطم الأكثر شعبية بين طالبي هذه الشتلات، نظرا لأنه يُسهل زراعتها، وأنها تستطيع كذلك التكيف مع مختلف الظروف. وأوضحت هولنيس هنا قائلة: “أعتقد أن الطماطم تشكل المحصول الذي يمكن أن يتناسب أكثر من غيره، مع الزراعة في المساحات الصغيرة بشدة، حتى وإن كان ذلك في إحدى الشرفات”. ولحسن الحظ، كان لدى الجمعية كميات كبيرة من بذور هذا النبات.

ومن بين النماذج الواضحة على تزايد الاهتمام في بريطانيا، بزراعة الحدائق الخاصة، في ظل الإجراءات المفروضة للحد من تفشي وباء كورونا، ما تشهده بلدة بريدبورت، التي تشكل مركزا لعشاق الطعام في منطقة وست دورست. فمنذ بدء الإغلاق، تحولت هذه البلدة إلى خلية نحل، بفضل مجموعة تشكلت على موقع فيسبوك، كرد فعل على تدابير الحجر الصحي الحالية. وأسهمت هذه المجموعة بشكل كبير، في تشجير وزراعة مناطق واسعة من البلدة.

وبالنسبة للمزارعين الجدد الذين يحتاجون المساعدة، للحصول على المعلومات الصحيحة في مجال الزراعة، لا تقل أهمية دور مجموعات إلكترونية مثل هذه، عن ذاك الدور الذي اضطلعت به المنشورات، التي كانت تحمل شعار “احْفُر من أجل النصر” في ثلاثينيات القرن الماضي، على صعيد توفير النصائح في هذا الشأن.

وتقول الناشطة في مجال البيئة، كيم سكويرل، إنها تعتقد بأن سكان البلدة كلهم منهمكون في ممارسة أنشطة البستنة، سواء في حدائقهم أو حتى من خلال غرس البذور في أصص الزرع المملوكة لهم. وتمارس سكويرل هذا النشاط في قطعة أرض تقع على أطراف البلدة، وتشترك فيها 10 أسر. ومن بين شركائها في زراعة هذه القطعة، جارتها ريتشيل ميلسون. وقد أوليتا اهتمامهما للزراعة بالتزامن مع تواتر الأنباء الخاصة بتطبيق نظام الإغلاق الكامل.

وبينما تعج حديقة سكويرل بنباتات من بينها، الملفوف والفاصوليا وأشجار الكمثرى والتفاح التي ستثمر خلال الصيف المقبل، لا تقل حديقة ميلسون إثارة للإعجاب، إذ ترى فيها نباتات مثل الشمندر والبصل والكراث. وقد خُصِصَ جزء منها لإجراء تجارب على زراعة الخضروات المُعمرة مثل الهليون، الذي يمتص قدرا أقل من الكربون من التربة.

وتقول ميلسون: “عزز الوباء لديّ الإحساس بالحاجة لزراعة مزيد من المحاصيل الغذائية، ليس لسد احتياجات أسرتي أو لتوفير الأموال فقط، وإنما لخدمة المجتمع الأوسع نطاقا كذلك”.

وتشعر هذه السيدة بأنها محظوظة، لأن لديها قطعة أرض تزرعها. وتأمل في الوقت نفسه في أن يدرك المزيد من الناس، أن الإقدام على زراعة المواد الغذائية بأنفسهم لا يشكل مجرد هواية، وإنما “عمل حقيقي ومهم كذلك”. وتؤمن ميلسون بأن انخراطها في الزراعة يعود عليها بمنافع شخصية من جهة، ويمنحها الفرصة للإسهام في خدمة المجتمع من جهة أخرى أيضا.

وقد عَمَدَت إلى زراعة المحاصيل بكميات تفوق احتياجاتها، استباقا منها للتفاوت المتوقع في كميات المواد الغذائية في الفترة المقبلة، والذي سيكون الأعلى من نوعه على الإطلاق. وتعتزم ميلسون التبرع بجزء من هذه المحاصيل، إلى بنك طعام محلي أيضا.

وبينما يمثل منحك لأقاربك وأصدقائك، بعضا من المزروعات التي جنيتها بكدك وتعبك، جزءا من المتعة التي تحظى بها بفعل انهماكك في زراعتك لحديقتك، فإن إعطاءك لهم بذورا يمكنهم زراعتها بأنفسهم، يمنحك كذلك سعادة من نوع خاص ومختلف.

ويمكننا الإشارة هنا إلى تجربة برونو وايت، الذي كان قد انتقل للإقامة في قرية ديتشيت بمقاطعة سومرست الإنجليزية، قبل فترة قصيرة من بدء تطبيق تدابير الإغلاق في المملكة المتحدة في 23 مارس/آذار الماضي. وفي ذلك الوقت، أرسل وايت خطابات لجيرانه يقدم من خلالها نفسه إليهم. ودعاهم عبرها أيضا لتأسيس مجموعة غير رسمية، يتبادلون من خلالها مساعدة بعضهم بعضا. وفي ذات مرة، ترك جار مُسن مجموعة متنوعة من النباتات على عتبة منزله، تعبيرا عن الامتنان بعدما اشترى وايت له بعض حاجياته. وأرفق الجار هذه المجموعة بتعليمات كتبها بخط اليد بشأنها.

ولم يلبث جار ممتن آخر أن منح وايت كذلك مجموعة مما يُعرف بـ “البذور الحيوية”. ولم يكتف الرجل بذلك، بل علّمه طريقة أمريكية تقليدية، تُعرف باسم “الأخوات الثلاث”، من أجل زراعة الذرة والفاصوليا واليقطين، التي تُعرف بـ “النباتات المتصاحبة”.

ومنذ ذلك الوقت، انخرط وايت في زراعة حديقته، وفوجئ بمدى سهولة القيام بذلك، كما دُهِشَ لمدى كرم جيرانه وطيبتهم. ويقول في هذا السياق : “لدينا الآن شيء مشترك يجمعنا، بخلاف الخوف من الوباء”.

وهكذا فبينما كانت الفترة الأولى لتفشي الوباء، مفعمة بمشاعر الهلع والفزع، نأمل في أن تكون روح الود والتعاطف بين الجيران، هو ما سيعلق بذاكرتنا عندما نستعيد في المستقبل، ما جرى في الفترة الحالية. فانتشار “حدائق النصر” مثلا لم يساعد على تعزيز الوحدة بين مواطني دول الحلفاء فحسب، وإنما منح من اضْطرُوا منهم للبقاء بعيدا عن خطوط المواجهة، الفرصة لمد يد العون لأقرانهم ممن كانوا يقفون على الجبهة.

وفي خضم أزمة الوباء الراهنة، تكتسي المساحات التي يزرعها السكان بالخضروات والفواكه، بجاذبية مماثلة، في ضوء أنها توفر حلا مستداما لأزمة الأمن الغذائي، على نحو لا يشكل مساعدة لنا فقط، وإنما يجعل بوسعنا الاهتمام بجيراننا والاعتناء بشؤونهم أيضا.

إيلي هوارد بي بي سي