الخميس , يوليو 2 2020

الرياضات الإلكترونية: قصة شاب مصري ربح 60 ألف دولار في مسابقة واحدة

الرياضات الإلكترونية: قصة شاب مصري ربح 60 ألف دولار في مسابقة واحدة

أصبحت الألعاب الإكترونية وظيفة في العالم العربي، ولم تعد مجرد لعبة لتمضية الوقت، إذ تسير في نفس المسار الذي سبقت وسارت فيه ألعاب مثل كرة القدم والسلة والتنس، وبات لها اسم دولي وهو “الرياضة الإلكترونية”، لا سيما في ظل حالة العزلة التي يعيشها الكثيرون حول العالم لمواجهة وباء كورونا.

ويشترك اللاعبون في بطولات تدر عليهم أرباحا، ويحصلون على تدريب ورعاية من شركات كبرى، مما يؤكد أن الأمر لم يعد مجرد هواية وإنما بات احترافا ذا مردود مالي.

وهذا تماما هو ما يريد أن يعرفه الأهالي من غير المقتنعين بإمكانية أن تصبح ألعابا إلكترونية قتالية متعددة اللاعبين مثل “بابجي ووليج اوف ليجندز وفورتنايت” وظيفة، يحصلون منها على رواتب، وأموالا ومزايا كما لو كنت موظفا بدوام كامل، كما يقول علي بركات، 21 عاما، الذي احترف لعبة “أوفرووتش”.

تخلى علي عن فكرة الوظيفة التقليدية، وحول مجهوده والوقت الذي ينفقه إلى عمل شيء يحبه، ومهنة يحترفها، وانضم إلى فرق كبيرة في الألعاب الإلكترونية لخوض دورات ومسابقات محلية وإقليمية وعالمية.

بدأ علي فعليا اللعب على الإنترنت منذ خمسة أعوام، وعندما ظهرت لعبة أوفروتش Overwatch بعد انتهاء السنة الأولى في دراسته الجامعية، بدأ يلعبها واكتشف أنه يجيد لعبها، وقطع فيها أشواطا، ودخل بطولات كان آخرها بطولة في السعودية عام 2018، التي فاز فيها مع فريق “انفرنو” الإماراتي والمكون من خمسة لاعبين بـالمركز الثاني وبجائزة مالية قدرها 250 ألف ريال سعودي (حوالي 60 ألف دولار).

يتذكر علي، الذي قابلته في منزله بالقاهرة قبل تفشي فيروس كورونا، أول مبلغ مالي حصل عليه من الألعاب الإلكترونية: “كان ذلك منذ أربع سنوات، في بطولة لفيفا وكنت أنا وصديق لي ضمن فريق أجنبي والحمد لله دخلنا عددا من البطولات وكسبنا عدة مرات. وكانت جائزة البطولة الواحدة 150 دولار. وكانت هذه هي البدايات”.

ولا يقتصر دخل الشاب المصري، الذي درس علوم الحاسب الآلي، على البطولات فحسب، بل يعمل أيضا في مركز خدمة العملاء لشركة أمريكية كبرى في مجال الألعاب الإلكترونية ويحصل منها بانتظام على راتب شهري، ويضطر للعمل مساءا بسبب فرق التوقيت بين مصر والولايات المتحدة.

ويمكن وصف اللعبة بأنها “رياضة إلكترونية” إذا توافرت فيها الشروط الآتية: أن تكون تنافسية؛ بمعنى أنه يمكن اللعب ضد شخص آخر ومنافسته، وأن يكون للعبة جمهور كبير من المتابعين، وأن تكون هناك بطولات تنظم لهذه اللعبة بجوائز مالية كبيرة.

وسجلت إيرادات ألعاب الرياضة الإلكترونية حول العالم 1.1 مليار دولار بنهاية العام 2019، قبل وباء كورونا، وبلغ نصيب أمريكا الشمالية من هذه الإيرادات 409.1 مليون دولار، فيما بلغ نصيب الصين 210.3 مليون دولار، وفقا لشركة “نيوزو” (Newzoo) الدولية المتخصصة في إحصاء بيانات الألعاب الإلكترونية.

وهناك 120 مليون ممارس لألعاب الرياضة الإلكترونية في العالم العربي، أنفقوا جميعا نحو 2.3 مليار دولار على تلك الألعاب عام 2019، وتأتي السعودية والإمارات ومصر والمغرب والعراق في صدارة الدول العربية التي تشهد ازدهارا في سوق الألعاب الإكترونية.

ووصل إجمالي عدد جمهور الرياضة الإلكترونية حول العالم 453.8 مليون، وحفلت الصين بأكبر عدد من المشجعين المتحمسين لألعاب الرياضة الإلكترونية؛ حيث بلغ عددهم 75.0 مليون مشجع صيني، وجاءت بعد الصين في هذا المضمار الولايات المتحدة ثم البرازيل.

وسجلت بطولة العالم في لعبة ليغ أوف ليجندز التي أقيمت في 2018 أكبر نسبة في عدد ساعات المشاهدة المباشرة على منصة تويتش Twitch عند 53.8 مليون ساعة، كما حققت إيرادات من قِيَم التذاكر المباعة بقيمة 1.9 مليون دولار. وكان دوري لعبة أوفرووتش الأكثر مشاهدة من حيث عدد الساعات على منصة تويتش، مسجلا 79.5 مليون ساعة.
أرباح البث المباشر

وهناك فئة من اللاعبين الإلكترونيين ممن يحصلون على دخلهم من البث المباشر لمهارتهم في اللعبة على منصات مثل تويتش وفيسبوك ويوتيوب. وعادة ما يبدأ اللاعب هاويا قبل أن يصبح محترفا في البث عبر الإنترنت أو ما يعرف بـ ” استريمر”.

والشراكة مع المنصة التي يلعب عليها تمثّل راتبا في حد ذاتها. فهذه المنصات تدفع أموالا مقابل استخدام منصاتها بشكل يحقق مشاهدات عالية.

التبرعات والاشتراكات الشهرية أيضا تمثل روافد لدخل اللاعب الذي قد يصل أحيانا لأرقام خيالية تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات شهريا، مثل الأرباح التي يحققها الأمريكي تايلر نينجا، نجم لعبة فورتانيت Fortnite، الذي لديه واحدة من أكبر القنوات للرياضة الإلكترونية على تويتش ويوتيوب، إذ يتابعه أكثر من 20 مليون شخص حول العالم.

وفي تونس، برزت نورشين، 20 عاما، كواحدة من أشهر محترفي البث المباشر للعبة بابجي PUBG في العالم العربي، وتعتمد في دخلها على اشتراكات وتبرعات المتابعين لها على قناتها بتويتش، كما تروج لمهاراتها في اللعبة على حسابها بفيسبوك.

تقول نورشين، أثناء مقابلة معها في منزلها بتونس، إنه لا توجد رواتب شهرية ثابتة للاعب الرياضة الإلكترونية، المحترف في البث المباشر، فالربح مرتبط باللعب، وقد تظل 14 ساعة يوميا تلعب وتستعرض مهاراتها لكي يزيد دخلها، لكنها قد تحقق ربحا كبيرا في ساعة واحدة فقط.، فكيف تفعل ذلك؟

توضح نورشين: “قد ألعب ساعة واحدة أو حتى نصف ساعة يأتيني خلالها مشاهدون ويقومون بعمل تبرعات لصالحي بمقدار 500 دولار مثلا، وقد يأتيني عشرة مشتركين فئة خمسة وعشرين دولارا أو خمسة عشر دولارا أو عشرة دولارات. وثمة لاعبون يقضون ساعات طويلة بل وأياما ولا يربحون عشرة دولارات. المسألة لا تتعلق بالموقع الإلكتروني، وإنما هو المجتمع المتابع لك، وقاعدة المعجبين بأدائك، والذين يحبون أن يدعموك بالأموال.”

لكن على الرغم من النمو الهائل للرياضة الإلكترونية في العالم، هناك عدم تقبل في المجتمعات العربية بشكل كبير إلى الآن لفكرة اتخاذ الألعاب الإلكترونية كرياضة ووظيفة.

ومعلوم أن الرياضة يكون فيها جري وعرق ومجهود، أما الألعاب الإلكترونية فهي تمارس من وضعية الجلوس، وهو ما يدفع المشككين إلى التساؤل كيف يمكن تسمية ذلك بأنه “رياضة”؟

الحقيقة أن الألعاب الإلكترونية أصبحت “رياضة” معترف بها من جهات دولية عدة، لأن لها جمهور عريض ولأن لاعبها يضطر إلى إعمال العقل بشكل كبير، كما يقول هاشم البورنو، شاب مصري متخصص في تنظيم بطولات للرياضة الإلكترونية في الشرق الأوسط.

ويقول هاشم: “لاعب الرياضة الإلكترونية المحترف يجري كَمّا هائلا من الحسابات في عقله، وهذا الجهد الذهني يحتاج إلى تمرين وأن يكون اللاعب على قدر معين من الذكاء حتى يصل إلى درجة الاحتراف، أي أن الأمر يشبه لعبة الشطرنغ، فلاعبي الشطرنغ لا يتحركون كثيرا مثل ممارسي الألعاب الإلكترونية”.

وكغيره في نفس المجال، بدأ هاشم كلاعب هاو، لكنه قرر الاستثمار في مجال الرياضة الإلكترونية والتربح منها، وكانت بداياته عن طريق شراء الملحقات أو التوابع Accessories بالجملة في اللعبة، ليبيعها لاحقا بالتجزئة، وهو اليوم صاحب إحدى أكبر صالات اللعب الإلكتروني في مصر.

ووجد العديد من اللاعبين واللاعبات الذين التقيتهم في مصر، وتونس والأردن، صعوبة بالغة في إقناع الأهل باتخاذهم الألعاب الإلكترونية كوظيفة. فكثير من الأهالي في العالم العربي يفضلون الاتجاه للوظيفة التقليدية، وهم لا يرون المزايا التي يمكن أن يحصل عليها لاعب الرياضة الإلكترونية تماما كغيره من لاعبي كرة القدم أو غيرها. فلاعب الرياضة الإلكترونية المحتروف أو البروجيمر Pro-gamer هو رياضي له جهة راعية وفريق وراتب ومهنة ويمكنه الانتقال من فريق لآخر.

لكن علي استطاع أن يقنع والديه بالمسار الذي اختاره لحياته المهنية. أردت أن أعرف من والدته إيمان كيف عدلت عن موقفها المعارض بشدة لرغبة ابنها في امتهان لعبة “اوفروتش”.

تقول إيمان: “لقد تعلمت من تجربة أخيه الكبير “عمرو” ألا أتدخل في حياته طالما أنه لا يسلك الطريق الخطأ. كنت أتدخل كثيرا. يكفي القول إنه كان يريد دراسة علوم الحاسب ولكننا جعلناه يدرس الهندسة لأن مجموعه في الثانوية كان كبيرا جدا ولمجرد الوجاهة الاجتماعية؛ فمعظم أقاربه أطباء أو مهندسين، وقد أثر ذلك على حياته، وأدركت لاحقا أن ما فعلته بتدخلي هذا كان خطأ.

“هكذا باتت تسير الأمور. وقد كنا قديما نستغرب أمثال تلك التوجهات. لكن اتضح أن الموضوع بات بخلاف ما نظن؛ وأن له قدرا من الأهمية حتى أنه يلقى رواجا وطلبا دوليا. إليك على سبيل المثال البطولة الأخيرة التي ربحها في السعودية”.
“اشتريت كلبا بسبب الوحدة”

بالنسبة للمحترفين ولكثير من الهواة أيضا، باتت الألعاب الإلكترونية كل حياتهم، بل أن الأمر أصبح إدمانا خاصة إن أغلبهم يقضي نحو 20 ساعة يوميا في اللعب، ومنهم من يتخلى عن النوم والوجبات بل والدراسة.

وصنفت منظمة الصحة العالمية عام 2019 إدمان الألعاب الإلكترونية كاضطراب في الصحة العقلية. ووفقا للمنظمة فإن هذا الاضطراب يوصف “بضعف السيطرة على الألعاب، وإعطاء أولوية متزايدة للعب الألعاب على الأنشطة الأخرى إلى الحد الذي تنال فيه الألعاب الأسبقية على الاهتمامات الأخرى والأنشطة اليومية، واستمرار أو تصاعد اللعب رغم حدوث عواقب سلبية”.

وتعترف نورشين، التي تدرس حاليا في إحدى الجامعات الأمريكية فن تطوير وتصميم الألعاب الإلكترونية، أنها كانت “مدمنة” على تلك الألعاب لفترة طويلة خاصة في سن المراهقة لدرجة “إن أول شيء أفعله بعد أن أنهض من فراشي في الصباح هو أن أفتح جهاز الكمبيوتر. وكانت مواعيد المدرسة في الثامنة صباحا، فكنت أنهض في السادسة حتى أتمكن من لعب مباراة أو اثنتين قبل الذهاب للمدرسة. وما بين الدروس وبعضها البعض، إذا توفرت لي ساعة فإنني كنت أعود إلى البيت لألعب مباراة في هذه الساعة ثم العودة إلى المدرسة مجددا. وعندما كنت أعود من المدرسة إلى المنزل كان أول شيء أقوم بعمله حتى قبل أن أضع عن كتفي حقيبة المدرسة، هو أن أفتح جهاز الكمبيوتر. كانت الألعاب الإلكترونية هي الأهم.”

كما أن الجلوس لساعات طويلة أمام شاشة جهاز الكمبيوتر كفيل بأن يصيب اللاعب بأمراض في النظر وآلام في الظهر وفقدان الوزن بشكل كبير، أو زيادته إلى حد السمنة في حال الاعتماد على المشروبات الغازية والوجبات السريعة، كما حدث لنورشين.

ووصل تعلق نورشين بالألعاب الإكترونية إلى درجة أنها انفصلت عن حبيبها في الجامعة، بعد علاقة استمرت تسعة أشهر، لعدم تفهمه أو تأقلمه مع أسلوب حياتها، وتتذكر نورشين آخر جدال دار بينهما بسبب لعبة “بابجي”: “ذات مرة طلب مني أن أختار بينه و جهاز الكمبيوتر، فاخترت جهاز الكمبيوتر. نعم، وكنت سأفضله على أي شخص كان.”

لكن بالنسبة لعلي، فالأمر مختلف، فأحيانا تعتريه الرغبة في البقاء على اتصال مع بشر حقيقيين وجها لوجه خارج العالم الافتراضي للعبة وجهاز الكمبيوتر “وهذا هو ما يصيبني بالاكتئاب، لذا اشتريت كلبا لكي يؤنس وحدتي”، كما يقول.

ولا يعتقد علي أن قضاء العديد من الساعات يوميا في ممارسة الألعاب الإكترونية كمحترف سيؤثر على حياته الشخصية من حيث الارتباط بفتاة لسبب بسيط: “لماذا لا أبحث عن فتاة تحترف اللعب هي الأخرى؟ هناك فتيات تحترفن الألعاب الإلكترونية…نعم، كثيرات ومتميزات، فلماذا لا أبحث عنهن؟”

أحمد ماهر صحفي/ بي بي سي