الإثنين , يوليو 6 2020

بعد إدلب وسوريا.. إردوغان يتحدى بوتين في ليبيا

بعد إدلب وسوريا.. إردوغان يتحدى بوتين في ليبيا

حسني محلي

جاء الاحتفال بالذكرى 467 لفتح القسطنطينية (إسطنبول) في 29 أيار/مايو ليعكس المعاني الحقيقية لأقوال الرئيس إردوغان.

شهدت الساحة الليبية خلال الأسابيع الثلاثة الماضية تطوّرات مثيرة، أهمها الانتصارات التي حقّقتها الفصائل الموالية لحكومة الوفاق، المدعومة من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

وفسّرت المعلومات هذه الانتصارات بالدعم التركي المباشر والكبير براً وجواً وبحراً، مع نقل الآلاف من مسلّحي الفصائل الإرهابية من إدلب، وإلى جوارها إسطنبول، ومنها إلى ليبيا، باعتراف إردوغان نفسه.

وجاء اتصال الرئيس إردوغان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب (23 أيار/مايو) ليثير العديد من التساؤلات، بعد المعلومات التي قالت إن إردوغان استنجد بترامب ضد حليفه في سوريا الرئيس بوتين، مع الادعاءات الأميركية حول انتقال طائرات روسية من سوريا إلى ليبيا لدعم قوات خليفة حفتر.

وجاء تأكيد الرئيس إردوغان (27 أيار/مايو) وإصراره على الموقف التركي في ليبيا، ليحمل في طياته المعاني الرئيسية لسياسة أنقرة في ليبيا، وعبرها في الشمال الأفريقي بأكمله. وقال إردوغان: “إن الذين يقولون لنا ماذا تفعلون في سوريا وإدلب وليبيا! سوف نريهم قريباً ماذا نفعل وسنفعل”.

وجاء الاحتفال بالذكرى 467 لفتح القسطنطينية (إسطنبول) في 29 أيار/مايو ليعكس المعاني الحقيقية لأقوال الرئيس إردوغان، إذ تمت تلاوة سورة الفتح خلال هذا الاحتفال الذي أقيم في متحف آيا صوفيا، الذي كان كنيسة، فحوّلها محمد الفاتح إلى جامع، ثم أصبحت متحفاً في الأول من شباط/فبراير 1935 في عهد أتاتورك.

ومن المتوقع أن ترى العواصم الغربية في موقف إردوغان استفزازاً تاريخياً لها، كما سترى الدول التي تدعم خليفة حفتر، وهي السعودية ومصر والإمارات والسودان والأردن، في كلامه عن ليبيا، تحدياً واضحاً وصريحاً لها ولكل من يعرقل مشاريعه هناك، بمعنى أن إردوغان، ومعه قطر، ضد هذه الدول الخمس التي يبدو أنها ليست على مستوى التحديات التركية التي ستطالها بشكل أو بآخر، وهو ما نفهمه من كلام إردوغان الذي قال: “في الذكرى 500 لفتح إسطنبول (2053)، سوف نحيي كل ذكرياتنا التاريخية التي تليق بأجدادنا”.

أما الاستنجاد التركي بأميركا، وإن كان صحيحاً، فالهدف الأهم منه هو “تلقين” الرئيس بوتين الدرس اللازم، لمنعه من سياسات “الإحراج والمضايقات” لتركيا في سوريا وإدلب، التي تستمر فيها الحشودات العسكرية التركية الكبيرة.

كما يبدو واضحاً أن الرئيس إردوغان، لا من خلال حواره مع ترامب فقط، بل أيضاً من خلال الإشارات التي يبعثها سراً وعلناً إلى فرنسا وألمانيا وإيطاليا، لن يترك، وإن استطاع، ليبيا للروس، كما أنه يسعى إلى أن يكون له موطئ قدم أبدي في ليبيا.

وتتحدّث المعلومات هنا عن إقامة قاعدة تركية، وربما مع الأميركيين، في مطار الوطية غرب ليبيا، وبدعم مباشر أو غير مباشر من تونس. وجاء قرار أنقرة بإعلان الساحل التركي على البحر الأسود وقرب الحدود التركية مع بلغاريا منطقة عسكرية ممنوع الاقتراب منها، كإشارة مهمة على أن شيئاً ما سيحدث قريباً في هذا البحر، كما هو الحال في الأبيض المتوسط.

وتحدثت المعلومات أيضاً عن مباحثات تركية- أميركية لبناء قاعدة مشتركة في المنطقة، وهو ما سيزعج روسيا التي تسعى واشنطن إلى إحراجها، عبر مساعيها لبناء قاعدة بحرية لها قرب الموانئ الرومانية في البحر الأسود، الذي شهد توتراً جدياً (29 أيار/مايو) عندما اعترضت طائرات روسية طائرة تجسس أميركية في المنطقة.

ويتزامن كل ذلك مع قرار أنقرة المفاجئ بسحب سفينة البحث والتنقيب عن الغاز والبترول، واسمها “فاتح”، من جوار قبرص، وإرسالها إلى البحر الأسود يوم الاحتفال بفتح إسطنبول.

ويراهن الرئيس إردوغان من خلال كل هذه المعطيات على حنكته ومهارته في التوفيق بين التكتيك والاستراتيجية في مجمل حساباته الخارجية، كما يراهن على نقاط الضعف في علاقاته مع الآخرين، كما هو الحال الآن مع روسيا التي تعاني من سلسلة من المشاكل في علاقاتها مع الغرب، وفق قناعات الأوساط الحاكمة في أنقرة.

ويدفع ذلك الرئيس إردوغان إلى مواجهة الضغوط الروسية في إدلب وسوريا عموماً، تارة بالتحالف مع أوكرانيا، وتارة بالاستنجاد بالرئيس ترامب، وتارة أخرى بالحديث عن إلغاء صفقة “أس – 400″، وأخيراً مع إشارات المصالحة مع “إسرائيل”، وهو ما سيغيّر من موازين القوى برمّتها في المنطقة، إن كانت تكتيكية أو استراتيجية.

وما على إردوغان في مثل هذه الحالة إلا أن يرضي الإسلاميين العرب الموالين له، بمن فيهم حماس وأمثالها، “بضروريات الصداقة” مع “إسرائيل”، التي يتم نقل البترول الكردي العراقي إليها عبر الموانئ التركية، لكسب ود تل أبيب أكثر من دول “صفقة القرن” الأميركية التي يسعى الرئيس ترامب إلى جر تركيا إليها.

وقد تحمل الأيام القليلة القادمة إشارات عملية ومهمة في هذا الاتجاه، ولكن بعد أن نرى: هل ستوفّق أنقرة بين تحالفها مع أميركا في ليبيا وخلافها معها في شرق الفرات؟ وكيف؟

ستحسم الإجابة على هذا التساؤل الكثير من الأمور الاستراتيجية، بعد أن فشلت التكتيكات في وضع النقاط على الحروف في الكثير من القضايا في سوريا، وعبرها في المنطقة، بما في ذلك الدور الإيراني في سوريا، وأحاديث المساومات والصفقات والرهانات الروسية – التركية – الإسرائيلية – الأميركية، بانعكاساتها على موازين القوى الداخلية في سوريا، فمع سيناريوهات المستقبل السوري، وبعد التطورات المحتملة التي يراهن الكثيرون عليها بعد تطبيق قانون “سيزر”، بات واضحاً أن الصيف القادم سيكون ساخناً بالنسبة إلى الجميع، ولكن في سوريا أولاً، وليبيا ثانياً.

وقد استنفر الرئيس إردوغان كل إمكانياته لتحقيق كل أهدافه، لأنه يرى في ذلك ضمانة لفرض سياساته، ليس في الداخل فقط، بل على المنطقة العربية والشمال أيضاً، وبعد ذلك العمق الأفريقي الذي تهتم أنقرة بدوله بشكل خاص، فقد زار الرئيس إردوغان خلال السنوات الأخيرة، وبشكل خاص بعد “الربيع العربي”، جميع الدول الأفريقية، واستقبل معظم رؤسائها في تركيا، وأقام علاقات جيدة معها، وفتح السفارات التركية في معظم عواصمها، وخصوصاً تلك التي تملك طاقات وإمكانيات استراتيجية، سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية وتجارية ومالية.

وقد شبَّه البعض الانفتاح التركي على القارة السوداء بالانفتاح الإسرائيلي على أفريقيا، أولاً بعد قيام “إسرائيل”، وفي المرحلة التالية بعد حرب حزيران/يونيو 1967، وأخيراً بعد اتفاق كامب ديفيد، عندما قالت تل أبيب للدول المذكورة: “ها قد تصالحنا مع العرب، فتعالوا نعمل معاً”.
وترجمت تل أبيب هذه المقولة بالتدخل الإسرائيلي الخطير في القارة السوداء سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واستخباراتياً ودينياً، ثم تحوّلت إلى مركز رئيسي لتهريب الألماس وتسويقه عبر المافيات اليهودية هناك وفي العالم.

الميادين