الجمعة , نوفمبر 27 2020
المان

ما سر حرص الألمان على احترام النظام والقواعد؟

ما سر حرص الألمان على احترام النظام والقواعد؟

سألني شاب كان يجلس بجواري في القطار السريع المتجه من برلين إلى دوسلدورف عن الاختلافات الثقافية التي لاحظتها بين الألمان والأمريكيين. ولم يكد الرجل ينهي سؤاله حتى أطلت امرأة متوسطة العمر برأسها وأومأت إلينا بأن نصمت.

ثم أشارت إلى لافتة تدل على أن هذه العربة من القطار ينبغي أن يلتزم فيها الركاب الهدوء. وما إن عادت إلى مقعدها حتى قلت للشاب، إن هذا هو الاختلاف بين الثقافتين.

ولم يكن التوبيخ الذي تعرضت له في القطار سوى مثال على حرص الألمان على الالتزام بالقواعد بحذافيرها حفاظا على النظام، وقد تعرضت لمواقف مشابهة مرارا طيلة السنوات الأربع التي قضيتها في ألمانيا عملا بمقولة: “يجب تطبيق النظام”.

وقد ترسخت هذه المقولة في وجدان الشعب الألماني إلى درجة أنها أصبحت شعارا مميزا للثقافة الألمانية حول العالم، ونمطا حياتيا للألمان في الداخل.

وإذا كنت في ألمانيا، عليك أن تضع القوارير البنية في صناديق مخصصة لإعادة التدوير بمعزل عن القوارير الشفافة، وأن تلتزم بالهدوء بعد العاشرة مساء، ولا تعبر الشارع إلا إذا تحول ضوء عبور المشاة إلى اللون الأخضر، حتى لو كان الشارع خاليا من السيارات.

وإذا أردت أن تقضي مصالحك في هذا البلد، فعليك أن تطبع الاستمارات المناسبة وتملأها ثم تحجز موعدا وتنتظر دورك ليعاين الموظف المختص أوراقك ويتأكد من أنها مستوفية لجميع الشروط والقواعد وأن شيئا لم يسقط منك سهوا كالمعتاد.

وربما تعود جذور هذا الحرص على احترام النظام إلى مارتن لوثر، المصلح الديني الذي لم يغير الطرق التي يتعبد بها الناس في ألمانيا والعالم فحسب، بل تركت أفكاره وتفضيلاته الخاصة بصمة واضحة على الثقافة الألمانية.

مقالات مشابهة :  شركة طيران تبتكر أفكاراً خلّاقة لمواجهة أزمتها المالية

وكتب المصلح الألماني منذ 500 عام: “يجب أن يسود النظام بين الناس”. لكن دكتور وولفرام بيتا، مدير قسم التاريخ الحديث بجامعة شتوتغارت، يقول إن لوثر كان يدعو للامتثال للسلطة في كتاباته اللاهوتية، ولعله لم يكن يقصد الترتيب والنظام في الحياة الخاصة كما هو حال المثل الألماني الدارج.

وأشارت مقالة نشرت في صحيفة “نيويورك تايمز” عام 1930 إلى أن عبارة “يجب تطبيق النظام” اكتسبت شهرة عالمية وارتبطت بالثقافة الألمانية بعد أن ظهرت أسفل صورة لبول فون هيندنبورغ، آخر رئيس لجمهورية فايمار، التي نشأت في ألمانيا من عام 1919 إلى 1933، على غلاف مجلة “التايم”.

وتقول كريستينا روتجرز، خبيرة الثقافة الألمانية، إن احترام النظام في الثقافة الألمانية لا يقل أهمية عن الإيفاء بالعهود والالتزام بالمواعيد والعمل الجاد والأمانة.

ورغم أهمية النظام في المجتمع الألماني، فإن الألمان لا يتحدثون عن القيم والقواعد التي تمثل أركان النظام، لأنهم تربوا على هذه القيم والقواعد وغُرست في نفوسهم حتى أصبحت جزءا من نسيج المجتمع الألماني. ويفترض الألمان أن الجميع يعرفون هذه القواعد ولا يحتاجون للتقلين.

ويقول يواكيم كروغر، أستاذ علم النفس بجامعة براون، إن الأطفال يتعلمون احترام النظام منذ الصغر لحثهم على تنظيف غرفهم. ويعد النظام جزءا من حياة الألمان اليومية بعدما أصبح عادة تلقائية يلتزمون بها دون تفكير.

وقد تسرب شغف الألمان بالنظام إلى مفردات اللغة الألمانية. فإذا كنت متعبا، قد يسألك أحد المارة: “هل كل شيء منظما”، والتي تعني هل كل شيء على ما يرام؟

وتزين كلمة “نظام” الزي الموحد لعناصر شرطة حفظ النظام العام، التي تختص بالتعامل مع الجنح والمخالفات، التي قد تشمل في ألمانيا، تشغيل الموسيقى بصوت مرتفع في الأوقات التي ينبغي فيها التزام الهدوء، ومخالفات قواعد انتظار السيارات، ونباح الكلب في الوقت غير المناسب أو لمدة أطول من اللازم، أي إذا تجاوز النباح 10 دقائق في المرة الواحدة، أو تعدى إجمالا 30 دقيقة في الأوقات التي ينبغي فيها التزام الهدوء.

مقالات مشابهة :  ما هي المواقع التي يتابعها الأميركيون عشيّة الانتخابات الرئاسيّة؟

لكن بعض الألمان يرددون في المقابل مثلا آخر مفاده أن “النظام هو نصف الحياة، ومن ثم فإن الفوضى هي النصف الآخر”.

ولا أحد ينكر أن ألمانيا لا تخلو من مظاهر الفوضى. فقد تلاحظ أن الناس يصعدون إلى القطار قبل أن ينزل الركاب منه، أو أن بعض الناس يخربون سلال القمامة التي تحمل كلمة “نظام”.

وفي الواقع، اشتهرت برلين منذ أكثر من 100 عام بأنها مركز للتجارب الثقافية المتحررة، حيث كل شيء مباح. وطالما استقطبت حفلاتها الباحثين عن المتع والملذات من جميع أنحاء العالم. ولا يزال الناس ينتقلون إلى برلين للتحرر من قيود الحياة الصارمة دون أن يحكم الآخرون على مظهرهم.

غير أن هذه الروح المتحررة والفوضوية تحكمها أيضا قواعد غير مكتوبة. فبإمكانك مثلا أن ترسم بالطلاء على جدار برلين، ما دمت تلتزم بالجزء المسموح بالرسم عليه من الجدار. ولا مانع من أن تسير عاريا طالما كنت في الأماكن المخصصة للعراة، حيث لا يفضل ارتداء ملابس.

وبإمكانك ممارسة الجنس مع الغرباء وتعاطي المخدرات، دون أن يلتفت إليك أحد، ما دمت تمارسها في الأماكن المخصصة لذلك بمعظم نوادي برلين.

وإذا توغلت في ألمانيا سترى الكثير من مظاهر الرفاهية والمتعة، إذ تنتشر في فرانكفورت النوادي وبيوت الدعارة، وتضم هامبورغ واحدا من أكثر أحياء البغاء صخبا في أوروبا.

مقالات مشابهة :  روسيا تطلق قريبًا قمرًا مختصّصًا في مراقبة المناخ

لكن هذا لا يتعارض مع حرص الألمان على النظام، فالألمان لا يمنعون شيئا ما دام يُمارس في أماكن معينة مخصصة لممارسته. فإذا تحدثت إلى جارك في عربة القطار الهادئة ستتعرض للنهر والتوبيخ، لكن إذا شربت الخمر في أنفاق برلين، لن يلتفت إليك أحد، لأن شرب الخمر أمام الملأ مقبول بشكل عام وفقا للقواعد غير المكتوبة.

لكن إذا مارست سلوكا يخالف القواعد المتعارف عليها بين الألمان، ستجد الكثيرين من الغرباء ينبهونك إلى أن هذا السلوك مخالف للنظام. وتقول روتجرز إن الألمان لا يخجلون من لفت نظر الآخرين في حالة مخالفة القواعد، وقد يوبخونك لأنهم يتوقعون أن الجميع يعرفون القواعد ويلتزمون بها.

ولهذا أرسل لي جاري في العمارة التي اسكن فيها مقطع فيديو على تطبيق “واتساب” حول طريقة فك صندوق من الورق المقوى قبل وضعه في صندوق إعادة التدوير، وقال إنه يأمل أن يتخذ جميع الجيران هذه الخطوات البسيطة التي تستغرق خمس ثوان فقط.

وبعد أن زرت جميع الولايات الألمانية، رأيت بنفسي أن النظام يطبق بفعالية وبسلاسة، لكنني شاهدت أيضا بعض الألمان يخالفونه على الملأ، لكن عندما تكون المخالفة مقبولة، مثل الصراخ في وجه الحراس المسلحين في مباريات كرة القدم أو إطلاق الألعاب النارية في الشوارع المكتظة في ليلة رأس السنة.

وفي النهاية، تقول روتجرز إن ألمانيا، شأنها شأن أي دولة لا يمكن اختزالها في عبارة واحدة، بل هناك عبارات وتعبيرات عديدة ترسم معالم ثقافتها.

جو بور بي بي سي