الإثنين , أكتوبر 26 2020
دمشق 3

هل تنتصر دمشق على نفسها والحصار؟

هل تنتصر دمشق على نفسها والحصار؟

أحمد الدرزي

عدا عن موقف الحليفين الإيراني والروسي الواضحين باستمرار دعمهما لسوريا ومنع سقوطها فإن الأمر يتعلق بمدى تحمل السوريين شدة الحصار الذي عرفوه من قبل في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

كان الاجتماع الرباعي الذي عقد في دمشق بتاريخ الرابع من أيلول/سبتمبر عام 2008 الذي جمع قادة كل من سوريا وفرنسا وتركيا وقطر بمثابة المرحلة الثالثة من الاستعداد للحرب الكارثية في سوريا، فبعدما فشل كولن باول بأخذ دمشق نحو إعادة تقييم سلوكها السياسي وتغييره باتجاه التموضع مع ملامح الشرق الأوسط الجديد الذي كانت واشنطن ولا تزال تسعى إليه، والانتقال نحو التهديدات المستمرة إلى أن وصلت إلى حدها الأقصى بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، واتهام دمشق بعملية الاغتيال ما أدى الى خروج الجيش السوري من لبنان، واستمرت الضغوط بالحدود القصوى حتى اندلاع حرب تموز 2006 التي أعلنتها وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك كونداليزا رايس كولادة لشرق أوسط جديد.

وكان لهزيمة الولايات المتحدة فيما سعت إليه الدافع نحو محاولة استيعاب دمشق ودمجها بمنظومة شرق أوسطية ذات طابع اقتصادي ليبرالي مرتبط بفتح أسواق الخليج للبضائع السورية، ما خفف إلى حد كبير الضغوط والعقوبات الأميركية والأوروبية، وأدى إلى تحولات اقتصادية ذات أثر كبير على مستوى معيشة السوريين وأنماطها.

من هنا كان اختبار القمة الرباعية الذي عقد في دمشق لمجموعة من الأهداف المعلنة آنذاك حول السلام وإقناع إيران بالاتفاق النووي، ولكن الهدف الحقيقي غير المعلن هو الطلب من القيادة السورية السماح لمرور حوامل الطاقة من قطر وتركمانستان وإيران أيضاً بعد إسقاط نظامها السياسي _الذي حُضّر له وفشل بعد ما يسمى الثورة الخضراء اللاحقة للانتخابات الرئاسية عام 2009 _عبر سوريا إلى تركيا ثم إلى دول الاتحاد الأوروبي مقابل استثمارات خليجية بما يقارب المئة والخمسين مليار دولار.

كان الجواب السوري واضحاً برفض هذا المشروع لأن دمشق تدرك أن النيل من طهران وموسكو سيعرضانها لكشف ظهرها، ويجعلها وحيدة في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل بالإضافة إلى دول الخليج التي لا يمكن الاطمئنان لها، فما كان من الغرب إلا أن استمر بمحاولات استقطاب دمشق بحلاوة النظام الليبرالي الإقليمي والدولي، مع العمل على خطة تدميرية بديلة تدفع دمشق قسراً لتغيير سلوكها بما يضمن عرقلة نهوض كل من روسيا والصين وإيران على مستوى قارة آسيا بشكل خاص، وهو ما أداه الربيع العربي -الأميركي- الذي بدأ في تونس ووصل إلى سوريا مدمراً معظم الدول التي مر بها.

امتازت الحرب في سوريا بوضوح أهدافها منذ بدايات التظاهرات والاحتجاجات التي اندلعت في أغلب المدن والقرى السورية، ولاسيما بعدما أُحرقت الأعلام الروسية والصينية والإيرانية في بعض التظاهرات، ما أدركته هذه الدول مبكراً أنها مستهدفة بهذه الحرب، وأن دمشق تخوض الحرب ليس دفاعاً عن نفسها فقط، بل انها الساحة الأساس لتفجر العنف الدولي لمنع تغيير النظام الدولي وحيد القطب الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وهذا ما دفع هذه الدول لأن تتبنى مسألة الدفاع عن أمنها القومي في سوريا تبعاً لطبيعة التهديدات وشدتها، ما أدى الى التمايز بمستوى تبني القضية السورية، فسلكت الصين مبدأ الدعم السياسي مؤازرة لروسيا في مجلس الأمن برفض تغطية أي اعتداء باسم الأمم المتحدة، فيما ذهبت روسيا إلى مجال الحماية السياسية والدعم العسكري فدخلت بشكل مباشر من خلال الدعم العسكري الجوي في أيلول/ سبتمر 2015.

بينما ذهبت إيران إلى أبعد من ذلك من خلال الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي، ما أطال عمر الحرب وأسقط الأهداف الأميركية بتغيير الموقع الجيوسياسي لسوريا؛ ولَم يتبق من أسلحة أمامها سوى اللجوء الى العقوبات القصوى التي لا تستهدف فعليّاً النظام السياسي في سوريا الذي يخضع لعقوبات غربية مشددة منذ انطلاق الحرب على سوريا وفيها، بل ينتقل الى مستوى ثانٍ ويتوجه بشكل مباشر للدول الثلاث التي تشكل تهديداً لموقع الولايات المتحدة العالمي، ولاسيما بعد الانكفاء الأميركي على مستوى غرب آسيا في كل من أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وفي جنوب شرق الصين وتوقفه في منتصف أوكرانيا.

بالإضافة للانقسام الأميركي الداخلي العميق والعنيف المهدد لديمومتها، إضافة الى انكشافها بعد انتشار وباء كوڤيد 19، وما تركه من آثار اقتصادية كبيرة على الداخل الأميركي وعلى الغرب عموماً؛ ويأتي قانون قيصر في سياق الصراع الدولي والإقليمي الكبير حول بقاء نظام العولمة الأميركي كقوة وحيدة لا يسمح لأي دولة بالخروج عنه، وبين قوى دولية وإقليمية ناهضة، تشكل فيها الساحة السورية المؤشر الأساس لمستقبل الصراع، بالإضافة إلى المطلب الأساس لواشنطن بما يتعلق بترتيب أوضاع المشرق بما يضمن الدور الوظيفي لإسرائيل ويضمن استمراريتها. وكان جيمس جيفري المسؤول المباشر عن الملف السوري في الإدارة الأميركية واضحاً بالدوافع الإقليمية للقانون، عندما عرض على دمشق حل مشكلتها الاقتصادية مقابل إخراج إيران وكل القوى من سوريا والدخول ضمن المنظومة الإقليمية الأميركية.

من الواضح الآن أن العقوبات الأميركية المتتابعة على سوريا لا يمكن التخلص منها حتى تتوضح نتائج الصراع بين المحورين، وهذا الأمر قد يأخذ سنوات وليس أسابيع وشهوراً، ولا يمكن للولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الذي يصطف معها أن تتراجع عنه إلا في حال هزيمتها الواضحة وإقرارها بنظام دولي جديد متعدد الأقطاب.
أين التحدي؟

عدا عن موقف الحليفين الإيراني والروسي الواضحين باستمرار دعمهما لسوريا ومنع سقوطها فإن الأمر يتعلق بمدى تحمل السوريين شدة الحصار الذي عرفوه من قبل في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وما تابعوه من حصار العراق بعد دخول الجيش العراقي إلى الكويت في تسعينيات القرن الماضي حتى احتلال العراق، إضافة الى إخضاع لبنان الآن لحالة الخنق الاقتصادي والإفلاس.

وهذا يتطلب من دمشق بالدرجة الأولى إعادة قراءة التجربة الاقتصادية والسياسية قبل الحرب وبعدها، والعمل على إشراك السوريين كافةً وتحميلهم مسؤولياتهم لمواجهة الحصار الخانق، وتحويله فرصة لإعادة بناء الدولة بما يتناسب مع حجم التهديدات الوجودية الكبيرة، وبما ينسجم مع التاريخ الحضاري، وهذا يتطلب مبادرة وطنية تقودها دمشق ، بحيث تجمع فيها كل النخب الوطنية على المستوى العلمي والاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي، ومن خارج سياق التجربة التي أثبتت فشلها وعجزها خلال السنوات الماضية عن تغيير الواقع السوري، بل ومساهمتها من الناحية الفعلية بتعزيز العقوبات ونتائج الحصار من الناحية الموضوعية.

فهل ستفعلها دمشق وتنتصر على نفسها وعلى الحصار؟

الميادين