السبت , أكتوبر 24 2020
كيف تعامل الملك حسين مع الإخوان المسلمين الهاربين من سوريا.. وماذا قال لحافظ الأسد؟

كيف تعامل الملك حسين مع الإخوان المسلمين الهاربين من سوريا.. وماذا قال لحافظ الأسد؟

كيف تعامل الملك حسين مع الإخوان المسلمين الهاربين من سوريا.. وماذا قال لحافظ الأسد؟

وقعت عيني على كتاب هام بعنوان: “يوميات عدنان أبوعودة”، وأبوعودة لمن لا يعرف واحدٌ من ألمع السياسيين والدبلوماسيين الأردنيين، وقد كان قريباً جداً من الملك الراحل حسين بن طلال، وشغل مناصب عدة وعمل في المخابرات الأردنية وأصبح رئيسها، ثم وزيراً للإعلام، فوزيراً للبلاط، وكان في معظم مواقعه قريباً من الملك وكاتباً لخطاباته.
وهذا الكتاب الصادر عام 2017 عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ليس مجرد يوميات عادية وإنما توثيق لمرحلة سياسية هامة في تاريخ الأردن.
وسرد لتفاصيل لا يعرفها الكثيرون عن تعامل الملك حسين مع عدد من القضايا الشائكة كالقضية الفلسطينية وموقف الأردن منها، وأخرى تتعلق بقضايا عربية.

الملك حسين وقضية فلسطين
هناك محور واضح في تفكير الملك حسين، بأن له دوراً في فلسطين يجب أن يؤديه، ولذلك تجده ضد المشاعر الإقليمية الأردنية التي كانت تطل برأسها، أما حرصه على دوره فعليه أمثلة كثيرة، مثل مشروعه للمملكة العربية المتحدة، وعندما ذهب العرب إلى اعتبار المنظمة هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني قام الأردن بإجراءات فكّ الارتباط، ولكنه أبقى على علاقات مميزة برجالات ومؤسسات الضفة الغربية، وكذلك بالشخصيات الفلسطينية في العالم الغربي، وكانت له اجتماعات مع الاقتصاديين الفلسطينيين، تدور حول اقتصاد الضفة، وحرص على التواصل مع أهل غزة عن طريق مؤسسة رشاد الشوا، بل عمل على إعادة العلاقات مع المنظمة بعد خروجها من الأردن.

فتجد مثلاً أن معظم قيادات المنظمة كانوا يعودون بعد تقاعدهم للحياة في الأردن ويحتفظون بجوازات سفرهم الأردنية، ولكنه كان حازماً فيما يتعلق بمنع العمل العسكري ضد إسرائيل من أراضيه. يضاف إلى ذلك استمرار الإدارة الأردنية للمسجد الأقصى، وقد تكفل على حسابه الخاص بترميم قبة الصخرة، وتسديد العجز السنوي لمستشفى القديس يوحنا للعيون في القدس.

في الفترة ما بين عامي 1982 و1985 أصبحت العلاقات بين الأردن والمنظمة في أحسن حالاتها، وكاد الملك ينجح في تقديم مشروع سلام مشترك يدخل الطرفان في المفاوضات بوفد مشترك، ولولا الخلافات بين رجال المنظمة والضغوط السورية والسوفييتية لربما تم تفعيل هذا المشروع، والغريب أن هذا المشروع سُرّب مبكراً، ما أفقده عنصر المناورة، وكان تسريبه عن طريق رئاسة مجلس الوزراء في الأردن، ما قد يُعطي إشارة على أن بعض رجال الحكم في الأردن لم يكونوا على موجة الملك. بل إن مصر مبارك أعلنت أيامها العودة إلى المشروع المصري الفرنسي، وهو من الأسباب التي أسهمت في إخفاق المشروع.

ومن الواضح أن الطرفين لم يكونا يثقان ببعضهما البعض، يقول عدنان إنه قال لسيدنا إنه كان يفضل ألا يقوم الحسين بعرض أزمة علاقاته مع أمريكا أمام عرفات، فردّ الملك قائلاً إنهم سيظنون أنه يخدعهم. يتحدث عدنان في مذكراته عن توافق حدث بين الأردن ومصر وسوريا عام 1986، لإنشاء قيادة بديلة عن عرفات، ولكن لم نعرف ما الذي أنهى تلك الجهود، ربما الانتفاضة الأولى.

من الواضح أن الملك حسين كان يدرك ضعف الأردن، وكان يتقوى بتعظيم دوره الإقليمي، ويفسر ذلك مباحثاته السرية مع قادة صهاينة، ومحاولته الحصول على سلاح من روسيا يوم ماطلت أمريكا في تسليح جيشه. كذلك تراه في علاقاته العربية، فهو أول من أعاد العلاقات مع مصر بعد قطيعة كامب ديفيد. وقد وصل في بعض الأحيان إلى إعلان نوع من الوحدة مع سوريا، ثم فشل الطرفان فأصبح الملك الداعم الأكبر للعراق خلال حربه مع إيران، وبعد أن فشل مشروع برنامجه مع المنظمة في 1985 أعاد القوة للعلاقات مع سوريا، وكان ذلك بالتدريج، توقف نقد سوريا في الإعلام الأردني، ثم وجّه رسالة علنية إلى رئيس وزرائه، تدين إيواء بلاده للإخوان السوريين، ثم زار سوريا لمباحثات مطولة مع الأسد.

كان للملك مباحثات لم تنقطع مع زعماء إسرائيل، نشر موشي دايان مذكراته عام 1980، وأشار فيها إلى أنه التقى الملك حسين، وحدد موعداً في سنة 1977، استدعى رئيس الوزراء في الأردن عدنان، طالباً أن يقوم بصفته وزير الإعلام بنفي الخبر، خاصة أن التلفزيون السوري أذاع برنامجاً عن ذلك بقصد التشهير، ردّ عدنان بأن قادة الصهاينة قد يكذبون إذا نشروا خبراً في جريدة أو تصريحاً، ولكنهم لا ينشرون في كتاب إلا ما يكون صحيحاً، واتّفق الطرفان على سؤال الملك، أفهمهم الملك أنه التقي دايان عدة مرات، وذكر أن عبدالناصر قال له افعل ما تشاء -حتى لو قبلت يد جونسون- من أجل أن تستعيد القدس، بشرط ألا تصل إلى صلح منفرد، ولكن الملك تأكد من مباحثاته مع دايان أن إسرائيل لا تريد مطلقاً العودة إلى حدود 1967 فتوقفت المباحثات.

وهناك إشارات من الملك عن لقاءاته بجولدا مائير، التي قالت له: انسَ الضفة الغربية، لماذا لا تنظر إلى الجنوب”السعودية” وسنساعدك، وذكر أن إسحاق رابين قال له ذات مرة: انسَ الحديث عن الضفة للعشرة أعوام المقبلة، ويشير الملك إلى أن رابين لمّح إلى صلح منفرد مع مصر، فأجاب الملك: هذا حلم وخيال؛ لأن مصر هي قائدة الأمة العربية، ولا يمكن أن تنفرد، لكن رابين ردّ قائلاً: على الرغم من ذلك كله سنخرج مصر وسنتفق معها، ثم يعلق الحسين بأنه لم تمض أشهر حتى تحقق ما قال رابين. وقال الملك في موضع آخر: قابلت بيريز، زعيم حزب العمل، وهو ماكر ومماطل، وفي كل مرة كنت أقابله كان يخرج بشيء جديد وبمشكلة جديدة.

يعلق عدنان على تحركات الملك الحسين فيقول إنه يتحرك تكتيكياً في دوائر، ولا يتحرك مطلقاً في خطوط مستقيمة، دائرته مع المنظمة انتهت، ليبدأ بخط دائرته مع سوريا، لأن ذلك يضمن له صدّ التهديد الأمني المحتمل على الوطن وفق حساباته، وتركه حليفاً وتحالفه مع آخر جديد يتمّان بالسرعة نفسها التي يقوم فيها بعزل رئيس حكومته وتعيين رئيس وزراء جديد، دائماً ينظر إلى الأيام المقبلة مباشرة وينسى ما وراءه.

ولعل هذا ما يفسر موقف الملك حسين خلال الحرب الأمريكية على العراق بسبب احتلال الكويت، وهي فترة لم تغطها يوميات عدنان، يبدو لي أن الملك حافظ على علاقاته القوية مع العراق على حساب علاقاته مع الخليج وأمريكا، على عكس ما كان متوقعاً، فهل كان يتطلع للعب دور الوسيط بين العراق وأمريكا، ظانّاً أن أمريكا ستترك باباً موارباً لمثل هذه الوساطات.

مما يذكره عدنان، أن الملك يوم اختار أحمد عبيدات رئيساً للوزراء ذكر لمستشاريه ما يُبرر اختياره عبيدات من خارج رؤساء الوزارة المعتادين، فيقول إن بعضهم أصبح في تفكيره قديماً لا يستطيع أن يواجه المرحلة، ومنهم مَن تلوّث بالفساد، ومنهم من له صلاته الخارجية، وقال إنه يوم عرض عليه اسم سفير مرشح لعمان قال الملك لا يصلح، نريد سفيراً زوجته قادرة على عقد صلات مع أم السلطان قابوس.

علاقة الملك بجماعة الإخوان المسلمين
أما عن علاقة الملك بجماعة الإخوان فقد كانوا -كما يقول عدنان- قبل كل شيء وبعد كل شيء أحد دعائم الحكم، يروي عدنان أن نائبين من الإخوان طلبا الالتقاء بالملك، وهما السيدان يوسف العظم وعبدالله العكايلة، وكان ذلك أواخر عام 1985، إذ بعد خطاب الملك إلى رئيس وزرائه عن إخوان سوريا، تم إحالة بعض الإخوان من موظفي وزارة التربية إلى التقاعد، وتم وضع قانون للوعظ والإرشاد، رأى فيه الإخوان محاولة لتحجيمهم.

تحدّث يوسف العظم مستعيداً وقوف الجماعة مع العرش عام 1957م، وأكد أن الإخوان سيبقون إلى جانب سيدنا لأنه هو راعي المسلمين! وبادله جلالته هذه العاطفة بعاطفة مماثلة، ثم قال العكايلة إن عبداللطيف عربيات قد أحيل إلى التقاعد، رغم أنه ترك تنظيم الإخوان منذ مدة طويلة، ثم قال إن مناهج التربية جيدة، وتقوم على العقيدة الإسلامية، فلماذا هذه الضجة حول المناهج؟ ردّ الملك: هل تعتقد أن المناهج ليست بحاجة إلى تطوير؟ تراجع العكايلة قائلاً: بلى إنها بحاجة إلى تطوير، فقال الحسين: هذا ما نتوخاه، ثم أثنى الملك على الإخوان، وشرح أسباب رسالته، فقال إن الأسد عاتبه وهما في يوغوسلافيا على إيواء الأردن لعنصر من الإخوان يعمل ضد سوريا، فردّ الملك نافياً وجود هذا الشخص في الأردن، ولكنه بعد ذلك فوجئ بمحمد عبدالرحمن خليفة يطلب مقابلته، ومعه هذا الرجل السوري.

يتابع الملك: ولما كنت لا أكره شيئاً أكثر من الكذب تألمت، وحيث إننا على أبواب مرحلة لرأب الصدع في علاقتنا مع سوريا، فقد رأيت أن أعلن هذه الرسالة، حتى لا تحتل حيزاً في مباحثاتنا مع الأسد. واختتم الملك: لنضع ما حدث كله وراءنا. فردّ يوسف العظم وقال: نوافق، وسنكون معكم كما كنا دائماً.

وبعد مغادرة النائبين قال الملك وهو منفرج الأسارير: “إن الأمور قد صوبت”. وتعليقي أن الملك الحسين كان داهية، استقوى بالإخوان وترك لهم هامشاً واسعاً يتمرنون فيه على خط التماس مثل لاعبي الاحتياط، لكنه حال بينهم وبين ساحة الملعب، وها نحن نرى أنه كسب رضا موفدي الإخوان من غير أن يتراجع عن شيء. علماً أن حافظ الأسد شرح للملك في لقائهما سبب حربه على الإخوان، فقال إن الإخوان قتلوا 155 من خيرة رجال الحكومة، فردَّ عليهم بأن قام بتسليح أفراد حزب البعث وشنَّ عليهم حرباً أنهت وجودهم.

إقرأ أيضاً: بالأسماء: إعفاء قيادات بعثية تدخلت لصالح مرشحين الى مجلس الشعب

عربي بوست