الخميس , أكتوبر 29 2020
بازل 1

كيف أصبحت مدينة بازل السويسرية مهد أبحاث عقاقير الهلوسة؟

كيف أصبحت مدينة بازل السويسرية مهد أبحاث عقاقير الهلوسة؟

عندما نتحدث عن أشهر الرحلات بالدراجات، قد تقفز إلى ذهنك صورة الدراجين المحترفين المشاركين في سباق فرنسا للدراجات. لكن ثمة رحلة أخرى أقصر نسبيا بالدراجة يحتفي بها الناس حول العالم قطعها رجل يرتدي بدلة رسمية في إحدى أمسيات شهر أبريل/نيسان من عام 1943، من عمله إلى منزله عبر شوارع مدينة بازل القديمة. ومهدت هذه الرحلة لظهور إبداعات فنية استلهمها فنانون من تجارب تعاطي عقاقير الهلوسة.

هذا الرجل هو ألبرت هومان، الباحث في علم الصيدلة. وفي هذا اليوم، كان هوفمان، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 37 عاما، قد حصل للتو على جرعة من مادة جديدة عرفت في معمله باسم ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك- 25، وتشتهر الآن باسم “إل إس دي”.

وعلى غرار الملاحظات العلمية، وصف هوفمان رحلته، تحت تأثير المخدر، بدقة بالغة قد تتعارض مع التأثير القوي للعقار على الدماغ. وذكر هوفمان في كتابه “إل إس دي، طفلي المشاغب”: “تدفقت أمامي صور مدهشة متعددة الألوان والأشكال، كانت تتداخل وتتغير وتتخذ أشكالا حلزونية ودائرية تنفتح تارة وتنغلق تارة، وتتحول إلى ينابيع من الألوان، تعيد ترتيب نفسها وتنبثق منها ألوان هجينة دون انقطاع”.

ويضيف: “كانت المدركات السمعية، كصوت مقبض الباب أو السيارة، تتحول إلى مدركات بصرية. فكل صوت كان يولد صورة متغيرة مفعمة بالتفاصيل، لها شكلها ولونها الخاص”.

بلدة ذات طابع خاص

ربما قد يكون من المستغرب أن تكون مدينة سويسرية قديمة هي مهد الإبداعات الفنية المستوحاة من تغير الوعي تحت تأثير عقاقير الهلوسة. فقد ارتبطت سويسرا في الأذهان بالسرية المصرفية ودقة مواعيد القطارات.

وفي فيلم “الرجل الثالث”، ذكر هاري لايم، الذي جسد شخصيته أورسون ويلز، في عام 1949: “السويسريون يشيع بينهم الحب الأخوي، وينعمون بالديمقراطية والسلام منذ 500 عام، فماذا عن المحصلة؟ ساعة الوقواق”.

ورغم أن الطراز المعماري لعصر النهضة والعصور الوسطى يضفي على مدينة بازل المظهر الخارجي للبلدات الأوروبية الرائعة الأخرى، إلا أن هذه المدينة تنفرد بطابع مميز. إذ تأسست المدينة منذ 2000 عام على ضفاف نهر الراين، عند نقطة التقاء سويسرا مع الحدود الفرنسية والألمانية، وساهم النهر في ربط المدينة بسائر المراكز العلمية الأوروبية.

ولهذا تحتضن المدينة أقدم جامعة في سويسرا، تأسست عام 1460، وأقيم بجوارها بعد قرنين أقدم معرض فني عام في العالم يطلق عليه الآن اسم “كانتس ميوزيام”. وراجت في بازل أبحاث ومصانع الكيماويات بعد وصول صباغو الأقمشة الحريرية في عصر الإصلاح.

والآن، أصبح نصيب الفرد من المتاحف في بازل أعلى من نصيب أقرانه في أي مدينة أوروبية أخرى. ويقول جوزيف هلفنشتاين، مدير المتحف: “يمثل التعليم والأبحاث والثقافة جزءا لا يتجزأ من نسيج المجتمع في بازل”.

وتقول إيزيدورا رودلف، رئيسة مكتب السياح في بازل: “إن موقع المدينة على الحدود مع ألمانيا وفرنسا، أكسبها طابعا خاصا منفتحا ومتساهلا. إذ يتميز أهلها بمرونتهم وهدوئهم، وقد تجد الجميع في فصل الصيف، من مديري البنوك إلى الطلاب، يقفزون في نهر الراين ويستمتعون بالحياة”.

أصول “إل سي دي” المعتادة

قد يبدو غريبا أن يكتشف مركب مثل “إل إس دي” بالصدفة، بينما كانت شركة “ساندوز”، التي أصبحت الآن جزءا من شركة “نوفارتيس” للمستحضرات الطبية، تجري أبحاثا على محفزات للجهاز الدوري والتنفسي مشتقة من النباتات.

وكان هوفمان مكلفا بعزل المركبات التي يحتمل أن تكون لها خصائص مثيرة للاهتمام، عن فطر الإرجوت، الذي ينمو على الشعير، وتنقيتها وتصنيعها. وكان الكثير من هذه المركبات يتضمن حمض الليسرجيك، منها المركب الذي اكتشفه هوفمان في عام 1938 وأطلق عليه اسم “إل إس دي- 25”.

لكن عندما أجريت أبحاث عن تأثير هذه المادة على الحيوانات، لم يلاحظ عليها أي من النتائج التي كانت تنشدها شركة “ساندوز”، سوى حالة عجيبة من التململ والقلق. وكتب هوفمان: “لم تثر المادة الجديدة أي اهتمام لدى علماء الأدوية والأطباء، ومن ثم توقفت الأبحاث”.

غير أن الفضول دفع هوفمان بعد خمس سنوات للعودة إلى هذا المركب، بسبب مشاعر ورؤى عجيبة كانت تراوده في سنوات الطفولة وصفها في مقدمة كتابه بالقول: “لا تزال ذكرى تلك السعادة الغامرة التي تملكتني أثناء الطفولة محفورة في ذاكرتي. ففي أحد أيام شهر مايو/أيار، كنت في الغابة بالقرب من بادن بسويسرا، وبينما كنت أتمشى بين أشجارها الخضراء منصتا إلى تغريد الطيور تحت ضوء الشمس، إذا بنور واضح غريب يغشى كل شيء، كان يشع منه ضوء رائع، ينقذ إلى القلب، وكأنه يريد أن يحتويني. وغمرني شعور لا يوصف بالسعادة والتماهي والأمان”.

ويقول هوفمان: “كانت تعتريني هذه الحالة من النشوة أكثر من مرة بينما كنت أتنزه في جنبات الغابة والحدائق، وهذه اللحظات شكلت نظرتي للعالم وتيقنت بوجود واقع قوي وخارق للطبيعة ومجهول، يتوارى عن الأنظار” .

وفي عام 1943، أعاد هوفمان تخليق مركب “إل إس دي-25″، وبرر هذا القرار في محاضرة ألقاها عام 1996، بأنه “مجرد حدس، فقد أعجبتني التركيبة الكيميائية لهذه المادة”. وأثناء تنقية المادة اعتقد هوفمان أنها قد دخلت إلى جسمه دون أن يقصد.

وتوقف هوفمان عن العمل بعد أن اعترته حالة من الارتباك والدوار، وعاد للمنزل تحت تأثير أول جرعة “إل إس دي” في العالم. ويقول “استسلمت لحالة ثمالة غير مزعجة، تزاحمت في مخيلتي صور متعددة مفعمة بالحيوية. ورأيت في حالة تشبه الحلم سيلا لا ينقطع من الصور الرائعة والأشكال الاستثنائية في عرض لافت للألوان الساطعة المتداخلة والمتغيرة”.

وعندما حكى لزملائه في المؤسسة، عجزوا عن تفسير هذه الحالة، ومن ثم قرر هوفمان أن يأخذ عمدا جرعة من “إل إس دي- 25″، بعد ثلاثة أيام، ليرى تأثيرها عليه. لكنه لم يدر أن 250 ملليغرام من هذه المادة كانت جرعة كبيرة.

انتشار “إل إس دي” عالميا

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، روجت شركة “ساندوز” للمركب الجديد للباحثين حول العالم تحت اسم “دليسيد”. وأزيح الستار عن “إل إس دي” بوصفه عقارا سحريا لعلاج القلق والاكتئاب والصدمة النفسية لأكثر من عقدين، وقدرت مطبعة جامعة أكسفورد عدد المنشورات العلمية التي صدرت عن العقار في الفترة بين 1943 و1970، بنحو 10,000 منشور، وبذلك استحق وصف الدواء الأوفر حظا من الأبحاث على الإطلاق.

وفي الخمسينيات من القرن الماضي، مولت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في خضم الحرب الباردة دراسات على “إل إس دي” بوصفه سلاحا للتأثير على الدماغ، وبعدها قررت إيقاف الأبحاث لأن آثار “إل إس دي” لا يمكن التنبؤ بها.

وتلقف مادة هوفمان السحرية المتمردون من المبدعين وأصبحت في صميم الثقافة المضادة في الستينيات، عندما كانت عقاقير الهلوسة مباحة ويسهل الحصول عليها.

وفتح مركب “إل إس دي” آفاقا جديدة للإدراك ألهمت فنانين ومفكرين من رموز الثقافة المضادة، مثل المؤلف ألدوس هاكسلي وعالم النفس تيموثي ليري وفرقة “بيتلز” والمغني جيمي هندركس وبوب ديلان.

وتغلغل تأثير “إل إس دي” إلى الأفلام التليفزيونية مثل فيلم “إيزي رايدر” والتجسيد الكارتوني لأغنية “الغواصة الصفراء” لفرقة “بيتلز”.

لكن سرعان ما وصل “إل إس دي” إلى طريق مسدود، بعد أن أثارت شعبية العقار بين المتمردين والمتهربين من الخدمة العسكرية في حرب فيتنام، ذعرا سياسيا وأخلاقيا دفع كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لحظر استخدام المواد المخدرة للأغراض الترفيهية في أواخر الستينيات من القرن الماضي، وأصدرت الدولتان أيضا قوانين لفرض قيود على الأبحاث المدعومة من الحكومة، مثل قانون المواد الخاضعة للرقابة في الولايات المتحدة في السبعينيات وقانون إساءة استعمال العقاقير المخدرة في بريطانيا عام 1973.

لكن أبحاث المواد المهلوسة التي أجراها علماء متفرقون حول العالم أسهمت في إحياء الشغف والاهتمام بهذه المواد مع بزوغ فجر الألفية الثالثة.

يوم الدراجة

وفي عام 1985 اقترح توماس روبرتس، أستاذ بجامعة إلينوي، أن يحتفل الناس الذين ترك عقار “إل إس دي” أثرا علميا وإبداعيا في حياتهم، بذكرى رحلة ألبرت بالدراجة عام 1943 إلى منزله في شهر أبريل/نيسان.

وتجمع احتفالات يوم الدراجة المعتادة في بازل بين الموسيقى الصاخبة تحت تأثير المهلوسات، والمعارض الفنية والمؤتمرات العلمية لمناقشة أحدث الأبحاث عن مركبات الهلوسة، بالإضافة إلى رحلات بالدراجات مستوحاة من رحلة هوفمان عام 1943.

وتنظم ساندرا لانغ، الباحثة في علم اجتماع العلوم، رحلات بالدراجات في هذا اليوم في مدينة بازل وتثري الرحلة بالمعلومات الكيميائية التاريخية عن العقار.

وتبدأ الرحلة من مجمع “نوفارتيس”، حيث يوجد مبنى المختبر الذي أجرى فيه هوفمان أبحاثا عن “إل إس دي” وتنتهي في الشارع الذي كان يقطن فيه هوفمان.

ورغم أن منزل هوفمان لم يعد له أثر الآن، فإن المدينة قد أطلقت اسمه على الطريق المجاور تكريما له في عام 2006.

تسليط الأضواء على “إل إس دي”

ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين، عادت أبحاث “إل إس دي” إلى الواجهة، وركز الباحثون على فوائده العلاجية التي قد تفوق مزايا قوانين مكافحة المواد المخدرة التي لم تحظ بدراسة كافية. وكان في طليعة هذه الحركة البحثية، الكونتيسة أماندا فيلدينغ، الأرستقراطية الإنجليزية التي تتزعم الآن حركة عالمية لإصلاح سياسة تنظيم تناول العقاقير المخدرة في العالم وتنسق أبحاث مواد الهلوسة.

وفي عام 1996، أقامت فيلدنغ مؤسسة بيكلي في أكسفورد، ومنذ ذلك الحين دشنت أبحاثا عن مواد مهلوسة عديدة، منها سيلوسيبين (الموجود في الفطر السحري) وعقار إم دي إم إي (عقار النشوة).

وبالتعاون مع جامعة إمبريال كوليدج لندن، أجرت المؤسسة أول دراسة عن “إل إس دي” باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي عام 2016. وتقول فيلدنغ، إن الصور الأولى للدماغ أظهرت أن “إل إس دي” يساعد في “إعادة ضبط” الدماغ لتفادي الاضطرابات النفسية.

وخلص بحث آخر في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن “إل إس دي” وغيره من العقاقير المهلوسة قد تسهم في علاج اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب الحاد والصداع العنقودي والخوف من الموت بين المرضى الذين استعصت حالتهم على العلاج.

وكشف بحث أجرته مستشفى جامعة بازل عن قدرة عقار “إل إس دي” على تهدئة مشاعر الذعر المصاحبة لاضطراب ما بعد الصدمة.

لكن صحيفة “ميديكال نيوز توداي” أوجزت في إحدى المقالات عام 2017، مخاطر تناول “إل إس دي” بالقول: “تكمن مخاطر تناول عقار إل إس دي في الآثار غير المتوقعة لتناوله. إذ يختلف تأثير العقار من شخص لآخر. وقد تؤثر أيضا طريقة تفكير المتعاطي والبيئة ومستوى الضغط النفسي والتوقعات والأفكار والحالة المزاجية وقت تناول العقار على الطريقة التي يستجيب بها الجسم للعقار”.

وقد يؤجج “إل إس دي” لدى البعض، خاصة مرضى الذهان والاكتئاب والقلق المرضى، هذه المشاعر بشكل مخيف. وقد مرت على هوفمان لحظات مرعبة تحت تأثير “إل إس دي”، ولا سيما عندما رأى جارته التي طرقت بابه على هيئة ساحرة شريرة.

لكن الكثير من الأبحاث تشير إلى أن الفوائد المحتملة لعقار “إل إس دي”، في حالة تناوله في الأوضاع الصحيحة، قد تفوق مخاطره وأضراره على المدى الطويل. فإن عدد الأشخاص الذين يستمتعون بتناول الخمر بمستويات معقولة يفوق عدد نظرائهم الذين تثير لديهم الخمر العنف والاكتئاب ويدمنون تعاطيها.

وتقول فيلدنغ: “إن عقار إل إس دي هو مركب له تأثير عميق على النفس وغير مفهوم بعد. وفي وقت يخطو الناس فيه نحو عصر تفاقمت فيه الأزمات وارتفعت معدلات الأمراض النفسية بشكل غير مسبوق، وتدهورت الحالة البيئية والاجتماعية والسياسية وزاد الفراغ الروحاني، أصبحنا في أشد الحاجة لتغيير أفكارنا وسلوكياتنا لمواكبة الأوضاع الجديدة”.

بي بي سي