السبت , أكتوبر 31 2020
عملية سرية كادت أن تقلب موازين الحرب العالمية الثانية.. كيف أحبطت المخابرات السوفييتية مخططات هتلر؟

عملية سرية كادت أن تقلب موازين الحرب العالمية الثانية.. كيف أحبطت المخابرات السوفييتية مخططات هتلر؟

عملية سرية كادت أن تقلب موازين الحرب العالمية الثانية.. كيف أحبطت المخابرات السوفييتية مخططات هتلر؟

قوة المخابرات السوفيتية، الحظ وضابط ثمل.. عوامل ساهمت في كشف واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية الألمانية جرأة والتي كانت ستغير نتائج الحرب العالمية الثانية لصالح دول المحور لو كتب لها النجاح.

المكان: العاصمة الإيرانية طهران

الزمان: نوفمبر/تشرين الثاني 1943

اسم العملية: “الوثبة الطويلة”، أو “عملية خوسليش برنغ” كما تسمى بالألمانية

الهدف: قتل أو اختطاف: جوزيف ستالين رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي، ووينستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا، وفرانكلين روزفلت الرئيس الأمريكي

إليكم قصة هذه العملية كاملة كما وردت في مجلة National Interest الأمريكية:

خطوة جسورة كانت لتغير نتائج الحرب العالمية الثانية
كان من المقرر إجراء لقاء سري أطلق عليه اسم “يوريكيا” بين قادة دول الحلفاء الثلاثة (ستالين وتشرشل وروزفلت) في السفارة السوفيتية في العاصمة الإيرانية طهران، لمناقشة الاستراتيجيات التي ستتبعها هذه الدول في حربها على ألمانيا النازية، وذلك في الفترة بين 28 نوفمبر/تشرين الثاني و1 ديسمبر/كانون الأول 1943.

لكن الاستخبارات الألمانية استطاعت تحديد موعد ومكان هذا اللقاء عبر فك رسالة مشفَّرة للبحرية الأمريكية في منتصف أكتوبر/تشرين 1943، ومن هنا لمعت فكرة عملية “الوثبة الطويلة” في رأس أحدهم.

لا تزال شخصية صاحب هذه الفكرة الجسورة مجهولة إلى اليوم، إلا أن الخطة حازت على موافقة هتلر، فاغتيال هؤلاء القادة الثلاثة دفعة واحدة من شأنه ضمان انتصار ألمانيا في الحرب بلا شك.

لكن لماذا تم اختيار طهران مكاناً لعقد هذا الاجتماع الهام؟ ومن هو الضابط المسؤول عن تنفيذ هذه العملية الجسورة؟ وكيف ساهمت قوة الاستخبارات الروسية بإحباط هذه العملية التي كانت ستقلب موازين القوى في الحرب العالمية الثانية؟

لماذا تم اختيار إيران لعقد الاجتماع؟
إبان الحرب، كانت إيران محتلة من قبل قوات سوفييتية وبريطانية ورغم أن إيران أعلنت حيادها في 4 سبتمبر/أيلول 1939، ورغم وجود قوات الحلفاء فيها، إلا أنها واصلت اتباع سياسة متحيزة لألمانيا بوجه مكشوف.

تحيز إيران للنازيين، والأهمية الاستراتيجية للمنطقة في الشرق الأوسط، واستخدام الأراضي الإيرانية من قبل الألمان لإدارة أنشطة التجسس على الاتحاد السوفييتي وزعزعة الاستقرار في مناطق عديدة من الاتحاد، كل تلك الأسباب جعلت السوفييت يهتمون بشكل خاص بتعزيز نشاطاتهم الاستخباراتية في إيران.

وإجمالاً، حافظت قوات الاحتلال على إجراءات أمنية صارمة في طهران، إذ وضعت العديد من نقاط التفتيش وألزمت المشاة والمركبات على الوقوف عندها وتقديم أوراقهم الثبوتية.

كما وُضعت سفاراتا الاتحاد السوفيتي وبريطانيا تحت حراسة مشددة وكانتا مجاورتين لبعضهما البعض داخل حديقة مسوَّرة وسط المدينة؛ وكانت السفارة الأمريكية على بُعد ميلٍ منهما.

وباعتبارها منطقة محايدة، تخضع لضوابط أمنية مشددة، وينشط فيها جهاز الاسختبارات السوفييتي برئاسة إيفان أغيانتس الذي كان على دراية بجميع الجواسيس الألمان في المدينة (وعددهم حوالي 400 جاسوس ألماني)، كل تلك العوامل جعلت من طهران المكان الأنسب لاجتماع قادة دول الحلفاء الثلاث.

أوتو سكورزيني: القائد العسكري الأسطوري في ألمانيا النازية
بعد أن وافق هتلر على تنفيذ مخطط اغتيال ستالين وروزفلت وتشرشل في طهران، كان عليه أن ينتقي ضابطاً استثنائياً لتنفيذ المهمة، وقد وقع اختياره على المقدم أوتو سكورزيني.

كان أوتو سكورزيني العقل المدبر لعمليات الكوماندوز الألمانية الجسورة وغير التقليدية، وقد كانت سمعته كقائد مهيب تسبقه دائماً، كيف لا وهو المسؤول عن “عملية شجرة البلوط” التي تم من خلالها إنقاذ ديكتاتور إيطاليا المخلوع بينيتو موسوليني وإعادته للحكم في سبتمبر/أيلول 1943.

ففي 25 يوليو/تموز 1943، أجبر المجلس الفاشي الأعلى، المرتبك إثر غزو جزيرة صقلية موسوليني على التنحي، وتم إيداعه في السجن.

وفور أن سمع هتلر بالخبر، أصر على اعتقال كل المسؤولين عن خلع موسوليني، بما في ذلك الملك، وإعادة “الدوتشي” موسوليني إلى الحكم بقوة السلاح.

وفي مرحلة التخطيط لإنقاذ موسوليني، عُرضت على هتلر أسماء ستة من رجال العمليات الخاصة الألمان، ليختار منها من يقود هذه العملية المهمة.

ومن بين الأسماء الستة، برز اسم أوتو سكورزيني، واختاره هتلر بنفسه لإنقاذ موسوليني، وبعد نجاحه الباهر في تلك المهمة زادت ثقة هتلر به وعينه لإتمام المهمة التالية “الوثبة الطويلة”.

كيف اكتشف السوفييت خطة هتلر؟
تعتبر الجهود الاستخباراتية نقطة الارتكاز التي اعتمدت عليها دول المحور والحلفاء على حد سواء في الحرب العالمية الثانية، فلولا جهود استخبارات دول المحور، لما كان النازيون ليقدموا على تنفيذ عملية “الوثبة الطويلة”، ولولا الجهود الاستخباراتية لدول الحلفاء -تحديداً السوفييت- لما كانت هذه العملية قد أحبطت.

وإلى جانب قوة الاستخبارات السوفييتية لعب الحظ دوره كذلك لإنقاذ حياة رؤساء دول الحلفاء. فقد دس السوفييت عدداً من الجواسيس في غابة ريفن في أوكرانيا، المحتلة آنذاك من ألمانيا، وكان من بينهم ضابط الاستخبارات السوفيتية الأسطوري نيكولاي كوزنيتسوف، الذي كان يتحدث الألمانية ببراعة شديدة.

تنكر كوزنيتسوف في صورة ملازم أول في قوات الفيرماخت اسمه بول سيبيرت، واخترق صفوف القوات الألمانية وصادق الضابط فون أورتيل، الذي صادف أنه مطلع للغاية على مخطط عملية “الوثبة الطويلة”.

استمر كوزنيتسوف في صب الشراب واستمر أورتيل الثمِل في الحديث، وأخبر كوزنيتسوف أنه سيغادر قريباً متجهاً إلى اجتماع القادة الثلاثة في طهران، وقال: “سنمحو ستالين وتشرشل من على وجه الأرض ونحول مسار الحرب! سنختطف روزفلت لنساعد الفوهرر في الوصول إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سنسافر في مجموعات متعددة؛ ويجري تدريب المشاركين بالفعل في مدرسة مخصوصة في كوبنهاغن”.

ولم يكتف الضابط الثمل بكشف كامل مخطط العملية للجاسوس السوفييتي، بل وعده أيضاً بأنه سيعرفه بشكل شخصي على سكورزيني، العقل المدبر للعملية.

وفي هذا الصدد، قال ضابط الاستخبارات السوفيتية السابق فاديم كيربيتشينكو: “أول تقرير سري ورد عن وجود هذه الخطة تم رفعه من ضابط الاستخبارات السوفيتية السابق نيكولاي كوزنيتسوف، وقد عرف بالخطة من خلال محادثة مع قائد وحدة الاعتداء أولريش فون أورتيل أحد قيادات مجموعة الهجوم التي كانت تعد للعملية في كوبنهاغن. كان ضابط الاستخبارات الكبير ثِملاً حين أفضى إلى نيكولاي بوجود تحضيرات لاغتيال القادة الثلاثة. وبعد ذلك اكتشفت بريطانيا والاتحاد السوفييتي حقائق أخرى تؤكد وجود تحضيرات لاغتيال ستالين وتشرشل وروزفلت”.

بمعنى آخر، فقد ساهمت قوة الاستخبارات السوفييتية مع القليل من الحظ بالكشف عن المخطط النازي لاغتيال قادة دول الحلفاء، فماذا ستكون الخطوة التالية؟

السوفييت يحبطون محاولة الاغتيال
بعد الكشف عن الخطة تم تنبيه جميع الوحدات السوفييتية الموجودة في طهران للاستعداد لأي حالة أمنية طارئة.

في هذه الأثناء، كانت المجموعة الألمانية الأولى التي ستنفذ المهمة قد هبطت بالمظلات في مدينة قم الإيرانية، وهي عبارة عن 6 أشخاص مهمتهم تشغيل أجهزة اللاسلكي.

يسترجع ضابط الاستخبارات السوفييتي جيفورك فارتانيان، الذي كان موجوداً آنذاك ذكرياته عن تلك اللحظات قائلاً: “مجموعتنا كانت أول من حدد موقع المجموعة النازية الأولى الهابطة (مشغلي اللاسلكي الستة) بالقرب من مدينة قُم، على بُعد 60 كيلومتراً من طهران. تتبعناها إلى طهران، حيث كانت غرفة العمليات الميدانية النازية قد جهزت لها فيلا لتقيم فيها. كان رجال المجموعة مسافرين بالجمال وفي جعبتهم كمية ضخمة من الأسلحة”.

ولفت فارتانيان إلى أنه مع اقتراب الرجال الستة من طهران، ظهرت شاحنة معدة مسبقاً ومجهزة بكم كبير من المعدات؛ أجهزة اللاسلكي والأسلحة والمتفجرات.

وانتقلوا إلى “منزل آمن” في طهران، ووضعوا معدات الاتصالات الخاصة بهم، وبدلوا ثيابهم وارتدوا ملابس مدنية وتنكروا بصبغ شعورهم. ولكن الأمور ما لبثت أن تداعت.

وفي هذا الصدد قال فارتانيان: “كنا نتابع المجموعة، وانتهينا إلى أنهم تواصلوا مع برلين عبر اللاسلكي وسجلنا اتصالاتهم. وحين فككنا شفرة الرسائل اللاسلكية تلك، عرفنا أن الألمان كانوا يعدون لإنزال مجموعة أخرى من المخربين لتنفيذ عمل إرهابي؛ ألا وهو اغتيال أو اختطاف قادة الدول الثلاث الكبرى. كان من المفترض أن يقود سكورزيني بنفسه المجموعة الثانية، وكان قد زار طهران بالفعل لدراسة الموقف عن كثب. ومنذ ذلك الحين تابعنا كل تحركاته”.

وبمجرد وصول روزفلت وفريقه إلى طهران، تواصل الجنرال ديمتري أركاديف مع كبير مسؤولي أمن روزفلت مايك ريلي، وأخبره بالمخطط.

وبعد ذلك اطلع السفير الأمريكي لدى الاتحاد السوفيتي أفريل هاريمان الرئيس على تفاصيل المخطط التي لم تكن واضحة تماماً بعد.

واتفق الجميع على أن المضي قدماً في خطوات عقد الاجتماع أمرٌ ينطوي على مخاطرة كبيرة، ولكن الضرورة تحتمه.

ولتقليل الخطر على روزفلت، الذي كان من المقرر أن ينتقل بالسيارة مسافة الميل التي تفصل السفارة الأمريكية عن السفارة السوفيتية حيث ستعقد الاجتماعات، تقرر السماح له ولفريقه بالإقامة في جناح الضيوف بالسفارة السوفيتية، حيث كان المضيفون قد وضعوا بالفعل أجهزة تنصت خفية للاستماع لكل كلمة يقولها الرئيس وفريقه.

وقال فارتانيان: “اعتقلنا كافة أفراد الفريق الأول وأجبرناهم على الاتصال باستخبارات العدو تحت إشرافنا.

كان من المغري بالنسبة لنا أن نحتجز سكورزيني نفسه، غير أن قادة الدول الثلاثة كانوا قد وصلوا بالفعل إلى طهران، ولم يكن بوسعنا أن نجازف بالانتظار.

تعمدنا منح مشغل لاسلكي فرصة للإبلاغ عن فشل المهمة، وبالتالي قرر الألمان عدم إرسال المجموعة الرئيسية بقيادة سكورزيني إلى طهران.

وبهذه الطريقة، نجحت مجموعتنا في تحديد موقع المجموعة النازية وما تلا ذلك من خطوات إحباطاً لمحاولة اغتيال القادة الثلاثة.

لكن ماذا حل بقائد العملية أوتو سكورزيني؟
لم يخصم فشل عملية الوثبة الطويلة من رصيد سكورزيني في عيون أمراء الحرب النازيين، ولم يكن كذلك نهاية لعمليات الكوماندوز السرية.

فقد تابع سكورزيني عملياته التي كان أبرزها، مهمة اختطاف السياسي اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو، وعملية اختطاف ميكلوش هورتي الابن، وهو الابن الأصغر لضابط البحرية ميكلوش هورتي، الوصي على عرش المملكة المجرية.

وبحلول نهاية الحرب، كان سكورزيني منخرطاً في حركة المستذئبين الألمانية للمقاومة (Werwölfe). واستسلم للأمريكيين في 16 من مايو/أيار 1945، بالقرب من سالزبورغ بالنمسا.

وبعد الحرب، استطاع سكورزيني الفرار من مجمع احتجاز عام 1948، وغير هويته وتنقل بحرية نسبية في أنحاء أوروبا، لينتهي به المطاف في إسبانيا، حيث ألف كتاباً عن مآثره، و مات بسرطان الرئة عام 1975.

قصة خيالية ابتكرها ستالين
لكن، من الجدير بالذكر أنه إلى يومنا هذا لا تزال روايات مختلفة تظهر وتزعم أنه لم يكن هناك أبداً مخطط نازي لاختطاف القادة الثلاثة في طهران.

بل يحاجج بعض المؤرخين بأن “المخطط” كان قصة خيالية اختلقها ستالين نفسه ليفرض على روزفلت الإقامة في جناح الضيوف الملغم بأجهزة التنصت في السفارة السوفيتية.

ويقسم آخرون كانوا ضباطاً برتب عالية آنذاك في الاستخبارات السوفيتية على أن المخطط حقيقي وألفوا كتباً عن الموضوع.

ما هي الحقيقة إذاً؟ مع الأسف ستبقى حقيقة هذه القصة غائبة إلى الأبد، كما هو الحال في العديد من جوانب الاتحاد السوفييتي السابق المليء بالمتاهات.

إقرأ أيضاً: السورية مريام سلوم حداد ضمن قائمة النساء الأكثر تأثيراً في العالم

عربي بوست