السبت , سبتمبر 26 2020
سؤال المليون.. من هو مالك شحنة نترات الأمونيوم الغامض التي انفجرت في مرفأ بيروت؟

سؤال المليون.. من هو مالك شحنة نترات الأمونيوم الغامض التي انفجرت في مرفأ بيروت؟

في القصة الغامضة الخاصة بكيفية انتهاء المطاف بشحنة من نترات الأمونيوم شديدة الانفجار في مرفأ بيروت، شيء واحد فقط هو الواضح، ألا وهو أن لا أحد تقدم قط وأعلن ملكيته لها.

وثمة كثير من الأسئلة المفتوحة حول الانفجار الهائل الفتاك، الذي عصف بالعاصمة اللبنانية الأسبوع الماضي، غير أنه يُفترض أن تكون قضية الملكية من بين أسهلها.

والتحديد الدقيق لهوية المالك، لا سيما لشحنة بمثل خطورة تلك التي حملتها السفينة ”روسوس“، التي ترفع علم مولدوفا، إلى بيروت قبل نحو 7 أعوام، أمر جوهري في حركة الشحن البحري، كما أنه العنصر الأهم للتأمين على الشحنات وتسوية النزاعات التي كثيرا ما تنشب.

غير أن مقابلات وعمليات بحث عن وثائق أجرتها ”رويترز“ في 10 دول، سعيا لمعرفة المالك الأصلي للشحنة، التي كانت تزن 2750 طنا، كشفت بدلا من ذلك عن قصة معقدة تشمل وثائق مفقودة وأنشطة سرية وشبكة شركات صغيرة مغمورة تنتشر في أرجاء العالم.

وقال السياسي المعارض غسان حاصباني، الذي كان نائبا سابقا لرئيس الوزراء اللبناني: ”بضاعة كانت منقولة من بلد إلى بلد آخر، وانتهى بها الأمر في بلد ثالث دون مالك للبضاعة، لماذا انتهى بها المطاف هنا؟“.

ونفى كل من كانت لهم صلة بالشحنة الذين أجرت معهم ”رويترز“ مقابلات معرفتهم بالمالك الأصلي للشحنة أو امتنعوا عن الرد على السؤال، ومن بين الذين قالوا إنهم لا يعرفون المالك قبطان السفينة، وشركة صناعة الأسمدة الجورجية التي أنتجت الشحنة والشركة الأفريقية التي طلبت شراءها لكنها قالت إنها لم تدفع ثمن الشحنة.

والرواية الرسمية لرحلة السفينة ”روسوس“ الأخيرة تتحدث عنها بوصفها سلسلة من الأحداث المشؤومة.

وتظهر السجلات الملاحية أن السفينة جرى تحميلها بنترات الأمونيوم في جورجيا في شهر سبتمبر/أيلول من عام 2013 وكان من المستهدف تسليمها إلى شركة لصناعة المتفجرات في موزامبيق، غير أن قبطان السفينة واثنين من أفراد الطاقم يقولون إن تعليمات صدرت إليهم قبل أن تغادر السفينة البحر المتوسط من رجل الأعمال الروسي إيجور جريشوشكين، الذي كانوا يعتبرونه المالك الفعلي للسفينة، بالتوقف على غير ما كان مقررا في بيروت وتحميل شحنة إضافية.

وصلت ”روسوس“ إلى بيروت في شهر نوفمبر/تشرين الثاني، لكنها لم تغادر قط، حيث علقت في نزاع قانوني بشأن رسوم غير مدفوعة للميناء وعيوب في السفينة.

وتقول روايات رسمية إن دائنين اتهموا المالك القانوني للسفينة، المسجل كشركة مقرها بنما، بالتخلي عن السفينة، وتم تفريغ الشحنة لاحقا ووضعها في مستودع على رصيف الميناء.

ولم ترد شركة ”بارودي وشركاه“ للمحاماة في بيروت، التي كانت تمثل الدائنين، على طلبات لتحديد هوية المالك الأصلي القانوني للشحنة، وتعذر الاتصال برجل الأعمال الروسي جريشوشكين.

وقالت سلطات الجمارك اللبنانية إن السفينة الفارغة غرقت في نهاية الأمر حيث كانت راسية في عام 2018.

وخضعت التحركات الأخيرة للسفينة ”روسوس“ للتدقيق مجددا بعدما اشتعلت النار في نترات الأمونيوم في المستودع وانفجرت الأسبوع الماضي، في حادث تسبب في مقتل 171 شخصا على الأقل وإصابة الآلاف وتشريد 250 ألفا.

ومن بين الأسئلة التي ما زالت تنتظر إجابة: من الذي دفع ثمن نترات الأمونيوم؟ وهل حاول في أي وقت استرداد الشحنة عندما احتُجزت السفينة ”روسوس“؟ وإذا كان لم يحاول، فلماذا؟

وقال مصدر في القطاع إن قيمة الشحنة، التي كانت معبأة في أجولة بيضاء كبيرة، كانت تبلغ حوالي 700 ألف دولار بأسعار عام 2013.

غير مؤمن عليها

وهناك العديد من المخالفات، فبموجب الاتفاقيات البحرية الدولية وبعض القوانين المحلية، يجب أن تمتلك السفن التجارية تأمينا لتغطية حوادث مثل الأضرار البيئية وفقد الأرواح أو الإصابات الناجمة عن الغرق أو التسرب أو التصادم، ورغم ذلك فقد ذكر مصدران مطلعان أنه لم يكن هناك تأمين على ”روسوس“.

وقال قبطان السفينة الروسي بوريس بروكوشيف عبر الهاتف من منزله في سوتشي في روسيا، إنه رأى وثيقة تأمين، لكنه لا يستطيع تأكيد صحتها، ولم يتسن الحصول على نسخة من وثائق السفينة.

وقال أنطونيو كونيا فاز، المتحدث باسم الشركة الموزامبيقية التي طلبت شراء شحنة نترات الأمونيوم، فابريكا دي اسبوزيفوس موسامبيكي (شركة موزامبيق لصناعة المتفجرات) (إف.إي.إم)، إن الشركة لم تكن المالك للشحنة في ذلك الوقت لأنها اتفقت على الدفع عند التسليم.

وكانت الشركة المنتجة هي ”روستافي أزوت“ الجورجية لصناعة الأسمدة، التي تمت تصفيتها بعد ذلك، وقال مالكها في ذلك الحين، رجل الأعمال رومان بيبيا، إنه فقد السيطرة على مصنع روستافي لنترات الأمونيوم في عام 2016. وتظهر وثائق قضائية في المملكة المتحدة أن أحد الدائنين أجبر الشركة على بيع أصولها في مزاد في ذلك العام.

وتدير شركة أخرى المصنع حاليا، هي جيه.إس.سي روستافي أزوت التي قالت أيضا إنه لا يمكنها الكشف عن مالك الشحنة بحسب ما ذكر ليفان بورديلادزي النائب الأول لمدير المصنع حاليا.

وقالت شركة فابريكا دي اسبوزيفوس موسامبيكي (شركة موزامبيق لصناعة المتفجرات) (إف.إي.إم) إنها طلبت الشحنة عبر الشركة التجارية، سافارو ليمتد، التي لها شركتان مسجلتان في لندن وأوكرانيا لكن موقعها الإلكتروني لا يعمل حاليا.

وأظهرت زيارة لعنوان شركة سافارو ليمتد المدرج في لندن يوم أمس الاثنين منزلا بشرفات، مبنيا على الطراز الفيكتوري وبابه موصد ومحصن، على مقربة من حانات عصرية في شورديتش، ولم يستجب أحد للطرق على الباب.

وتواصلت ”رويترز“ مع جريتا بايلين مديرة شركة سافارو ليمتد المسجلة في بريطانيا وهي ليتوانية تعمل في قبرص، ورفضت بايلين الإجابة عن أسئلة الوكالة.

وقال مصدر على دراية بالأعمال الداخلية للأعمال التجارية لشركة سافارو، إنها تبيع أسمدة من دول الاتحاد السوفيتي السابق لعملاء في أفريقيا.

وتوضح قاعدة بيانات الشركات الأوكرانية (يو كنترول) أن رجل الأعمال فلاديمير فيربونول مسجل كمدير لسافارو في أوكرانيا، وهي مقر اقامته، ولم يتسن التواصل معه للتعليق.

ومع تحول الحزن والغضب بسبب الانفجار إلى اضطرابات مدنية في بيروت بدت مؤشرات على أن تحقيق الحكومة اللبنانية الموعود بدأ يعود للتركيز مرة أخرى على السفينة ”روسوس“ وجريشوشكين، الرجل الذي اعتبره طاقم السفينة مالكها.

وقال مصدر أمني إن الشرطة القبرصية استجوبت جريشوشكين في منزله بقبرص يوم الخميس الماضي في ما يتصل بالشحنة. وقال متحدث باسم الشرطة القبرصية إنه تم استجواب شخص لم يُكشف عن اسمه بناء على طلب من الشرطة الدولية في بيروت.

وقال القبطان بروكوشيف إن السفينة ”روسوس“ وصلت إلى بيروت في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2013 وبها تسريب وحالتها العامة متهالكة، فقد كانت تعاني بالفعل من مشاكل.

وفي شهر يوليو/تموز من عام 2013، أي قبل 4 أشهر من رسوها في بيروت، احتجزت سلطات ميناء إشبيلية في إسبانيا السفينة لمدة 13 يوما بعد اكتشاف العديد من أوجه القصور، التي كان بينها تعطل أبواب وتآكل في منطقة السطح وقصور في المحركات المساعدة بحسب ما ورد في بيانات الشحن.

وأظهرت البيانات أن السفينة استأنفت الإبحار بعد أن أصدرت شركة التفتيش ”ماريتايم لويد“ لها (شهادة سلامة إنشاءات سفينة شحن)، وهي شهادة يفترض أن تتضمن مسحا للسفينة.

وشركة ”ماريتايم لويد“ مقرها جورجيا وهي غير مصنفة بين أبرز شركات التفتيش وأكثرها استخداما.

وقال تيموراز كافتارادزه، المفتش في ”ماريتايم لويد“، إنه لا يمكنه أن يؤكد ما إذا كانت الشركة قدمت أم لا وثائق خاصة بالتفتيش للمسؤولين في ميناء اشبيلية، موضحا أنه كان يعمل بالشركة عام 2013، لكن آخرين من طاقم العاملين والإدارة جرى تغييرهم منذ ذلك الحين.

ولم يتسن على الفور الوصول لمسؤولي ميناء إشبيلية للتعليق، وفي رسالة بالبريد الإلكتروني أكدت مجموعة مذكرة باريس للتفاهم حول رقابة دولة الميناء التي تضم 27 دولة بحرية وجرى احتجاز السفينة ”روسوس“ بموجب سلطتها، أن السفينة احتُجزت وجرى تفتيشها في إشبيلية.

وتسجل مولدوفا، المسجلة بها السفينة، أنها مملوكة لـ“بريروود كورب“ ومقرها بنما، طبقا لشهادة ملكية السفينة، ولم يتسن التأكد من أن بريروود كورب شركة مسجلة في بنما، ولم ترد السلطات المسؤولة عن البحرية في بنما فورا على طلبات بالتعليق.
وتفيد السجلات الدولية أن مستأجر السفينة كان شركة ”تيتو شيبنج ليمتد“ ومقرها جزر مارشال وجرى حلها في عام 2014 وفقا لقاعدة بيانات السجل العالمي التي تقول إنها تقدم خدمات تسجيل الشحن البحري لجزر مارشال.

وقال إيجور زهاريا، مدير وكالة مولدوفا البحرية، إن جريشوشكين كان مدير شركة ”تيتو شيبنج“.

وبعث قبطان ”روسوس“ بعنوان البريد الإلكتروني الذي كان وأفراد الطاقم يستخدمونه لشركة ”تيتو شيبنج“، لكن طلبات التعليق التي أُرسلت لذات العنوان الإلكتروني لم تتلق أي إجابة، وأوضح القبطان أنه يعتبر جريشوشكين وتيتو كيانا واحدا.

إقرأ أيضاَ: بعد تحقق توقعاته السابقة .. ميشيل حايك يثير رعب اللبنانيين ويتوقع حدوث أمر ضخم قريباً

ارم