الجمعة , أكتوبر 23 2020
بيروت 8

انفجار بيروت.. إبحثوا عن لغز إيغور غريتشوشكين

وسام متى

كثيرةٌ هي الألغاز التي تحوم حول كارثة مرفأ بيروت، التي تبدو خيوطها المتشابكة عصية على الحل، والأسئلة التي تثار حولها منذ اللحظة الأولى، قد لا تجد إجابات قريبة، وربما تضيع في دهاليز مافيات المال والتسويات السياسية، الداخلية والخارجية.

من بين الألغاز يبرز اسم ايغور غريتشوشكين، مالك سفينة “روزوس” خلال رحلتها الأخيرة الى مرفأ بيروت، لتنهي سنوات خدمتها الست والعشرين.

قد لا يكون غريتشوشكين اللغز الأخطر في القضية، ولكنّ افادته، التي يفترض أن أدلى بها بعد يومين من الكارثة، قد تمثل طرف خيط للإجابة على أسئلة متشعبة، من المؤكد أن كثيرين ستكون لهم مصلحة أساسية في أن تغرق مع سفينة شحنة الموت.

بعد وقت قصير على الانفجار، برز اسم غريتشوشكين. أول من تداول اسمه في الإعلام كان قبطان السفينة “روزوس” الذي أدلى منذ ذلك الحين بروايات – بعضها ينطوي على تناقضات – في العديد من وسائل الإعلام.

قد يكون غريتشوشكين شعر بالهزة الأرضية التي خلّفها انفجار بيروت، شأن الكثير من سكان قبرص، فالرجل المقيم في ليماسول منذ سنوات عدة، اختار الجزيرة المتوسطية مكاناً لإقامته ونشاطه التجاري، الذي تحوم حوله الكثير من الشبهات.

في السادس من آب/أغسطس، ذكرت وسائل الإعلام أن الشرطة القبرصية استجوبته في منزله، بموجب طلب رسمي من “الأنتربول”.

وقال المتحدث باسم الشرطة القبرصية كريستوس أندرو إنه تم استجواب رجل – لم يذكر اسمه – في منزله في قبرص. ولفت الإنتباه إلى أن “الانتربول” في بيروت تلقى طلباً (من المؤسسات اللبنانية) “لتحديد مكان هذا الشخص وطرح بعض الأسئلة المتعلقة بالشحنة”، مؤكداً أن الرجل كان متجاوباً مع التحقيق، وأن الردود أحيلت إلى بيروت لكنه رفض تقديم المزيد من المعلومات.

من هو إيغور غريتشوشكين؟

بحسب المعلومات المتوافرة، ومنها ما كان وارداً عبر صفحته على موقع “لينكد إن” (قبل إغلاقها)، يتحدر غريتشوشكين من قرية فانينو في اقليم خاباروفسك في اقصى الشرق الروسي، حيث وُلد في العام 1977، وانخرط منذ تسعينيات القرن العشرين في مجال الشحن البحري.

خاباروفسك نفسها كانت قد احتلت خلال الفترة الماضية صدارة الأخبار الواردة من روسيا، حين شهدت تظاهرات احتفى بها الإعلام الغربي، وذلك على خلفية قيام جهاز الامن الفدرالي الروسي (أف أس بي) بإلقاء القبض على حاكمها سيرغي فورغال، المتهم بقضايا قتل لرجال أعمال، وضعها البعض في خانة التصفيات بين النخبة المافياوية في الشرق الروسي.

تشي سيرة غريتشوشكين الذاتية أنه درس في أكاديمية الشرق الأقصى للخدمة المدنية (“معهد الشرق الأقصى للإدارة” حالياً) في خاباروفسك، وانه حصل في النصف الثاني من التسعينيات على وظيفة في مكتب تمثيلي محلي لشركة “دارتمونت ليميتد للشحن البحري”، والتي كانت مملوكة لرجل الأعمال الروسي فيكتور دانيلوف، المتحدر أيضاً من فانينو، علماً بأنّ المكتب التمثيلي مسجّل في روسيا تحت خانة “ممتلكات تابعة لكيانات قانونية أجنبية”، أي أن الشركة مسجلة في الخارج (قبرص).

وفي فانينو، لا يزال لدى غريتشوشكين أقارب يديرون شركة والده بشكل دوري، علماً بأن تلك الشركة تعمل في مجال المسح لصالح الإدارة المحلية.

من غير الواضح متى انتقل غريتشوشكين للإقامة في قبرص، فبعض التقارير تشير إلى أن ذلك كان في مطلع العام 2000، وهي الفترة ذاتها التي تزوّج فيها من امرأة تدعى ايرينا، وأنجب منها ولداً يبلغ من العمر 20 عاماً، ويتابع حالياً دراساته الجامعية في علوم الكومبيوتر في اسكتلندا، في حين تشير تقارير أخرى إلى أنّه لم يستقر في الجزيرة إلا في العام 2012 أو العام 2013، وهي رواية قد تكون منطقية، أخذاً في الحسبان أن الشرطة القبرصية أكدت عدم حصوله على الجنسية القبرصية، التي يتطلب الحصول عليها الاقامة في الجزيرة سبع سنوات (365 يوماً اقامة دائمة لكل سنة)، إلا إذا كان ثمة سبب قانوني آخر قد حال دون ذلك، أم انه اختار الإبقاء على جنسيته الروسية، للتلاعب القضائي، وهو ما يمكن الاستدلال عليه في شهادة قبطان السفينة بوريس بروكوشيف الذي قال إن الجهات القضائية في خاباروفسك رفضت دعوى تقدّم بها لتحصيل حقوقه المادية من غريتشوشكين، لأسباب متعلقة بالاختصاص المكاني.

ومن المعروف أن السلطات القبرصية لا تسلم المشتبه بهم على الفور إلى “الإنتربول”، اذ لا بد من مثولهم أولاً أمام محكمة محلية. وبافتراض أن لدى غريتشوشكين محامٍ موهوب إلى حد ما، فمن الجائز أن يكون قد أسدى اليه نصيحة الاستقرار في الجزيرة، طالما أن ثمة نقاطاً سوداء في سيرته الذاتية.

بافتراض أن لدى غريتشوشكين محامٍ موهوب إلى حد ما، فمن الجائز أن يكون قد أسدى اليه نصيحة الاستقرار في قبرص، طالما أن ثمة نقاطاً سوداء في سيرته الذاتية

سجل أسود

تشير بعض المعلومات إلى أن غريتشوشكين أدين بقضية سرقة، لم تتضح طبيعتها أو حجمها، ولكنّ الثابت أن الرجل لديه سجل أسود، بحسب ما يتضح في بعض ما كُتب عنه في منتديات خاصة بالبحارة قبل سنوات.

يمكن على سبيل المثال رصد بعض هذه التدوينات عبر منتدى Odessacrewing:

– في 18 أيلول/سبتمبر 2012، كتب “رومان أر” (اسم مستعار): “تحذير بخصوص السفينة روزوس IMO 8630344… لا يتم دفع الرواتب أو يتم تسديد دفعات غير كاملة بشكل متأخر”.

– في 15 كانون الأول/ديسمبر 2012، كتب “ريفسوم” (اسم مستعار): “الرواتب شحيحة. البحارة يحصلون على 700 دولار. كبير المهندسين 3400. كبير البحارة 2500 . القبطان 3500. لا يوجد حمّام في حجرة القبطان… لا يوجد هاتف… السفينة لا تحتوي على ثلاجة لتخزين الخضار. مالك السفينة، غريتشوشكين، مواطن روسي، مكتبه في قبرص، والشركة مسجلة في جزر مارشال. يحتجز المال باستمرار ولا يستثمر في أي شيء في السفينة، في ما عدا ما يمكن ملاحظته من جانب إدارة الميناء. السفينة بشكل عام مليئة بكل شيء. غلافها محترق وكل شيء فيها أحمر كما في الفرن. هناك قليل من المال مخصص للطعام. (المالك) يشكو باستمرار من ان البحارة يأكلون كثيراً. صاحب هذه السفينة عديم الضمير والحياء”.

– في 6 شباط/فبراير 2015، أي بعد احتجاز السفينة في مرفأ بيروت، كتب “بوريس” (هو على الأرجح قبطان السفينة): “تيتو للشحن، مالكها ايغور غريتشوشكين، المقيم في قبرص. في شباط/فبراير 2013 ، حصل على مليون دولار لشحن نترات الأمونيوم من باتومي إلى الموزمبيق، وبعد شهر زُعم أنه لم يعد لديه المال لدفع رسم المرور عبر قناة السويس. باختصار، ألقى السفينة مع الحمولة والطاقم في مرفأ بيروت اللبناني، حيث تم احتجاز جزء من طاقمها – أربعة أشخاص – كرهائن دون أجر لمدة 11 شهراً، وفقط من خلال القضاء، ومن دون أن يملكوا فلساً واحداً، تمكنوا من العودة إلى منازلهم. لذلك يجب وضع هذه الشركة على القائمة الحمراء”.

علاوة على ما سبق، يستدل على الأنشطة المشبوهة لغريتشوشكين من تعدد الشركات التي قام بتأسيسها، والتي غالباً ما كان يتم شطبها بعد فترة ما.

في ملفه الشخصي على موقع “لينكد إن”، ثمة ما يفيد بأنه عمل مؤخراً كمدير لشركة “يونيمار سيرفس ليميتد”. بمراجعة ملفات الشركات القبرصية، يتبين وجود شركة تحمل اسم “يونيمار سايفتي سيرفيسز أند اكويبمنت ليميتد” تأسست في ليماسول في 31 كانون الثاني/يناير عام 2001، وتم شطبها في العام 2016، فيما لم يرد اسم غريتشوشكين في آخر تحديث رسمي لسجلاتها في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2002 (ثمة شركة باسم مشابه مسجلة في رومانيا تردد في وسائل اعلام رسمية أنها مملوكة من غريتشوشكين ولم يتسنَّ الحصول على معلومات عنها من السجلات المتاحة في ما عدا أن احد مالكيها روسي الجنسية).

كذلك كان غريتشوشكين مديراً لشركتين قبرصيتين تمت تصفيتهما هما “لينكوت انتربرايز ليمتد” (تم شطبها عام 2016) و”هوغلا ترايدنغ ليميتد” (تم شطبها عام 2018).

في العام 2012، قام غريتشوشكين بتسجيل شركة باسم “تيتو شيبينغ” في جزر مارشال، سرعان ما تم شطبها في العام 2014، بعد عام على اعلانه إفلاسه.

في تلك الفترة، اشترى غريتشوشكين السفينة “روزوس” من رجل الأعمال القبرصي كارالامبوس مانوليس، صاحب شركة “انترفليت شيبماندجمنت” المسجلة في ليماسول، والتي كانت الشركة المالكة للسفينة منذ العام 2008.

موقع “ألفانيوز.لايف” القبرصي نقل عن مانوليس قوله إن نترات الأمونيوم تم تحميلها على متن سفينة إما في جورجيا أو في أوكرانيا لشحنها إلى الموزمبيق بناءً على طلب حكومة ذلك البلد.

بينما كانت السفينة في طريقها، توجهت شركة نقل معيّنة إلى غريتشوشكين وطلبت الحصول على معدات زراعية من لبنان في الطريق وتسليمها إلى قبرص. قبل غريتشوشكين بهذا العرض، وتلقى دفعة مقدمة، لكن في بيروت، كما بات معروفاً، اتضح أنه كان من المستحيل تحميل المعدات على السفينة لأسباب فنية، وقد قام موظفو مرفأ بيروت بتفتيش السفينة والبضائع ورفضوا الإفراج عنها بسبب مشاكل في الوثائق والحالة العامة للسفينة وكذلك بسبب رفض دفع رسوم رسوها.

هكذا أدرك غريتشوشكين، والكلام هنا لمانوليس، أنه يواجه مشاكل مع السلطات اللبنانية ومع شركة النقل التي كانت تنتظر شحنتها، فاعلن غريتشوشكين إفلاسه وألقى بالعبء على الطاقم الذي كان يتألف من ثمانية مواطنين من أوكرانيا واثنين من الروس.

قال مانوليس إنه عرف كل ذلك بحكم الجوار بين مكتبه ومكتب غريتشوشكين في ليماسول، لكنه أشار الى أن المرة الأخيرة التي رأى فيها رجل الأعمال الروسي كانت منذ حوالي العامين ونصف العام.

“صندوق بريد”

اختيار مولدوفا لتحمل السفينة رايتها لم يأتِ عبثاً، وكذلك الحال مع اختيار مكان تسجيل الشركة (جزر مارشال). في الغالب، الأسباب مالية، سواء تعلقت بالجانب الضريبي (مكان التسجيل) أو الفني (حالة السفينة). ففي الحالة المولدوفية، تكون المعايير أقل صرامة مقارنة بدول أخرى، وهو ما ينطبق على مسألة التأمين على السفينة.

في وقت لاحق، أن ملكية السفينة انتقلت الى شركة اخرى، هي “برايروود كورب” (بنما)، وفق ما نقل موقع “ماريانا فارايتيز” عن نائب ادارة تسجيل الشركات في “تراست كومباني” في جزر مارشال جيمس ميازو، مع العلم بأنّ ثمة مصادر أخرى تشير إلى أن “روزوس” كانت مملوكة بالأصل لشركة ” برايروود كورب”، قبل انتقالها إلى المالك القبرصي ومن بعده المالك الروسي.

بذلك تحولت شركة غريتشوشكين الى مجرد صندوق بريد لعملية تجارية مشبوهة.

لذلك، يرى ميخائيل فويتنكو، الصحافي المعروف في مجال الشؤون البحرية، والذي كان من أوائل الذين تناولوا قضية السفينة روزوس” عام 2014، أنه بالرغم من كل شيء، فإن إيغور غريتشوشكين لا يتحمل مسؤولية الانفجار، وإنما السلطات اللبنانية التي باتت الشحنة في عهدتها.

يوضح فويتنكو، في حديث إلى موقع “زناك” الروسي، الأمر على النحو التالي: “تخيل، على سبيل المثال، أنه تم حجز سيارتك، وليس لديك المال لدفع المستحقات، فقررتَ التخلي عنها. في هذه الحالة، ستبقيها الشرطة في الحجز لعدة سنوات، من ثم تبيعها لمالك جديد. واذا ما تعرضت السيارة لحادث وتسبب ذلك بمقتل أحد، ومن ثم أتت وكالات إنفاذ القانون تطالبك بتحمل المسؤولية، سيكون الأمر غريباً. نحن هنا أمام حالة مماثلة. ماذا يمكن أن يقول مالك السفينة؟ حسناً، لقد أبحرت الى هناك، ولم يكن لدي المال، وقد وقعت في الديون تماماً مع هذه السفينة البخارية الملعونة، إذ لم يمكنني الحصول على قرض ما، ولم يكن باستطاعي استعادتها، ولذلك تخليت عنها”.

لذلك، يخلص الصحافي إلى القول إن “لا جدوى من البحث عن غريتشوشكين، فبعد كل ما جرى، تم احتجاز السفينة وصودرت حمولتها، والمسؤولية باتت على عاتق السلطات اللبنانية”.

ألغاز “روزوس”

حتى وإن كان ما يقوله فويتنكو منطقياً، إلا أن كل ما يحوم حول سفينة “روزوس” يشي بأنّ ثمة هدفاً مركزياً يتمثل في أن تضيع الحقائق في دهاليز فوضى السجلات البحرية.

بذلك، لا يمكن اعتبار غريتشوشكين، كما يحاول فويتنكو الإيحاء، فمما لا شك فيه أن الرجل يمثل مفتاحاً لفهم الكثير من الأمور المتصلة بانفجار بيروت، خصوصاً أن الكثير من ملابسات القضية تنطوي على تفاصيل مثيرة للشبهات.

من بين الألغاز التي من شأن التحقيق المعمّق مع غريتشوشكين أن يكشف النقاب عنها:

من أين أتت شحنة نترات الأمونيوم وإلى أية جهة بالفعل كان يُنوى إرسالها؟ هذا السؤال بات أمراً جوهرياً في ظل ما يتردد من معلومات عن انكار الشركة الجورجية المصدّرة وجود أية معلومات لديها عن الشحنة، وفي ظل تنصل الشركة الموزمبيقية من الأمر بحجة أن امتلاكها للمواد الكيميائية كان مشروطاً بالتسليم الفعلي.
ما الذي جرى بالفعل في مرفأ توزلا حيث تغير طاقم السفينة، بما في ذلك قباطنتها الثلاثة؟ هل كان السبب مجرّد “تمرّد” من جانب البحارة الذين لم يتقاضوا رواتبهم، كما روى القبطان بوريس بروكوشيف في مقابلاته الإعلامية، أم أنهم استشعروا خطراً ما؟
ما ملابسات احتجاز السفينة ومن ثم الإفراج عنها في مرفأ اشبيلية في تموز/يوليو العام 2013، قبل أن تنقل شحنة الموت من باتومي إلى بيروت؟
لماذا اشترى غريتشوشكين هذه السفينة المتهالكة لرحلة طويلة من مرفأ باتومي الجورجي إلى مرفأ بايرا الموزمبيقي (بحسب بعض المصادر فإنه اشتارها بنحو 300 ألف يورو بينما تقدّر قيمة السفينة الخارجة عن الخدمة بنحو 350 ألف يورو، ما يعني أنه اشترى “روزوس” بسعر أقل من الخردة المعدنية)… فهل الأمر نابع من جشع رجل أعمال فاسد أم أن المطلوب كان ألا تصل السفينة إلى وجهتها، وأن تكون الموزمبيق وجهة وهمية وأن تكون بيروت بالتالي وجهتها الحقيقية؟
وفق وكالة “رويترز” تم تقدير قيمة شحنة نيترات الأمونيوم بنحو 700 ألف دولار. فهل صحيح أن غريتشوشكين تقاضى مليون دولار، بحسب شهادة القبطان، لقاء شحنها على متن سفينته؟ وهل يمكن أن تكون كلفة الشحن أعلى من ثمن البضائع نفسها؟ أم أن المليون دولار الذي حصل عليه غريتشوشكين كان لقاء خدمة مشبوهة؟

180 بوست