السبت , سبتمبر 19 2020

كيف سيؤثر قرار المحكمة الدولية على علاقات لبنان مع سوريا؟

أدانت المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال رفيق الحريري المدعو سليم جميل عياش، وتم تحميله مسؤولية مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق و21 شخصا آخرين.

جاء حكم المحكمة بعد مرور أكثر من 15 عاما على التفجير الكبير الذي هز بيروت وأودى بالحريري، وبعد 13 عاما من تشكيل المحكمة الدولية بقرار من مجلس الأمن الدولي، بعد أن تم تأجيل النطق بالحكم مدة أسبوعين، احتراما لضحايا انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/ أغسطس الجاري.

التأثير على المشهد السياسي

يأتي قرار المحكمة في الوقت الذي تتوجه فيه الأنظار إلى رئيس الحكومة القادم، وعلى من ستقع مسؤولية تشكيل الوزارة اللبنانية الجديدة، في ظل مطالبات بقانون انتخابي جديد وانتخابات مبكرة، في الوقت الذي يتبادل فيه المسؤولون اللبنانيون الاتهامات والمسؤوليات حول انفجار المرفأ، بالإضافة إلى ملفات داخلية كثيرة عالقة.

وعن تأثير قرار المحكمة الدولية على المشهد السياسي اللبناني يقول المحلل السياسي وفيق إبراهيم في لقاء مع وكالة “سبوتنيك”: “كان هناك فريق كبير من اللبنانيين يراهن على إدانة سوريا وحزب الله، لإنشاء تكتل يضعف سوريا وحزب الله والحكومة اللبنانية، سوريا هي بلد خارجي ولها دور داخلي، وهم كانوا يرغبون بوضع حزب الله تحت الفصل السابع من الأمم المتحدة، وإبعاده عن الحكومة والمجلس النيابي في لبنان”.

ويتابع: “قد أصيب هؤلاء بإحباط قوي ورهيب أربكهم، وبدى المشهد السياسي اللبناني وكأن هناك من أصيب على رأسه، وهناك نائب من المستقبل بدأ بشتم المحكمة الدولية، لذلك أثر هذا القرار على تحالفات موجودة لدى المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي والقوات، وترك أثرا سياسيا وشعبيا كبيرا في لبنان”.

ويكمل إبراهيم: “هناك من كان يفكر بتظاهرات وأعمال وشغب وفوضى، وكلها اندثرت مع هذا القرار، وهذا يعني بشكل أو بآخر أن حزب الله ارتاح في علاقاته الداخلية، وهذا سيشكل تداعيات على الحكومة المقبلة وقد يدفع إلى تشكيلها في شهر أيلول/ سبتمبر المقبل، لأن ظروف الاعتراض على حزب الله أزالتها المحكمة”.

بدوره يرى المحلل السياسي اللبناني بشارة خير الله في حواره مع “سبوتنيك” بأن هذا القرار هو “قرار تقني صادر عن المحكمة، يحتم على حزب الله تسليم سليم عياش للعدالة، لتبيان حقيقة من أعطاه الأوامر بتنفيذ الجريمة، ومن سلمه أطنان المتفجرات، ومن أمن الانسحاب لعياش من مسرح الجريمة”.

ويواصل: “حزب الله إذا لم يعترف بهذا الشيء سيدين نفسه، لأن المحكمة لم تدينه بشكل مباشر، وهي قالت بأن هناك علاقة بين حزب الله وعياش هي علاقة انتماء حزبي، وحزب الله إن لم يسلم المحكوم سيدين نفسه بنفسه”.

ويضيف خير الله: “تأثيره على الحكومة سيكون متصل بموقف الأفرقاء الآخرين الذين يشاركون بالحكومة، وعندما يتكلمون عن حكومة متعددة الأقطاب فحزب الله واحد من هذه الأقطاب، وهي مرفوضة من جزء كبير من الأقطاب، وعندما يحكى بحكومة تقنيين حزب الله يرفضها، وعندما يحكى بحكومة وحدة وطنية فمن سيجلس مع حزب الله إن لم يسلم المتهم”.

ويردف: “كيف السبيل لجلوس سعد الحريري وله دم مع حزب الله الذي يغطي القاتل الذي أدانته المحكمة وجرمته، فإذا هناك مجموعة من العقد ستنكشف خلال الأيام المقبلة، وهي مبنية على موقف حزب الله من المحكمة، وعلى موقف الآخرين من حزب الله المرتبط بشكل وثيق بسيلم عياش المنتمي إلى هذا التنظيم”.

تضحية حزب الله

وصرح سعد الحريري عقب إصدار المحكمة لقرارها المتعلق باغتيال والده، بأن “على حزب الله أن يضحي اليوم، وبأنه صار واضحا بأن المتسببين في الجريمة من صفوفه، وبأنه لا بد أن ينفذ فيهم القصاص” ولن يستكين حتى يتم تنفيذه.

وعن مقصد الحريري الابن بتضحية حزب الله، يقول وفيق ابراهيم بأن “الرئيس سعد الحريري منذ عام 2010 وهو يعقد تسويات مع حزب الله، تقوم على أساس عدم التحريض على الحزب مقابل قبول الحزب به كرئيس للحكومة، ويؤكد بأن هذه المعادلة لا تزال قائمة، وما يهز هذه المعادلة هو الرفض السعودي لسعد الحريري وليس لحزب الله”.

ويكمل: “هذا الكلام قاله سعد الحريري لامتصاص النقمة الشعبية، فآل الحريري يحرضون في المراحل العادية ومن ثم يفاوضون الحزب سرا، ويأخذون رئاسة الحكومة ويصمتون، اليوم السعودية لا تريده رئيسا للحكومة، لا هي ولا الإمارات، هناك فقط فرنسا تدعمه، ولكن هذا لا يكفي”.

ويضيف المحلل اللبناني: “السياسات الحريرية أصبحت واضحة، دائما يصعدون لنيل مكاسب من الحزب، والحزب يؤيدهم، حتى من أيام رفيق الحريري كان الحزب دائما إلى جانبهم، لأنهم الممثل الأكبر للطائفة السنية، وهذا الأمر لا يزال ساري المفعول، وسبب تصعيد سعد الحريري الآن هو لإرضاء السعودية والإمارات، لكن هذه الدول تريد أكثر وهي لا تزال تطالب بتجريد “حزب الله” من سلاحه، سعد الحريري لا يستطيع ملاقاة هذه الشعارات، لأنها تعني إبعاده عن السياسة في لبنان”.

أما برأي المحلل بشارة خير الله فالتضحية هي تسليم المتهم ويوضح: “كلنا نعرف بأنه لا يمكن لأي شخص الاختفاء إن لم يكن هناك بيئة حاضنة حامية له، وظهر ذلك من خلال اليافطات التي علقت في بلدته بالامس، بعد صدور الحكم”.

ويواصل: “هو محمي من بيئة حاضنة تابعة لحزب الله تحمي المجرم، وعندما يطالب سعد الحريري بالتضحية يقول له تفضل وسلم المجرم، لأن المحكمة لم تدينه بشكل رسمي، وإنما بشكل تقني من خلال إدانة سليم عياش، والذي لا يمكن أن يكون قد قام بجريمة على خلفية بسيطة مع رفيق الحريري”.

ويكمل: “هناك بالتأكيد من أعطاه الأوامر وسهل له الطريق وآخر سلم له 2,5 طن من المتفجرات، وهذه التضحية من حزب الله، وأنا أضيف إلى التضحية كلمة التواضع قليلا لإمكانية العيش مع باقي الأفرقاء في لبنان”.
مستقبل الحريري

وبعد صدور القرار أعرب الكثيرون من أنصار الحريري والمستقبل والتيار السياسي عن خيبتهم بقرار المحكمة، وحول الكيفية التي يمكن أن يؤثر فيها هذا القرار على مستقبل الحريري السياسي في ظل ترشيح اسمه لرئاسة الحكومة، يقول وفيق ابراهيم:

“المشكلة في لبنان أن الساحة السنية فارغة، ولم يتمكن أحد من تشكيل قوة بديلة عن آل الحريري، هناك بعض القوى طارئة إلا أنها لم تتمكن من الإمساك بكتلة كبيرة من الطائفة السنية، كفتفت في الشمال أو حتى ريفي الذي تمكن فقط من تشكيل قوة شغب، وليست قوة بنيوية، وكذلك حال المشنوق أو نجيب ميقاتي”.

ويكمل: “كل هذه القوى لديها هامش بسيط، وهذا ما يجعل سعد الحريري القوة الرئيسية، رغم أنه قد لا يمتلك أكثر من 40%، لكن هذه النسبة تشكل أكثرية في عصر تهاوت فيها الزعامات واختفى القياديون الكبار، وهذا ما يجعله القيادي الأول في الطائفة السنية، وينافسه في ذلك شقيقه بهاء، والذي تكلم عن ضرورة معاقبة حزب الله لنيل جمهور”.

أم المحلل السياسي بشارة خير الله فيرى بأن خيبة الأمل هي عاطفية، ويفسر: “لا يمكن التعاطي مع محكمة تقنية بالعاطفة، وكلنا يعرف أن يوم أنشأت هذه المحكمة تشكلت على أساس أنها لا تدين لا رؤوساء دول ولا جماعات، وكان المقصود بذلك أن لا تطال الرئيس السوري بشار الأسد ولا حزب الله كمجموعة”.

ويضيف: “الذي قالته المحكمة بأن سليم عياش ينتمي إلى حزب الله هو دليل تقني بأن حزب الله مدان ولو لم تدينه المحكمة، ولكن التقني لا يرضي العواطف والغرائز وهذا شيء مفهوم، وجمهور الحريري يكن كل العاطفة للرئيس الشهيد رفيق الحريري، لذلك جاء تقنيات القرار محبطة للرأي العام”.

وعن التأثير على مستقبل الحريري يعتقد خير الله بأن هذا الأمر مرهون بالوقت، وكيف ستجري الانتخابات وبأي ظرف، وأكد صعوبة التكهن قبل ذلك الوقت.
العلاقات مع سوريا

وكانت المحكمة الدولية قد برأت كلا من سوريا و”حزب الله” لعدم وجود أدلة تثبت تورطهم في هذه الجريمة، رغم الاتهامات التي خرجت ضد سوريا وحزب الله بعد الانفجار بساعات، وفيما إذا كانت هذه البراءة ستحسن من العلاقات بين قوى 14 آذار وسوريا، يقول وفيق إبراهيم:

“14 آذار ستبقى معادية لسوريا بحكم انتمائها للمحور الأمريكي، فالمحور الأمريكي هو الذي يجب أن يتصالح مع سوريا حتى تتصالح قوى 14 آذار، إنما الدولة اللبنانية لم يبق لديها اي معوقات لفتح علاقات جديدة مع الدولة السورية”.

ويكمل: “المحكمة الدولية التي أسستها الولايات المتحدة وقوى 14 آذار وكلفت مليار دولار واستمرت مدة 15 سنة كأول محكمة في التاريخ تستمر لهذا الوقت، ولذلك قوى 14 آذار لا تستطيع الذهاب إلى سوريا بكل مكوناتها، لأسباب أمريكية صرفة”.

ويضيف ابراهيم: “المشروع الأمريكي وكذلك السعودية والإمارات لا يزالون على عداوة مع سوريا، وعلى صدام مع سوريا السياسة والعسكر، وممكن فقط لجنبلاط في حال دفعه الروس لعلاقاته معهم، قد يذهب لكي ينجى من الغرق، لكن الآخرون متمسكون بهذه الشروط الأمريكية، وهناك بين هذه القوى من يدعو لإقامة علاقات مع إسرائيل، وهذا يلغي أي إمكانية للعلاقات مع سوريا”.

وكذلك يعتقد بشارة خير الله بأن العلاقات لن تتحسن إنما لأسباب أخرى، ويوضح: “لا أعتقد أن العلاقة ستتحسن لأن المطلوب من سوريا المزيد من المصارحة والمكاشفة، وعلاقة بعض اللبنانين بالنظام السوري لا تقف عند جريمة اغتيال رفيق الحريري فقط، بل هناك اتهام وضلوع مثلا للواء على مملوك بقصة المسجدين، والعبوات التي أرسلت من سوريا مع ميشال سماحة واعترف بها”.

ويختم حديثه: “هناك الكثير من الملفات العالقة التي يجب حلها، مثل المخفيين والمعتقلين في السجون السورية، ومجموعة من المشكلات التي يجب أن تحل قبل الوصول إلى تحسن العلاقات بين 14 آذار والنظام السوري”، على حد تعبيره.