الثلاثاء , يونيو 28 2022

هل تنفجر الحرب في الخليج؟

هل تنفجر الحرب في الخليج؟
د. وفيق ابراهيم
كان يُفترض أن نسأل إذا كان الأميركيون يسمحون بنشوب حرب بين «محميّاتهم» في شبه جزيرة العرب؟
فالسعودية وقطر طرفا حالة الاحتراب، هما من الركائز البنيوية للأميركيين في المنطقة.. لكن العداء بينهما، وصل حدود نصب حصار بري وجوي على قطر، مترافقاً مع انتهاكات خطيرة جداً ومناوشات عسكرية قابلة للتفاقم أحياناً.. ما أدّى إلى نشوء حرب سياسية وإعلامية بين طرفي الصراع ومنذ تسعة أشهر تقريباً.. تطوّرت إلى محاولات استخدام المال العربي الغزير لشراء المراكز السياسية والأكاديمية والإعلامية في أوروبا وأميركا وحشدها مع فريق خليجي ما ضدّ فريق خليجي آخر بإشراف غربي يسخر من فريقي الصراع على وقع قهقهات الرئيس ترامب ومدراء شركاته الاقتصادية. بيد أن نتائج هذا النزاع الخليجي ذهبت نحو أمور متعدّدة يبدو أنها مدروسة بعناية من قبل المخطّطين في دوائر القرار الأميركي.
وأولّها استنزاف القسم الأكبر من احتياجات نقدية خليجية تصل نحو أربعين ألف مليار دولار معظمها على شكل ودائع من دون فوائد، وقسم آخر منها مستثمر في مؤسسات مالية أو اقتصادية في الغرب. وهذه الدول هي السعودية وقطر والكويت والإمارات والبحرين.
فكيف يتمّ الاستنزاف؟ يجري عبر نوعين من الأساليب: الصفقات الاقتصادية المتنوّعة وسوق السلاح.. وهذا يتطلّّب تأزيم العلاقات بين الخليج وإيران، وبين دول الخليج نفسها، مع السماح لطرفي النزاع الخليجي بابتياع سلاح لدول صديقة لهما أيضاً أو تمويل صفقات اقتصادية من الغرب لصالح الأصدقاء في البلدان الفقيرة أو الدول المستتبعة.
يبدو أنّ الخطة تحصد نجاحاً ملحوظاً.. فبمدة قصيرة نسبياً أنفقت ثلاث دول هي السعودية وقطر والإمارات نحو 725 مليار دولار ثمناً لأسلحة قد تكفي جيوش الصين العظيمة. ووزّعت أيضاً هدايا وقروضاً ومساعدات على بلدان إسلامية تزيد عن مئتي مليار دولار ونيّف، من دون احتساب ما تلقته الدوائر السياسية والإعلامية والأكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا من «أتعاب» يجود بها الباحثون عن حماية في فم التنين.. أما عن الهدايا لسياسيي الغرب فهي على قدم وساق، لكنها تبقى في إطار السرية والكتمان.
الطريف ان هذه الصفقات التسلحية والاقتصادية تتم طيلة ستين عاماً.. وهي مدة كانت كافية لتحويل اليابان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى دولة صناعية وعسكرية أولى في العالم وبإنفاق أقل بكثير من الذي تبعثره محميّات الخليج.
لقد دمّر الأميركيون اليابان في 1945 بقنبلتين نوويتين مع هزائم عسكرية واسعة ترتّب عليها وجود عسكري أميركي لا يزال قائماً حتى اليوم في اليابان. لكن الأميركيين لم يتمكّنوا من قتل العقل العلمي فيها المتراكم منذ القرن التاسع عشر، فعاود اليابانيون صناعة معجزة اقتصادية بالعقل العلمي، وضعتهم في مصاف الدول الأولى المتقدمة من دون أن يمتلكوا نفطاً أو غازاً ولا ثروات معدنية أخرى.
لذلك يحق للمراقبين أن يسألوا أين هو هذا السلاح عند العرب الذي قبض الغرب ثمناً له آلاف مليارات الدولارات، مع قواعد عسكرية منتشرة عند كل زاوية ومضيق في شبه جزيرة العرب؟ النموذج موجود في اليمن، حيث يبيد الجيش السعودي البشر والحجر فيه، من دون أن يتمكّن من الانتصار على قوات قبلية يمنية تحارب بأسلحة بدائية ضعيفة.. وأين هو جيش الإمارات الذي يتباهى أميرها به بشكل يبدو فيه وكأنه الاسكندر المقدوني أو نابوليون؟
أما من الصفقات الاقتصادية، فيتبيّن أن لا علاقة لها بالتقدّم الاقتصادي، وهي مجرّد تزيين لتخلّف قرون أوسطي يحتمي بفبركة تجميلية معاصرة.
ولتوضيح عمق الخلاف السعودي ـ القطري لا بدّ من العودة إلى تصريح حديث لوزير خارجية الدولة قال فيه، إن خلاف بلاده مع الرياض يحتاج إلى اتصال هاتفي مدّته خمس دقائق، يأمر فيه الرئيس الأميركي ترامب ولي العهد محمد بن سلمان بإنهاء مهزلة الحصار السعودي ـ الإماراتي ـ البحريني المضروب على قطر.. مضيفاً بأن على الرئيس الأميركي أن يقفل الخط الهاتفي بعد هذا الطلب، لأن السعوديين قابلون لتنفيذه من دون اعتراض ولا حتى همهمة.
عن أهمية هذا النزاع الخليجي، إفرازه لمحاور متقاتلة: المحور السعودي ـ الإماراتي ـ المصري مقابل المحور التركي ـ القطري. إلى جانب المحور الإيراني مع حلفائه مقابل الحلف السعودي ومقلّديه.. ولولا مسارعة طهران إلى فتح خطوطها البحرية مع قطر وتخصيصها خطاً اقتصادياً مفتوحاً لانهارت الدوحة. وهذه من حسنات التقابل الجغرافي البحري.
وهذا يكشف أنّ السياسة الأميركية تتعمّد استغلال سوء العلاقة السعودية ـ القطرية لتحويله وسيلة لتقسيم العالم الإسلامي ومنع انبثاق اتجاهات توحيدية فيه لا من إيران ولا من.. السعودية أو تركيا.. المطلوب أميركياً أن تبقى هناك نزاعات بين دوله للإبقاء عليه تحت الوصاية الأميركية الدائمة.. وهذا يشكّل ظرفاً مناسباً لإنهاء القضية الفلسطينية، واستنزاف الإمكانات الاقتصادية لدول النفط ببيع السلاح والبضائع الاستهلاكية التي تزيد فقط من التخلف.. وهناك أهداف بعيدة تتعلق بعدم السماح للروسي أن يتسلل على «صدى» الإيراني في العالم الإسلامي، كما فعل في سورية التي شرّعت له بدورها الطرق إلى العراق ومصر ولبنان وربما أكثر..
إنّ هذه المعطيات ترجَّح انضباط الخلاف الخليجي ضمن الإطار الأميركي.. وهذا يعني أنه يُلبي حاجة أميركية تستغلُ استكبار السعودية على جارتها الصغيرة قطر. والمعروف أن الرياض لا تقبل بأي دور مستقل لدول مجاورة لها أو منافسة في إطار العالمين العربي والإسلامي. فكيف تسكت إذاً: ما تراه منافسة لزعامتها الإسلامية والخليجية على محاولات آل ثاني بناء موقع إقليمي لهم بعائداتهم الهائلة من الغاز؟.. أي الطاقة الصاعدة في هذا العصر، علماً أن الدوحة هي الدولة الثالثة عالمياً في إنتاجه واحتياطه!
ومع ازدياد الدور التركي ـ الاخواني المساند لقطر، والدور الاقتصادي الإيراني الذي قد لا يتورّع عن إسناد الدوحة في حالة هجوم سعودي عليها.. تزداد الأمور تعقيداً، خصوصاً أن الأمير محمد بن سلمان يتبنّى نهجاً يعتبر أن تركيا وإيران والإرهاب هي محور الشر في العالم، ما يجعله مستعداً للذهاب بعيداً في سبيل تدمير حكم آل ثاني واستبدالهم بفرع آخر منهم موالٍ للسعودية.. وقد لا يتورّع عن محاولة افتعال حرب مع قطر لاستدراج أنقرة وطهران.. فيُضطر الأميركيون إلى دعمه.. لكنه ينسى هنا أن ولاة أمره الأميركيين، يمتلكون في قطر أعظم قاعدة برية لهم في العالم العُدَيد .. والمفروض أنها مخصصة لحكم قطر.
لذلك يجب طرح عشرات التساؤلات عن التوقيت الذي يريده الأميركيون لإحداث تغييرات في دول الخليج وعلى رأسها.. السعودية. والواضح أنه مرتبط بقدرة «اليانكي» على استنزاف الاحتياطات النقدية بمواكبة تراجع عصر النفط وصعود عصر الغاز، وعندها فإن عروشاً خليجية قد تتهاوى مقابل صعود عروش أخرى دولاً جديدة.
وهكذا هو حال الضعفاء والبائسين في عالم «احتكار القوة».. يعتقدون أنهم أقوياء ويكتشفون في لحظة واحدة أنهم قوس قزح يتلاشى مع ظهور أضواء جديدة.
البناء

اترك تعليقاً