الأحد , سبتمبر 20 2020

معادلات شرق الفرات .. من يريد التسخين ومن يفضّل التهدئة؟

عبد الله سليمان علي

نهر الفرات الشحيح بمياهه على أهل الجزيرة السورية نتيجة سياسة التعطيش التركيّة، يشهد، حالياً، وفرةً غير مسبوقة في الأحداث السياسيّة والعسكريّة. احتكاكات روسية – أميركية متكررة؛ انقسامات عشائرية تغذّيها الولاءات المختلقة، خلافات كرديّة – كرديّة؛ تدخّلات خليجيّة وتركية على وقع التنافس بين الطرفين، علاوةً على رسائل عراقيّة إلى دمشق في الوقت المستقطع.

ووسط كل ذلك، يبقى تنظيم “داعش” يحتلّ مكانته في مسار الأحداث بعد إثبات قدرته على البقاء على قيد الحياة والنشاط. وبرغم أن جميع ذلك لم يكن كافياً لتشكيل كرة نارٍ متدحرجة، إلا أن اجتماع خيوط التصعيد وتقاطعها قبل شهرين تقريباً من الانتخابات الرئاسيّة الأميركية، لا يبدو مجرد جعجعةٍ بلا طحين.

وسجّلت لعبة اعتراض الدوريات بالقرب من الحدود السورية – العراقية بين القوات الروسية والأميركية نتيجة التعادل بعدما تمكّنت دورية روسية، الأربعاء، من إجبار أخرى أميركية على التراجع إثر حادثة اصطدام أسفرت عن إصابة عدد من الجنود الأميركيين. وجاء ذلك بعد يوم واحد من تراجع دورية روسية بسبب اعتراضها من قبل عربات أميركية على الطريق ذاتها بالقرب من مدينة المالكية.

هذا التجاذب بين قاعدة رميلان التي تتواجد فيها القوات الأميركية، ومطار القامشلي حيث القوات الروسيّة، يعتبر اختباراً جدياً لاتفاق “منع الصدام” الموقّع بين الطرفين منذ عام 2017، تاريخ تحرير معظم محافظة دير الزور من تنظيم “داعش”.

ولعلّ موسكو اختارت توقيت “البطّة العرجاء” الذي يخيّم على البيت الأبيض قبيل الانتخابات الرئاسيّة من أجل توجيه رسائل متعددة للجانب الأميركي. وما يعزز ذلك أن موسكو لم تكتف بالتحرّش بالدوريات الأميركية في محاولة منها لجس نبض إمكانية وصولها إلى الحدود السورية – العراقية فحسب، بل أعلنت فجأة عن إطلاق عملية “الصحراء البيضاء” في البادية السورية لتحقيق هدفين مزدوجين: الأول الانتقام لمقتل اللواء الروسي فياتشيسلاف جلادكيخ بعبوة ناسفة قبل أيام، تبنى تنظيم “داعش” المسؤولية عنها؛ والثاني توجيه رسالة إلى الفصائل المسلحة المدعومة أميركياً في محيط منطقة التنف بأنها ليست بعيدة عن العين الروسية.

وتبدو موسكو معنيّة بإيصال رسائلها مباشرةً إلى ساكن البيت الأبيض الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أكثر من مؤسسات الدولة العميقة كالبنتاغون ووزارة الخارجية. وهي في ذلك تلعب على وتر التحديات التي باتت تواجه حظوظ ترامب الانتخابية على وقع الصعوبات الاقتصادية ووباء كورونا، من أجل تحقيق أهداف استراتيجية على الساحة السورية.

ولعلّ موسكو الراغبة بعودة ترامب إلى ولاية ثانية، لا تريد أن تفوّت على نفسها فرصة دفعه إلى اتخاذ قرار نهائي بسحب القوات الأميركية من منطقة شرق الفرات، وذلك من خلال تصعيد نسبي على جبهة اعتراض الدوريّات للضغط عليه من جهة إمكانية وقوع خسائر في صفوف قواته، الأمر الذي سيؤثر من دون شكّ على شعبيته.

ويترافق هذا الجهد الروسي مع أجواء عشائرية محمومة، شهدت إعلان إطلاق المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الأميركي في أعقاب مقتل بعض شيوخ العشائر الشهر الماضي. وفي حادثة نوعية تعرضت محطة كونيكو للغاز التي تتخذها القوات الأميركية مقراً لها لهجوم صاروخي الأسبوع الماضي، نسبته مصادر إلى المقاومة الشعبية.

وبرغم أن المؤسسة العسكرية الأميركية سيكون لديها تقدير منخفض لخطورة مثل هذه التطورات بسبب الهامش الواسع الذي تمتلكه للرد والاحتواء، فالأمر سيكون مختلفاً جداً بالنسبة لإدارة ترامب المحكومة بموعد الانتخابات المقبلة في شهر تشرين الثاني.

وقد تُلاقي هذه الرسالة الروسية هوىً لدى ترامب إذا شعر بأنّ قرار سحب القوات سيعزز حظوظه الانتخابيّة، خصوصاً أنه هو صاحب قرار الانسحاب، وقد اضطر للتراجع عنه مرتين متتاليتين بسبب الضغوط التي واجهها من قبل مؤسسات الدولة العميقة.

وفي رسالة مقابلة، جاءت عملية “الصحراء البيضاء” لمحاربة تنظيم “داعش” بمثابة سحب للذرائع التي يستند إليها الجنرالات الأميركيون لإقناع ترامب بضرورة البقاء في سوريا. وبالتالي فإن هذه العمليّة، بقدر ما تحمل رغبة في الانتقام لمقتل اللواء الروسي، فإنها في الوقت ذاته، تحمل إغراءً لترامب بأن هناك من هو مستعد لتحمل أعباء أرض الرمال والموت، كما وصف سوريا في خطاب سابق.

لكن لا يبدو أن الرقص الروسي على حبال شرق الفرات، سيبقى من دون ردّ أميركي، سواء في المنطقة ذاتها أو في منطقة أخرى. وفي هذا السياق كان من اللافت للانتباه تصريح نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى والمبعوث الخاص إلى سوريا، جويل رايبورن، بأنه في حال حصول أي حملة عسكرية في إدلب ستكون واشنطن مستعدة لدعم أنقرة بما يمكنها من ذلك. ويأتي في الإطار نفسه تصريح رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض نصر الحريري بأن مواجهة “جبهة النصرة” في إدلب تحتاج إلى مقاربة دولية، مضيفاً أن هذا الجهد ربما يكون بين تركيا وحلفائها في “الناتو”، أو التحالف الدولي. ومن غير الواضح ما إذا كان كلام الحريري مجرّد تعبير عما يراوده من أمنيات، أم هي ترجمة لما سمعه من اجتماعاته مع المسؤولين الأتراك، أم لديه معطيات حقيقية حول إمكانية انخراط واشنطن في ملف إدلب من بوابة مواجهة جبهة النصرة المصنفة على قوائم الإرهاب العالمية.

ومن المتوقّع أن يكون للاحتكاك الروسي – الأميركي تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على تموضع مختلف اللاعبين المحليين في منطقة شرق الفرات. ولا شك في أن القوات الكردية ستجد نفسها في موقف أصعب كلّما اقترب موعد الانتخابات الأميركية، خشية أن يفاجئها ترامب بواحد من قراراته الارتجالية التي يمكن أن يكون لها تداعيات طويلة الأمد على موقعها القيادي في المنطقة. وتدرك القيادة الكردية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أنها خلال فترة الشهرين المقبلين ستكون محل ضغوط أميركية كبيرة من أجل تحقيق تقدم على مسار التقارب الكردي – الكردي من جهة، ومسار إرضاء العشائر العربية وإشراكها في إدارة مناطقها من جهة ثانية، وإلا فإن الإدارة الأميركية يمكن أن تلجأ إلى حلول مختلفة لا تصبّ في مصلحة علوّ الكعب الكردي في المنطقة بالضرورة.

وقد تكون هذه القراءة هي التي دفعت إلى بروز توزيع الأدوار بين بعض القيادات الكردية لإعطاء مواقف متباينة حول بعض الملفات، بهدف إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع جميع اللاعبين المؤثرين في شرق الفرات، بهدف تمرير فترة الشهرين بأقل الخسائر الممكنة.

بدورها، لا يبدو أن أنقرة ستفوّت على نفسها فرصة الانتخابات الأميركية، في مسعى منها لتحقيق أهداف تتعلّق بمصالحها في منطقة شرق الفرات. وعلى رأس هذه الأهداف تقويض المشروع الكردي ومنع تحويل الدويلة الكردية إلى أمر واقع على حدودها الجنوبية. وقد تلجأ أنقرة إلى استخدام جميع أنواع الأسلحة “القذرة” من أجل الوصول إلى مراميها، كسلاح التعطيش وقطع مياه الشرب عن المواطنين في مناطق سيطرة “قسد”، أو سلاح الفتن العشائرية عبر تبني مجموعة من شيوخ الصف الثاني والثالث لإطلاق تصريحات مضادة للوجود الأميركي، مستغلةً موجة الاغتيالات التي تعمّ المنطقة وتسجل جميعها ضد فاعلين مجهولين.

كذلك لا يمكن التغاضي عن حقيقة بقاء علاقات وطيدة تربط بين الاستخبارات التركية وبعض خلايا تنظيم “داعش” النشطة في شرق الفرات، وإمكانية توظيف هذه الخلايا لتحقيق أهداف تصبّ في المصلحة التركية، مثل زيادة الفوضى في مناطق الإدارة الذاتية وتهديد السجون والمخيمات التي تحوي معتقلي “داعش”، وكل ما يمكن أن يثبت عدم قدرة الكرد على إدارة المنطقة.

هذه المعادلات المعقدة التي تحكم منطقة شرق الفرات في ظل وجود خمسة جيوش، أميركية وروسية وتركية وسورية وإيرانية، قد تعطي تنظيم “داعش” حافزاً حقيقياً للعمل على خطوط الصدع الدولية من أجل تحقيق مكاسب ميدانية تساعده على العودة كلاعب مؤثر على مسرح الأحداث.

النهار العربي