السبت , نوفمبر 28 2020
توقيع
Syrian pro-government fighters are seen in area of the Hawija Qate in the Euphrates river outside the eastern city of Deir Ezzor on September 23, 2017 as government forces continue to press forward with Russian air cover in the offensive against Islamic State group jihadists across the province. / AFP PHOTO / STRINGER (Photo credit should read STRINGER/AFP via Getty Images)

سوريا: مذكرة تفاهم بين حليفي روسيا وأميركا.. ما هي دلالاتها؟

عبد الله سليمان علي

جمعت المذكّرة بين جهة مدعومة أميركياً هي مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) وأخرى مدعومة روسياً، حزب الإرادة الشعبية، مما يجعل من الصعب القول أن موسكو وواشنطن غير راضيتين عنها أو على الأقل لم تعطيا الضوء الأخضر لتوقيعها، خاصة أن التوقيع جرى في العاصمة موسكو ومباشرةً قبل توجّه الوفدين الموقعين (وفد مسد برئاسة إلهام أحمد، ووفد الارادة الشعبية برئاسة رئيس منصة موسكو قدري جميل) إلى وزارة الخارجية الروسية للاجتماع مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

ومن شأن ظرفي المكان والزمان اللذين أحاطا بعملية التوقيع أن يرجحا، على الأقل، أن موسكو لم تكن بعيدة عن أجواء التحضير لتوقيع هذه المذكرة. كما من المستبعد، مبدئياً، أن تُقدم القيادة الكردية على اتخاذ مثل هذه الخطوة من دون موافقة واشنطن، نظراً لمدلولاتها السياسية التي قد تتجاوز ملف شرق الفرات، وتتصل على نحو أو آخر بملف التسوية الشاملة للأزمة السورية والذي تعتبره واشنطن من ركائز استراتيجيتها في سوريا.

ولولا أن الوفد الكردي الذي وقّع على مذكرة التفاهم كان بقيادة إلهام أحمد، المعروفة بقربها من الجنرال مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) وعرّاب التحالف الكردي مع واشنطن، لأمكن لبعضهم القول أن توقيع المذكرة يأتي في سياق الخلافات الكردية – الكردية، وأنه يعبر عن رغبة جناح داخل “مسد” أو “قسد” في إعادة التوازن للعلاقة مع موسكو بعد أن تعرضت لاختلال كبير نتيجة الاندفاعة الكردية نحو واشنطن بقيادة مظلوم عبدي.

أما وأن إلهام أحمد هي التي وقعت، فهذا يعني من منظور كردي أن توقيع مذكرة تفاهم مع حليف لروسيا لا يتناقض مع مقتضيات التحالف الكردي – الأميركي، ولا يتنافى مع المسار السياسي الذي خطته القوات الكردية بدعم أميركي طوال السنوات الماضية.

مقالات مشابهة :  التحقيق مع أساتذة في كلية التربية بجامعة البعث بتهم «تلاعب بالمقررات» مقابل تقاضي مبالغ مادية!

ونظراً للمفارقة الكامنة في ما سبق، لم يجد البعض سوى تفسيراً واحداً لتوقيع مذكرة تفاهم بين وكيلين لجهتين غير متفاهمتين، وهو أنه جاء ترجمة لـ”تقاربٍ ما” بين واشنطن وموسكو بخصوص ملف شرق الفرات.

ولم يمنع هؤلاء من تبني هذا التفسير، تصاعد التوتر بين القوات الأميركية والروسية في المنطقة والذي عبّر عن نفسه أكثر من مرّة من خلال اعتراض كل طرف للدوريّات العسكرية التابعة للطرف الآخر، وقد أدّت آخر حادثة اعتراض إلى وقوع إصابات في صفوف القوات الأميركية، الأمر الذي يشير إلى خطورة التوتر الحاصل وإمكان انفلاته من قدرة الطرفين على ضبطه بموجب تفاهم “منع الصدام” الموقع بينهما منذ العام 2017.

قد تكون القيادة الكردية بزعامة الجنرال مظلوم عبدي تلمّست هذه الرغبة الروسية لا سيما وأن لديها هواجسها الخاصة في فترة ما قبل الانتخابات الأميركية. وتخشى أن يضطر ترامب إلى مباغتتها بقرار مفاجئ، من قبيل قرار الانسحاب أو خفض عدد القوات، بهدف تعزيز شعبيته المتآكلة

وقد يكون الأهم هو ما ينطوي عليه التوتر المتصاعد بين القوتين العظميين من دلالات على وجود خلافات سياسية عميقة بينهما بخصوص التعاطي مع ملف شرق الفرات، الأمر الذي لا يتفق بأي شكل من الأشكال مع منظور القوى الكردية حول عدم وجود تعارض بين توقيع المذكرة والمسار السياسي الذي خطته لنفسها بدعم من واشنطن.

من هذا المنطلق، ذهب البعض للقول أن توقيع مذكرة التفاهم، جاء على عكس التفسير السابق، تعبيراً عن مسار جديد تقوده موسكو ويهدف إلى تقليص النفوذ الأميركي في منطقة شرق الفرات أو ربما سحب البساط كاملاً من تحت أقدام واشنطن في المنطقة.

وبقدر ما يتلاقى هذا الرأي مع تحرك القوات الروسية مؤخراً ومساعيها لمدّ دورياتها إلى الحدود السورية – العراقية ولو كلّف ذلك التصادم مع الدوريات الأميركية، بقدر ما يتناقض مع مساعي واشنطن لتعزيز تواجدها في منطقة شرق الفرات والتي توّجت، الشهر الماضي، بتوقيع اتفاق نفطي بين الإدارة الذاتية وشركة نفط أميركية، إلى جانب استمرار دخول أرتال العربات الأميركية من العراق إلى سوريا لتعزيز مواقعها وقواعدها العسكرية في المنطقة.

مقالات مشابهة :  وزير الكهرباء يرد على النفط: لا داعي لتقاذف الاتهامات

في المحصلة، يبدو أن هذه المذكرة لا تحمل في طياتها أية أبعاد استراتيجية تتعلق بمواقف القوتين العظميين، وأن تأثيرها الوحيد قد يكون مدى قابليتها للاستخدام لتفادي ما يمكن أن يصدر عن “البطة العرجاء” قبيل الانتخابات الرئاسية الأميركية من مواقف ارتجالية لم تعد مستبعدة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ولعل موسكو تريد من خلال توقيع هذه المذكرة إظهار مدى نفوذها على القوى الكردية، وأنها قادرة على توظيف علاقاتها التاريخية معها لتحويل اتجاه بوصلتها (القوى الكردية) من واشنطن إلى موسكو.

وقد تكون القيادة الكردية بزعامة الجنرال مظلوم عبدي تلمّست هذه الرغبة الروسية ولم تجد مانعاً من مسايرتها لا سيما وأن لديها هواجسها الخاصة في فترة ما قبل الانتخابات الأميركية. وتخشى أن يضطر ترامب إلى مباغتتها بقرار مفاجئ، من قبيل قرار الانسحاب أو خفض عدد القوات، بهدف تعزيز شعبيته المتآكلة. وقد يكون هذا هو الدافع الوحيد الذي جعل إلهام أحمد تتحرك باتجاه موسكو بعد أن كانت رحلاتها السابقة تحط في العاصمة الأميركية واشنطن.

لكن رسائل المذكرة لا تقتصر على الجانبين الروسي والأميركي. فأنقرة تجد نفسها، من دون شكّ، معنيّة بهذه المذكرة ليس لأن خصومها الألدّاء من القوى الكردية هم من وقعوا عليها، بل لأنّ مسارات توظيف المذكرة من الناحية السياسية يمكن أن تنتهي إلى مآلات لا تتناسب مع سياسة أنقرة التوسعيّة.

مقالات مشابهة :  عودة الاغتيالات بين الميليشيات المسلحة إلى المشهد في الشمال السوري

وكان من الطبيعي أن تسارع أنقرة إلى إعلان تحفظها والتنبيه من “أيّ خطوات تشكل دعماً لحزب العمال الكردستاني”، لكن في المقابل كان لافتاً للإنتباه أن أنقرة لم تصعد موقفها ضد المذكرة ولم تستعمل مصطلحات الشجب والإدانة.

وهذا الموقف يشبه، إلى حدٍّ ما، موقف أنقرة من محادثات توحيد الصف الكردي بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي برعاية أميركية، إذ أعلنت رفضها مثل هذه المحادثات ولكنها لم تذهب إلى عرقلتها ووضع العصيّ في عجلاتها، وهي التي تملك “كلمة” على المجلس الوطني الكردي تخولها تحقيق ذلك لو أرادت.

بمعنى أن التصريحات التي صدرت عن أنقرة لا تمثل الموقف النهائي الذي يمكن أن ينقلب إلى الضدّ إذا ما تبين أن مسار توظيف التفاهمات والاتفاقات سيصب في مصلحتها.

أما دمشق، فإن في بنود المذكرة ما يدفعها لتمزيقها وعدم القبول بها، مثل الحديث عن صيغة متطورة للعلاقة بين المركزية واللامركزية، وكذلك مغازلة المذكرة للإدارة الذاتية واعتبارها ضرورة موضوعية والدعوة للاستفادة من تجربتها. وفي المقابل، هناك بنود لا تتعارض مع سياسة دمشق، أهمها الدعوة إلى إنهاء الاحتلالات وصولاً إلى خروج جميع القوات الأجنبية، وكذلك فكرة دمج قوات سوريا الديمقراطية مع الجيش السوري، فهذه الفكرة مطروحة منذ زمن ولكن الخلاف على آليات الدمج ومستوياته. لذلك من المتوقع أن تتجنب دمشق رفض المذكرة لعدم إزعاج الحليف الروسي، ولعدم خسارة البنود التي توافق عليها، وأن تعمد في الوقت نفسه إلى إبراز المذكرة كوثيقة تحمل رفضاً لفكرة الاحتلال وهو ما يعزز المسار الجديد الذي بدأت دمشق بدعمه في شرق الفرات متمثلاً بمحاولات إطلاق مقاومة شعبية ضد قوات الاحتلال الأميركي.

180 بوست