السبت , نوفمبر 28 2020
الجولاني يتحول الى بياع فول ويشعل مواقع التواصل الاجتماعي

الجولاني يتحرك في الشمال

عبد الله سليمان علي

تمسّك زعيم هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) أبو محمد الجولاني بمشروع إمارته الاسلامية في إدلب، مطلقاً عليها صفة “الدولة”. كلام الجولاني الذي أدلى به أمام مجموعة من الصحافيين والناشطين صدر قبل يوم واحد من إعلان مدير مركز حميميم للمصالحة في سوريا، اللواء البحري الروسي ألكسندر غرينكيفيتش، عن أول تدريب مشترك بين القوات الروسية والتركية في الشمال السوري.

وحسب وزارة الدفاع الروسية فإن المناورات المشتركة التي جرت يوم الاثنين شملت تدريبات على استهداف الجماعات المسلّحة الرافضة للمصالحة. ويُفهم من تصريحات غرينكيفيتش أن المناورات المشتركة هي بمثابة ردّ على العمليّات الهجومية التي تستهدف الدوريات الروسية التركية المشتركة على طريق M4 الواصل بين اللاذقية وحلب، والتي تجرى بموجب الملحق الإضافي الموقع في 5 آذار ( مارس) 2020، لمذكّرة التفاهم لإرساء الاستقرار المبرمة في الـ17 من ايلول (سبتمبر) 2018″.

وتعتبر هذه التدريبات بغض النظر عن حجمها، قفزة نوعية في السياسة التركية التي كانت تتجنب التصادم مع أي تشكيلات مسلحة ذات طابع إسلاموي، بذريعة أن ذلك يمس الصورة التي حاولت رسمها لنفسها على أنها مدافعة عن الكيانات السنيّة في المنطقة.

وقد تكون أنقرة اضطرت إلى تغيير سياستها نتيجة انقلاب بعض أجنحة التيارات الجهادية الناشطة في الشمال السوري عليها حيث شهدت المنطقة عدة عمليات انتحارية وهجمات بالصواريخ استهدفت الدوريات الروسية التركية المشتركة، وقد تبناها فصيل جديد أطلق على نفسه، “كتائب خطاب الشيشاني”.

مقالات مشابهة :  مسؤول أردني لأمريكا.. طائراتنا على أهبة الاستعداد وجاهزة للرد

لكن التطور الأبرز تمثّل في استهداف قاعدة عسكرية تركية متمركزة في مدرسة قرية سلة الزهور جنوب جسر الشغور، يوم الجمعة الماضي، بعملية انتحارية أسفرت عن مقتل 3 مقاتلين من فيلق الشام المدعوم تركياً وإصابة جنديين تركيين، وقد تبنّت هذه العملية جماعة جديدة اخرى اطلقت على نفسها “سرية انصار أبي بكر الصديق”، وقالت الجماعة، في بيان التبني ان الانتحاري ابو سليمان الانصاري هو الذي نفذ العملية، لافتة إلى أن عشرات الجنود الأتراك قتلوا وجرحوا إثر الاستهداف.

وزعمت السرية أنها مستقلة بشكل تام ولا تتبع لأي تنظيم أو جماعة أو فصيل سواء داخل سوريا أو خارجها.

توسّع العمليات ليشمل القواعد العسكرية التركية الثابتة إلى جانب الدوريات المشتركة المتحركة، بالاضافة الى تعدد الجماعات التي تضع استهداف القوات التركية نصب عينيها، قد يكون أطلق جرس الانذار لدى حكّام أنقرة ودفعهم إلى الرضوخ للضغوط الروسية بخصوص ضرورة التخلص من الجماعات الراديكالية التي تقف في وجه تفاهمات الطرفين.

لكن ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الجولاني ودولته المزعومة؟

مقالات مشابهة :  لافروف: الحياة الآمنة تعود على أغلب الأراضي السورية

قد تكون الدلالة الأهمّ أن قيادة “هيئة تحرير الشام” لديها معطيات وضمانات بأنها لن تكون مستهدفة خلال هذه المرحلة من قبل روسيا وتركيا، لذلك سارعت إلى تجديد تمسكها بفكرة الدولة “سواء اعتُرف بها أم لا”، وهي بذلك تريد ضرب عصفورين بحجر واحد:

الأول، توجيه رسالة إلى الاجنحة والتيارات داخلها ولا سيما التيارات القريبة من فكر تنظيم القاعدة أن قيادة الهيئة حققت حلم الدولة الاسلامية، وما زالت قادرة على حمايته والاستمرار فيه رغم جميع الصعوبات والتحديات، متوخية من ذلك تحصين هذه الاجنحة من تأثيرات قيادة تنظيم القاعدة، وتحييدها عن الصراع مع جماعة “حراس الدين”.

والثاني، تكريس استراتيجية “إدلب المفيدة” وإبلاغ من يعنيه الأمر، وهو هنا بالدرجة الأولى أنقرة، أن تحولات الهيئة الأخيرة ليس لها علاقة بموضوع السلطة داخل المناطق التي تسيطر عليها، أي أن الهيئة قد تقبل بتغيير جلدها والتخلي عن عباءة القاعدة وربما محاربة من ينتمي إليها، لكنها ليست في وارد المساومة على سلطتها ونفوذها.

ولم يكن من قبل المصادفة أن يتزامن الحدثان السابقان “إعلان الدولة والمناورات المشتركة” مع قيام هيئة تحرير الشام باعتقال الجهادي الفرنسي عمر أومسين المعروف باسم عمر ديابي، وهو قائد فرقة الغرباء التي ينتمي إليها مقاتلون من الجنسية الفرنسية.

مقالات مشابهة :  ما الذي تحقق بعد مرور أكثر من عام على اللجنة الدستورية في سوريا

وقد انضمت الفرقة إلى تنظيم “حراس الدين” بعد فترة وجيزة من تشكيله نهاية عام 2018، ولكن من غير المؤكد حالياً ما إذا كانت فرقة أومسين ما زالت ضمن صفوف حراس الدين أم عادت للعمل بشكل مستقل. لكن بكافة الأحوال، فإن اعتقال أومسين يأتي بعد سلسلة اعتقالات قامت بها الهيئة خلال الفترة الماضية، وطالت قيادات كبيرة متحالفة مع “حراس الدين” أبرزها أبو مالك التلي وأبو صلاح الأوزبكي وأبو حسام البريطاني وأبو يحيى الجزائري.

وبقدر ما يعني اعتقال أومسين أن الهيئة جادة في ممارسة صلاحيات “الدولة” وفرض نفسها على الجميع في الداخل والخارج، بقدر ما يعني أيضاً أنها مستعدة للذهاب أبعد على طريق التنسيق مع أنقرة من أجل التخلص من الخصوم المشتركين.

ولعلّ الجولاني استشعر حاجة أنقرة إلى “شرعية جهادية” قبل أن تشهر سيفها ضد الأجنحة التي انقلبت عليها، لذلك سارع إلى عرض خدماته مقدماً أوراق اعتماده كوكيل محلي لقتال الفصائل التي ترفض التفاهمات التركية – الروسية مقابل أن يستمر على عرش إمارته أطول فترة ممكنة.

النهار العربي