الخميس , سبتمبر 24 2020
ماكرون

ماكرون الى دمشق؟!

نبيه البرجي

لا داعي للتساؤل. ايمانويل ماكرون عاجلاً أم آجلاً في دمشق. زار لبنان، وزار العراق، ولا ريب أنه كان يتمنى لو يزور سوريا. سوريا الصعبة المراس، حتى وان كانت جريحة.

السوريون يستعيدون، في أي لحظة، ما فعلته سايكس ـ بيكو بهم، ثم ما فعلة الانتداب. السكين التي استخدمت للعبث الدراماتيكي بالتاريخ، وبالجغرافيا، في بلادهم…

في ذروة الأزمة هناك، قال لي مسؤول سوري «خوذة يوسف العظمة ما زالت تتدحرج أمامنا». اضاف «اذا سألنا هذه الخوذة الآن ماذا تقول؟». ردنا أنه من الصعب، في القرن الحالي، وعشية الدخول في ثقافة ما بعد الزمن، البقاء في التاريخ. الألمان احتلوا باريس، ومع ذلك العلاقات بين ورثة نابليون وورثة بيسمارك قد تصل الى حد التماهي.

صحافيون فرنسيون ينقلون عن مسؤولين أنهم لا يقرون، فقط، بسوء التقدير، بل وأيضاً بالقصور في فهم دلالات قول فلاديمير بوتين، غداة اندلاع الأزمة في سوريا، «النظام العالمي الجديد ينبثق من دمشق».

بعض المسؤولين لا يترددون في القول «علينا أن نشعر بالعار لأننا مددنا أيدينا الى الغول العثماني. أجل بالعار»!

يقولون أيضاً أن على فرنسا التخلي عن اللوثة البونابرتية كي لا تنتهي مثلما انتهى الأمبراطور، وحيداً ومنكسراً، في جزيرة منسية. لا بد من البراغماتية. لا بد أيضاً من بعد النظر.

يعترفون أيضاً بأنهم أخطأوا عندما أخذوا، عشوائياً، بالرأي الأميركي، كما بتأكيدات دول عربية، بأن بشار الأسد سيسقط مثلما سقط زين العابدبن بن علي، ومثلما سقط حسني مبارك، في غضون أيام. أغفلوا البنية القومية للشعب السوري، وحيث الأولوية للصراع مع اسرائيل. لو قام النظام البديل لرأينا محمد رياض الشقفة، زعيم «الاخوان المسلمين»، في سروال بنيامين نتنياهو.

الآن، يقولون في الاليزيه لو تسنى لرجب طيب اردوغان أن يضع يده على دمشق لارتفعت الرايات العثمانية في بيروت وبغداد. حتماً كان اخترق الخليج العربي، وهو الذي يعتبر أن النفط والغاز بمثابة الثروة الالهية التي تعيد احياء السلطنة .

يبررون دور الظل للولايات المتحدة على الأرض السورية بالقول ان هذه الحسابات لم تكن خاطئة كلياً. دونالد ترامب رجل مختل، ويمكن أن يلحق أضراراً كارثية بالاقتصاد الفرنسي.

وحين أطلق ايمانويل ماكرون دعوته الى انشاء جيش اوروبي منفصل عن القيادة الأميركية، ضغط البيت الأبيض على احدى الدول العربية التي كانت في صدد شراء قطع بحرية فرنسية بنحو ثمانية مليارات دولار، لتشتري هذه القطع من ايطاليا، بالعلاقات المخملية مع أميركا. لم يعد يوليوس قيصر في روما ليختال في ساحة لافونا. مونيكا بيللوتشي هي التي تختال الآن.

ما يتردد في باريس أن الجهات العليا ترى أنه اذا ما أصبح دونالد ترامب خارج المكتب البيضاوي، لا بد أن تحدث تغيرات مثيرة في العلاقات الدولية. الرئيس الأميركي يلعب دور قاطع الطرق، أو دور اللص الوقح، في منطقة دير الزور. السرقة الموصوفة لحقول النفط السورية من أجل تغطية نفقات المرتزقة الذين يعملون لمصلحة واشنطن وتل أبيب.

جو بايدن، وان كانت سيرته الذاتية حافلة بالمواقف الممالئة لاسرائيل، حتى أنه تمنى في كلمة له أمام الايباك لو ولد يهودياً، لا يميل الى التدخل المباشر في الأزمات المعقدة. القيادة من الخلف. هذا يمكن أن يفضي الى حصول تفاهم بين الأميركيين والروس حول سوريا لا بد أن تتلقفه فرنسا التي، اذ تريد أن يكون لها موطئ قدم في الشرق الأوسط، تتملكها الهواجس من الصهيل العثماني الذي يهدد مصالحها في أكثر من مكان.

هذا لا يعني أن الرئيس بشار الأسد على استعداد لتحويل بلاده الى مسرح للصراع الفرنسي ـ التركي. الاليزيه يدرك ذلك. يقتضي التريث الى أن تدق ساعة ادلب. بعد ذلك لكل حادث حديث.

حين تكون الطرقات مفتوحة بين باريس وطهران، لا بد أن تفتح، ذات يوم، بين باريس ودمشق. كل شيء ينتظر رحيل قاطع الطرق من البيت الأبيض…
الديار