الثلاثاء , سبتمبر 22 2020

ناشطون حلبيون ينشئون “مصنع أكسجين” لدعم العلاج المنزلي لمصابي كورونا…

في ظل الحصار الغربي الخانق الذي طال القطاع الصحي السوري مستكملا التدمير الإرهابي الممنهج للبنى التحتية الاستشفائية في البلاد خلال سنوات الحرب، جاءت جائحة “كوكورونا” لتكشف عن حجم القصور الحاد الذي يعانيه قطاع الصحة.

خلال الأسابيع الماضية، امتلأت المستشفيات العامة القليلة التي لم يستطع التدمير الوصول منها، كما مراكز العزل الصحي التي تم استحداثها مؤخرا، إلى جانب المستشفيات الخاصة التي امتلأت أسرتها وأجنحتها بمرضى الفيروس.

هذه الضغوطات الاستثنائية، دفعت السوريين إلى اللجوء لعلاج أنفسهم أو ذويهم من فيروس كورونا ضمن البيوت، وذلك بالتزامن مع ما أطلق عليها طبياً “مرحلة الذروة” التي شهدت انتشاراً سريعاً للفيروس في البلاد، وأصبح من الصعوبة بمكان تأمين سرير لمريض داخل أحد المستشفيات.

ناشطون سوريون من حلب، ذهبوا إلى اصطناع معمل شبه بدائي لاستخلاص الأكسجين من الهواء، في مسعى لتلبية حاجة المرضى في المنازل إلى (منافس) هي الأخرى تم اصطناع نماذج يدوية منها كحل سريع لتلافي مخاطر الموت التي تلاحق مصابي الفيروس.
مشاف منزلية

يرتب التطبب خارج المشافي العامة أعباء مالية ضخمة يتكبدها السوريون لتأمين الأدوات الطبية اللازمة لمراقبة وعلاج المصاب بفيروس كورونا، في ظل فقدان هذه الأدوات من الأسواق وقصور القدرة المعيشية للغالبية الساحقة من الشعب السوري بفعل العقوبات الغربية القسريّة وما يسمى قانون “قيصر” المفروض على سوريا.

ولعل الصعوبة الأكبر التي واجهت ذوي المرضى هي تأمين أسطوانات الأكسجين التي تعتبر أساسيّة في المراحل الخطرة من العلاج، حيث يعمل الفايروس على مهاجمة الخلايا الرئويّة لدى المريض، الأمر الذي يؤدي إلى هبوط في معدل أكسجين الدم ما قد يسبب مشاكل كبير وخطيرة لباقي أعضاء الجسم في حال عدم تزويد المريض بكمية الأكسجين المناسبة والكافية.

في ضوء هذه الضغوطات والصعوبات التي تواجه المجتمع السوري والقطاع الصحي المتعب أساساً بعد سنوات الحرب، أطلقت العديد من المجموعات الشبابية والمجتمع المدني مبادرات رامية لتقديم المساعدة والوقوف إلى جانب مرضى فايروس كورونا عبر تزويدهم بالأدوية وأجهزة المراقبة وأسطوانات الأكسجين مجاناً، حيث شهدت مدينة حلب العاصمة الصناعية السورية ولادة مثل هذه المبادرات التي كان لها يدّ طولا في المساهمة بشفاء العديد من المصابين، وكان أبرزها مبادرتي “درب حلب” و”شهيق وزفير”.
درب حلب ومشيتو… كلو شجر زيتون

“لطالما كانت الأشجار رئتين تتنفس منها المدن الكبرى، وهي الأشجار التي غنى لها المطرب الحلبي الكبير صباح فخري”، يقول شفيق الحريري أحد القائمين على مبادرة “درب حلب” لـ “سبوتنيك”، ويضيف أنَّ “المبادرة بمثابة رئتان تساعد مرضى فايروس كورونا في تنفس الأكسجين مثل أشجار حلب التي تزود المدينة بالأكسجين النقي، ومن هنا جاءت التسمية درب حلب”.

ويتابع بالقول “فكرة المبادرة جاءت بعدما لمسنا عدم قدرة المشافي على استقبال المزيد من مرضى فايروس كورونا، في ظل انتشار الوباء ووجود نقص في مادة الأكسجين، فانطلقت مبادرتنا بجهود أهلية فردية، بهدف تأمين الأكسجين مجاناً للمصابين، والوقوف إلى جانب القطاع الصحي السوري الذي يعاني من آثار العقوبات القسريّة وما يسمى قانون قيصر”.
أكسجين على مدار الساعة

ويوضح الحريري خلال حديثه لـ سبوتنيك، أنَّ عمر مبادرة “درب حلب” أصبح حوالي 20 يوماً استطاعت خلالها تأمين الأكسجين لما يقارب الـ 17 حالة مصابة ضمن مدينة حلب، شملت تقديم أسطوانات الأكسجين وتبديلها وتعبئتها وتوصيلها بالمجان وعلى مدار الساعة، وأضاف “لدينا الآن حالتي شفاء من المصابين الذين استفادوا من خدمات المبادرة”.

وبحسب إحصائيات وزارة الصحة السورية فإن حصيلة الإصابات المسجلة بفايروس كورونا في محافظة حلب وصلت حتى تاريخ إعداد التقرير إلى 533 إصابة شفي منها 54 وتوفيت منها 12 حالة.
شهيق… زفير

وعلى خطى “درب حلب” تأتي مبادرة “شهيق.. زفير” إحدى أشهر المبادرات التي ظهرت في مدينة حلب خلال ما تسمى مرحلة الذروة أو الانتشار السريع لفايروس كورونا، يقول منتصر كيالي أحد مؤسسي المبادرة لـ”سبوتنيك” إنَّ “المبادرة نشأت كتعبير عن الشعور بمرضى فايروس كورونا والمعاناة التي يعيشونها خلال رحلة العلاج خاصة في الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد، وما يعانيه القطاع الصحي من آثار العقوبات القسريّة الظالمة”.

وأضاف أن المبادرة بدأت بخمس أسطوانات أكسجين قُدمت من متبرعين حلبيين، لتصبح اليوم حوالي 29 أسطوانة، حيث ساعدت المبادرة حتى الآن حوالي 50 حالة مصابة في مدينة حلب من خلال تقديم الأكسجين مجاناً، ومداورة الأسطوانات بين المرضى بعد التماثل للشفاء.

ويتابع كيالي بالقول لـ”سبوتنيك”: “هناك بعض الحالات كنّا نزودها بأكثر من أسطوانة أكسجين، وذلك تبعاً لدرجة الحاجة ومعدل الأكسجين في الدم الذي يجب أن تكون درجته فوق الـ 92 على جهاز قياس الأوكسيمتر” لافتاً إلى أن عدد المستفيدين اليومي وصل إلى 15 مريضاً.

وتقدّم مبادرة “شهيق وزفير”، المكوّنة من 15 متطوع بينهم أطباء وصيادلة ومن مختلف التخصصات والشرائح الاجتماعية، خدمات أخرى مجانيّة بالتعاون مع المراكز الطبيّة في مدينة حلب مثل التحاليل والتصوير الشعاعي والاستشارات الطبية.
امتنان شعبي

بدوره عبّر أحد المستفيدين من مبادرة “شهيق وزفير” لـ “سبوتنيك” عن فرحته وإعجابه بالعمل الإنساني الرائع الذي تقوم به هذه المبادرات، مشيراً إلى أنها أصبحت ملجأً لكل مصاب بالفايروس للحصول على المساعدة بظل الانتشار السريع للوباء خلال الفترة الماضية، ويتابع بالقول “تبيّن أن أحد أقربائي مصاب بفايروس كورونا، وعليه قمت بالتواصل مع مبادرة شهيق وزفير ومباشرة تم الاستجابة وخلال أقل من ساعتين كانت أسطوانة الأكسجين لدى المريض وبدأ باستخدامها، وكانت المساعدة الأكبر عندما تفرغ الأسطوانة حيث يقوم متطوعو المبادرة باستبدالها مباشرة دون أن ينقطع الأكسجين عن المريض، وجميع هذه الخدمات بالمجان”، وختم حديثه بالقول “لا أستطيع أن أعبر عن امتناني لهم وعلى كل المساعدة التي قدّموها ويقدمونها لجميع المرضى ويساعدونهم على الوصول إلى الشفاء التّام”.

يذكر أن، مبادرات الأكسجين في حلب أطلقها المجتمع الأهلي تلبيةً لاحتياجات المصابين بفايروس كورونا بعد تفشي الوباء في عموم البلاد وعدم قدرة المشافي على استيعاب جميع المرضى، إلى جانب ارتفاع سعر أسطوانات الأكسجين بشكل كبير ليتجاوز سعرها 700 ألف ليرة، بعد أن كان يتراوح بين 25 إلى 50 ألف ليرة سورية.
سبوتنك