الأحد , أكتوبر 25 2020
هكذا تبخر القمح السوري!

هكذا تبخر القمح السوري!

هكذا تبخر القمح السوري!

القمح لا يتبخّر أبداً..إلّا أن الأرقام هي التي تتكاثف وقد تكاثفت وتكاثفت حتّى “أمطرت” في قاعات الاجتماعات الرسمية على مدى سنوات مضت، حين كانت تقديرات موسم القمح ” سر الأمن الغذائي في سورية” تصل إلى 4 مليون طن..لتكون الصدمة بأن مكنة الحصاد والجنى التي لا تعرف الكذب ولم يُلقنها صانعوها حصاد الهواء..فتكون الحصيلة على الأرض أقل من مليون طنّ..

وقد كانت هذا العام أقل بكثير ” حوالي 700 ألف طن” فيما زفّت لنا وزارة الزراعة البشرى السعيدة قبيل الموسم خلال مؤتمر الحبوب، بأن التقديرات تلامس الـ 3,5 مليون طن..وبالطبع تواضعت الوزارة ونزلت إلى هذا الرقم بعد تجربة صادمة في العام الماضي عندما بشرتنا بأكثر من 4 مليون طن ..وكانت الحصيلة مخزية بالفعل؟؟

أين يتبخّر القمح في سورية..هو السؤال الملحّ جداً الذي يبحث عمن يجب عليه بلا مخاتلة ولا لعب على الألفاظ والأرقام..؟؟

الواقع أن المشكلة تبدأ منذ لحظة اعتماد الخطّة الزراعية، وهي تقليد سنوي بغيض تتفرّد وزارة الزراعة به، وتدفع بأوراق خطتها فيما يشبه ” الطلاسم” إلى مجلس الوزراء ليعتمدها في سياق جلسة عادية وليست خاصّة، أي بند الخطة الزراعية هو أحد بنود جدول أعمال الجلسة..ولا بد من اعتماده روتينياً، والمصادقة على ما يتأبطه الوزير ويضعه على طاولات الاعتماد ثم القرار..

أي باختصار كانت الخطة موضع انتقاد كل الخبراء، لكنها لم تكن يوماً موضع انتقاد أي من الحضور في الاجتماعات الرسمية ، ولا سيما مؤتمر الحبوب الذي ينعقد سنوياً لإقرار خطة استلام المحصول.

الخلل الثاني ..يتمثّل في عدم قدرة مؤسسة الحبوب” الأقماح” من الناحية الفنيّة على الاستقطاب الكافي للفلاح من أجل تسليم محصوله، فعلى أبواب المراكز حصل ما يدهش فعلاً من روتين وابتزاز..ليكون الخيار الآخر أمام الفلاح هو الذهاب إلى أقرب تاجر، ويقبض ثمن محصوله مع ” بوسة شوارب”..والتجار ينتظرون بفارغ الصبر وبجعب مليئة بالمال الجاهز للدفع كاش بلا تأجيل ولا واسطة.

الخلل الثالث..هو دخول منظم – ومموّل ربما – لأطراف تجارية تعمل بدوافع سياسية، تتعمد زيادة سعر الكيلو غرام من القمح أكثر مما تدفعه الدولة ممثلة بمؤسسة الأقماح ” الحبوب سابقاً”..وقد تم رفع سعر الكيلو رسمياً خلال هذا الموسم إلى 400 ليرة، واعتقدنا أن القمح سيتدحرج إلى صوامع و إهراءات الحكومة تلقائياً..لكن هناك من أعطى علاوات وزاد ثم زاد، ووصل السعر إلى 800 ليرة وحجب المحصول عن عنابر الحكومة.

الخلل الأهم..هو افتقار الجهات الرسمية ذات الصلة – كل الجهات – إلى الديناميكية المطلوبة في التعاطي مع الفلاح..كذلك ضعف إجراءات ضمان الاستلام ..إن كان عبر الاستقطاب الطوعي أو عبر الإلزام..كما هو الحال بالنسبة لمزارعي التبغ.

وبالفعل ما زال الموظف الحكومي يتعاطى مع الفلاح خلال تسليم الموسم..كما كان يتعاطى عندما كان إنتاج سورية 5 مليون طن، وتقوم بتصدير القمح بخسارة عن أسعار الاستلام، ولم يكن لدى الفلاح خيارات أخرى كما هو عليه الحال..والنتجة أن الفلاح هرب من الروتين أو تسلل إلى أحضان من يدفع أكثر..خصوصاً و أن أحداً لا يملك نفي حالات فساد تعتري سنوياً عمليات التسليم واستلام المحصول.

الآن هل سنستدرك ..وكيف سنستدرك ؟؟

بالتأكيد لدى المهندس حسان قطنا وزير الزراعة الجديد رؤيته النابعة من وحي خبرته، فهو أكثر من كان ملحاً في توثيق الملاحظات على كل تفصيل من التفاصيل الخاطئة التي كانت تعتري أداء وزارته سابقاً، في معظم المجالات ونها قطاع القمح من الخطة حتى استلام المحصول.

البداية مبشّرة..فبالأمس أكد الوزير على زراعة أكبر مساحة ممكنة بالقمح لهذا العام مع السماح بتجاوز النسبة المحددة ضمن الدورات الزراعية، نظراً لأهمية الحصول على أكبر إنتاج ممكن من هذا المحصول باعتباره أحد المحاصيل الإستراتيجية التي توفر الأمن الغذائي الوطني.

واختار الوزير نقطة ” الفوكس” في المسألة ..عندما ذهب خلال اجتماعه في مديرية زراعة حمص، ليؤكّد أن الهدف من الاجتماع هو الاطلاع على المساحات المخططة لمحصول القمح للموسم الزراعي 2020- 2021 ومناقشة الخطة الزراعية لهذا المحصول والتوجيه باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لزراعة أكبر مساحة ممكنة..ونكرر ” الخطّة الزراعية”.

نعم ثمة خطّة زراعية معدلة عن الأخرى التي تم اعتمادها في جلسة مجلس الوزراء منذ فترة، وكانت ستؤسس لنفس الخطأ وذات المشكلة التي و سيتم عقد اجتماع للجان الزراعية الفرعية وعرض الخطة البديلة مع تحديد مستلزماتها ورفعها إلى وزارة الزراعة قبل يوم الثلاثاء القادم تمهيداً لعرضها في مجلس الوزراء والحصول على موافقته على الخطة الإنتاجية المعدلة التي سيتم من خلالها تحديد المساحات الجديدة المقرر زراعتها بمحصول القمح للحصول على أكبر إنتاج ممكن منه.

الوزير بدا مصراً على المعالجة الشاملة والمتكاملة لهذا القطاع الواهن..عندما أشار إلى أنه تم وضع إطار متكامل لإعداد استراتيجية متكاملة لإعادة النهوض بالقطاع الزراعي على مستوى كل محافظة بحيث يكون هناك رؤية واضحة لكيفية إعادة القطاع الزراعي للنهوض وتحديد مستلزماته إلى أفضل مما كان عليه قبل عام 2010 وتجاوز كافة السلبيات التي كانت تواجهه وإعادة بنائه على أسس علمية ومبتكرة وجديدة تستند إلى نتائج البحث العلمي الزراعي والدراسات التي ينفذها الخبراء والمهنيين بالقطاع.

الخبير السوري

اقرأ ايضاً: «التموين» تخفّض كميات بيع الخبز خارج البطاقة إلى النصف