الأحد , أكتوبر 25 2020
أسرار دمشق كما يوجزها نبيل صالح

أسرار دمشق كما يوجزها نبيل صالح

أسرار دمشق كما يوجزها نبيل صالح

ودمشق حكاية ودمشق رواية، سيف ووردة، وسوق يروض الطوائف ويجمع الأعداء كما لو أنهم أصدقاء.. ودمشق ماء في المآقي وسرٌّ كامنٌ تحت أساسات الجامع الأموي لا يدركه غير الأخيار والأبدال؟

آرامية يونانية رومانية عربية، إسلامية مسيحية يهودية وثنية، جعلها الرب داراً لرجل وزوجه وإبليسها بعد ترحيلهم من جنته وخلوده ونقائه.. للذهب والفضة تخشع وبهما تروض غزاتها وتقلم أظافرهم كما لو أنهم بشر؛ أهلها يحملون سرها ولا يدركونه لأن العصبية تشوش الرؤية والمال يعدمها، وسيأتي في يوم ما دمشقي ليس من دمشق فيكشف سرها ويقتلونه كما قتل ابن عربي، ليبقى السر موجوداً وغير ظاهر كأساسات الجامع الأموي التي بناها أتباع الإله حدد ..

وكان الشوام يوماً وثنيين متعصبين لآلهتهم الآرامية، ثم صاروا يهوداً متعصبين ليهوه، ثم غدو مسيحيين متعصبين لابن الرب، ثم مسلمين متعصبين لفرع أمية، لكنهم من غير أن يدركوا كانت نعومة السوق وتوازناتها هي ما يشكلهم، السوق الذي كانت تمر عبره قوافل كل الأمم وبضائعها وثقافاتها، فتعطي دمشق وتأخذ منها كما يأخذ بردى من أمطارها وأكسجين هوائها ويعطيها روائح نباتاته وزهوره وأشجاره عند منبعه ورائحة مجاريرها في منتهاه، بردى ككائن يولد عذبا قي الجبال ويشب هادرا في الوديان ويشيخ مالحا في بحيرة العتيبة لينتهي جثة عاتبة على الذين شربوا من مائه ثم خانوه..

لا يوجد شوام في الشام، هذا إذا صح قول علماء الآثار من أن دمشق بعد العصر الجليدي كانت بحيرة قبل أن تجف وتغدو واحة، إلا إذا صدقنا داروين بأن أسلاف الشاميين كانوا أسماكاً في هذي البحيرة ثم ارتقو حتى غدو بشراً سويا.. أما إذا عدنا إلى علماء الآثار فإن هجرات الإنسان الأول جاءت إلى ضفاف بحيرة دمشق من يبرود، فسكنو الكهوف على ضفافها كما في معلولا وصيدنايا وبرزة ثم حرستا فجوبر .. ثم جفت البحيرة بعد آلاف السنين وانوجدت واحة دمشق التي تشبه جنة آدم وحواء، تجري الأنهار من تحت غوطتها، فاستقطبت أطماع الأمم من كل حدب وصوب: غزاة وقوافل تجار، علماء وأطباء ولصوص، حواة وأنبياء وآلهة، وفدو إليها مع العموريين والكنعانيين والكلدان والسريان، ومع الفراعنة المصريين والآشوريين والآراميين والبابليين ثم السلوقيين والبطالمة والأنباط فالرومان، أمويون فعباسيون طولونيون فإخشيديون حمدانيون ففاطميون سلاجقة فنوريون وأيوبيون مغول ومماليك فعثمانيون فأرناؤوط .. جاؤوها من كل فج عميق، وكلهم باتو دمشقيون ليسو من دمشق، حكموها وأقامو أسواقها وبنو المدينة من حولها كرقعة الشطرنج، ثم رفعوا سوراً يحمي فسيفساء القوميات والأديان والطوائف والعشائر المختلفة ويوحدها أيام الخوف: منذ الملك رزين وابنه حزيون وحفيده طاب ريمون وابنه حدد الأول فالثاني فالملك حزائيل المقاتل الجبار «الذي كان يركع له الفرسان ويمسحون الغبار عن حذائه» ثم جاء ملوك آشور مع تغلات فلاصر الذي قتل رصين الآرامي وأنهى حكم الآرامين، ولكنه استمر في استخدام خططهم الهندسية وسياستهم الاقتصادية، فتغير الحكم وبقيت الثقافة الآرامية التي وسمت دمشق الأولى وكانت لغتها شفاها وكتابة، الآرامية التي اشتقت منها اللغتين العبرية والعربية، وبدأ تعريب المدينة مع مجيء الملك الغساني النبطي الحارث الثاني فالثالث أيام اليونانيين، حيث دخلت دمشق تحت حكم اليونانيين من السلوقيين والبطالمة الذين جلبو معهم مدارس الألعاب الأولمبية والراقصات وبنو الحمامات والمسارح وأنشأوا شبكات المياه ورصفوا الطرق وشقوا الشارع المستقيم الذي اسمه اليوم مدحت باشا وصارت دمشق تتكلم اليونانية وتناقش مذاهبها الفلسفية في مدارسها وأكاديميتها حوالي أربعة قرون.. وبعدهم جاء بيزنطين الروماني فبنى معبد جوبتير فوق معبد حدد الآرامي ثم قامت كنيسة يوحنا فوقه بعد دخول روما في النصرانية وتحولت أخيراً إلى مسجد زمن معاوية بن أبي سفيان بعد منازعات طويلة مع مسيحييها..

إذن لا يوجد دمشقيين في دمشق: فقد سكن اليونانيون في حي خاص بهم إلى جوار السريان ثم جاء العرب الأنباط فأقاموا حيهم فاليهود والأرمن والرومان كذلك، ثم أقام المسلمون العرب والتركمان والشركس أحياءهم قبل أن تنقسم إلى حي للشيعة وآخر للسنة إلى جوار حيي اليهود و المسيحيين في شكل متصالب مركزه الكنيسة المريمية والمأذنة الوحيدة في العالم التي لاتمتلك جامعا، كوثيقة صلح بين خالد بن الوليد والقمّص الذي فاوضه على حياة المسيحيين واليهود قبل أن يفتح باب دمشق الشرقي لغزاتها المسلمين .. إذن منذ البداية حكم دمشق وشكلها دمشقيون من خارجها فأقاموا داخل السور مع عائلاتهم وحاشيتهم وجواريهم وعبيدهم وأقطعوا قادتهم العسكريين وعشائرهم المقاتلة القرى المحيطة بدمشق: فجاء الأرمن مع القائد تيغران الكبير واليهود مع داود والمسلمون مع أبي عبيدة وخالد فمعاوية وسلالته الأموية ثم موسى بن يحيى البرمكي زمن العباسيين فالسندي بن شهيد فعيسى بن محمد النيسابوري ـ وكلهم ليسو من دمشق ـ ثم جاء عصر المماليك فحكمها أماجور ولؤلؤ وطغج والإخشيد وألب طغين ويلكتين التركي فبكجور ـ منجوكين ـ تزمالت ـ يوسف بن يروخ ـ أنوشطكين ـ سبكتكين ـ أتسز ـ سوتكين فسلالة الزنكيين فالأيوبيين وبعده جاء هولاكو فبيبرس وأيبك وأقوش والظري وآيدمير وسنقر وطرنطاي والكثير من الشركس الممماليك: كشك وأقوش ويلبغا وأرغون وأرقطاي وقتلجا ومنجك وتيمور وآقباي وجقمق وكنباي وقانصوه وجنبلاط وسودون وجانبردي، وأغفلنا أكثر من هذا العدد من الحكام الذين بذروا سلالاتهم أيضا داخل السور قبل أن يأتي القادة العثمانيون ويخلفوا سلالات جديدة من الدمشقيين: سنان وكشك وسلحدار وأرسلان وأوغلو وأرناؤوط وعثمان زاده أيدن وطوبال وأحمد باشا الجزار (حكم دمشق 4 مرات) ثم إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا الأرناؤطي ومحمد باي وميرزا سعيد باشا وعشرات الباشوات العثمانيين الذين أخذت أحياء دمشق وأسواقها أسماءهم وتعتبر سلالاتهم اليوم من أقوى العائلات الدمشقية التي كانت داخل السور ممن كانو ينظرون بعنصرية وفوقية إلى فلاحي الأرياف المحيطة التي سكنها العسكر وباقي بيادق الأمم التي غزت دمشق وحكمتها، فبقى الريف عالماً ساكنا لا يتطور، يفتقر إلى المدارس والمشافي والأسواق والحمامات والخانات والطرق والأسوار وظل الدين هو ما يحرك هذه الجموع الأمية حتى اليوم، الدين الذي كان يشكله الكهنة بما يناسب السلطان وإقطاعييه الذين يقع على عاتقهم سوق فلاحيهم إلى القتال أيام الحرب واستغلال جهدهم وغلالهم في السلم..

إذن دمشق الواحة كانت معبر القوافل ومكان التقائهم وتبادل بضائعهم وحكاياتهم، فتطورت التجارة فيها إلى درجة أنه وجد داخل السور أكثر من 45 سوقاً كانت الضامن الأساسي للتعايش تحت ضغط مصالح الأمم المختلطة التي تعيش في أحيائها المتداخلة، فكانت دمشق أشبه برحم يستقبل بذور الجميع لينتج أذكى وأنجح تجار العالم.. التاجر الساحر الذي قد يخسر جزءاً من أرباحه أثناء الأزمات وركود السوق ولكنه لا يفلس أبداً، هل سمعتم بتاجر شامي أعلن إفلاسه؟ إن هذه البراعة هي التي أوجدت سلطة غرفة تجارة دمشق التي لم تحتج يوماً إلى بورصة بعكس كل أسواق العالم، وهذا مقال آخر قد نكتشف أسراره فيما بعد..

غير أن هذه القوميات والطوائف، داخل السور بقيت رهينة عنصريتها الشرقية، فلم يكن هناك تزاوج إلا بين الحكام والأمراء بهدف التحالف التجاري والعسكري، وداخل الطائفة الواحدة بين الرعايا، وبقي النفاق الاجتماعي الذي تضبطه السوق هو السائد، كما بقي الإله هو المحرك لأخلاقيات السوق، حيث كل مجموعة عرقيه أو دينية كانت تضع رأسها وأيديها في السوق وتسند أقدامها على جدار معبدها الذي ينهض في نهاية كل سوق سواء كان كنيساً أم كنيسة أم جامعاً، فكانت السوق هي الكعبة التي يتفيأ بظلها الجميع، وكانت تسمن وتغنى مع كل قافلة تجارية تعبرها، وتفقر مع كل غزو جديد.. وهكذا امتزج الاقتصاد بثقافات الأمم وأزيائها ومطابخها وأنتج الشخصية الشامية الفريدة من نوعها والتي توحد أهلها عنصرية داخل السور وتفرقهم العبادات، كما بقي خارج السور خاضعاً لسيطرة زعماء العشائر والقبائل، يحكمونه بالعسف والجشع ويشترون سلطاتهم من داخل السور بما يجمعونه من عرق الفقراء وتعبهم، حتى جاء حزب البعث، وهذي قصة أخرى.. وبدورهم كان حكام وأمراء دمشق يحرصون على ألا يقوى أي من زعماء وفتوات البلدات المحيطة بما يتجاوز قوة الحاكم، وهكذا كانوا يضربونهم مع بعضهم بالعصبيات تارة وبتداخل الأراضي الزراعية تارة أخرى، وهذي سياسة اخترعها الخليفة معاوية الذي كان يؤلب القيسيين على اليمانيين فتنشب المعارك بينهم حتى قيل أنه قتل في أحد معاركهم أكثر من 18 ألفاً في ضاحية المزة..

والواقع أن ثقافة سكان ريف دمشق لم تتطور كثيراً، منذ أن كانت دمشق بحيرة يحيطون بها ويستثمرون غاباتها، فكانوا وثنيين كما في برزة ويهوداً كما في جوبر ثم مسيحيين في صيدنايا ومعلولا وعربين ثم إسلاماً أميين لم تخرج منهم أي شخصية مهمة تركت بصمتها التاريخية.. وهذا ينعكس على سلوك المتمردين ضد الدولة اليوم، إذ بدأت الإحتجاجات في سوق الحريقة الدمشقي بشكل سلمي ومدروس، وبعدما تلقفها ريف دمشق حولها إلى تمرد غاضب يحرق المؤسسات ويعتدي على موظفي الدولة أولاً ثم مسلح ثانياً، فأحجمت عنه المدينة الدمشقية، وكانت نقطة الافتراق بعد مرحلة الإضراب الإجباري حيث رفع المسلحون الريفيون شعار “إغلاق أو إحراق” فأرعبوا السوق الدمشقي العريق بغبائهم وسوء ارتباطاتهم الخارجية، حيث اكتشف الشوام أن أغلب الريف قد بات يدين بالوهابية السعودية بعدما ابتعد عن الإسلام الشامي المعتدل الذي أنتجته ثقافة دمشق عبر 1400 سنة من الترويض للجانب البدوي العنيف في الإسلام.. وخلال العامين الماضيين ارتد الريف بضعة قرون إلى الوراء بعدما أغلق “جهاديوه” مدارسه وجامعاته ونهبو مشافيه ودمرو مصانعه ومراكز البحوث فيه وأحرقو محاكمه ومقاسمه وقتلو وهجروا الخبرات الوافدة إليه، ولم يتركو من بقايا الحداثة سوى الأسلحة والمفخخات وأجهزة الإتصال بمحطة الجزيرة القطرية !؟ لقد حكم هذا الريف على نفسه بالذبول وقريبا باليباس والإختفاء بعد نصف قرن من العمل على محاولات إدخاله في النسيج المدني الدمشقي … لقد انتصر رعاعه على كائناته العاقلة التي فرت هي الأخرى بعيدا عنه..

وبامتناع دمشق عن الاستمرار في الحراك، الذي بات يديره مؤدلجو الإسلام السياسي الإخونجيين مدعومين من العثمانيين الجدد والوهابيين السعوديين والقطريين ودخول القادة الصليبيون على الخط، السادة الذين يحمون وجود إسرائيل منذ نصف قرن، تشعب التمرد وتشظى ولم يعد هناك أي شيء يشبه الثورة، فقد افتتح صندوق الشرور ورأى الدمشقيون ما فعله ثورجيو الأرياف بمصانع حلب وأسواقها، فزاد نفورهم وإحجامهم بما فسره المتمردون بوقوفهم إلى جانب السلطة.. السلطة البعثية التي تحالفت مع غرفة تجارة دمشق فأبقت على حيويتها زمن الأسد الأول وزادت في انفتاحها زمن الأسد الثاني، كما توقفت ثورة البعث عند أبواب الأوقاف، التي تمتلك ربع عقارات العاصمة وريفها، ولم تتدخل في شؤونها، بل وشجعت على بناء المزيد من المعاهد والجوامع والأسواق والتوسع خارج السور إلى أن تحولت دمشق القديمة إلى مجرد متحف وبيوت أكابرها إلى مطاعم ومقاهٍ ونوادٍ للسهر بعدما خرج أعيان دمشق وأكابرها للسكن في الأحياء الجديدة خارج السور واكتفوا بالدعوة للحفاظ على المدينة القديمة كإرث من الماضي المجيد..

فدمشق إذن حكاية ودمشق رواية، سيف ووردة، وسوق يروض الطوائف ويجمع الأعداء كما لو أنهم أصدقاء.. ودمشق ماء في المآقي وسرٌّ كامنٌ تحت أساسات الجامع الأموي لا يدركه غير الأخيار والأبدال؟
ملاحظة: آخر الهجرات إلى داخل السور كانت هجرة الفلسطينيين الذين أسكنهم الرئيس حافظ الأسد في حي اليهود بعد سماحه بهجرة الأخيريين في ثمانينيات القرن الماضي، حيث رأى أن من حق الفلسطينيين الذين شردهم اليهود من فلسطين أن يسكنوا بيوتهم في دمشق، لكن هذي البيوت مازالت في القانون ملكاً لأصحابها من الدمشقيين اليهود ..

تنويه: ليس الدمشقيون فقط، وإنما سائر السوريين أيضا يحملون قدرا من العنصرية القومية والدينية والعائلية والطبقية والعرقية و العنصرية الجغرافية بين مدينة وأخرى وحتى بين أهالي “باب الحارة” ضد حارة الضبع المتفقتان على كراهية الفرنسي في المسلسل الخليجي الذي يمثل فيه السوريون جميعا.. إنه الخوف التاريخي من الآخر المتفوق الذي يحمل جديدا يهدد كيان وقواقع المحافظين بيننا ..

نبيل صالح _ موقع الجمل

اقرأ أيضا: ليس على مواليد هذه الأبراج الـ 3 الشعور بالقلق.. الحظ إلى جانبهم