السبت , أكتوبر 24 2020
حروب

سامي كليب: المنطقة على صفيح ساخن!

سامي كليب: المنطقة على صفيح ساخن!

سامي كليب

 

انتهت سريعا مفاعيل مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في لبنان، وفهم الرجل على الأرجح انه لم يحن الوقت بعد للسماح للبنان وسوريا بالانتعاش. فصراع المحاور على اشُده قبل معركة الانتخابات الرئاسية الأميركية المفتوحة على كل الاحتمالات الخطيرة في الداخل الأميركي والخارج، والأمل الذي كان قائما حول إمكانية تفاوض إيراني مع الرئيس دونالد ترامب قد طوي نهائيا على الأقل حتى الانتخابات.

تتحرك الساحات الثلاث في لبنان وسوريا والعراق على وقع واحد، مع اختلافات بسيطة. وفي هذه الساحات يتجدد شبح الانزلاق الى حروب صغيرة بين المحورين الأميركي والإيراني من خلال حلفاء الطرفين. ففي أقل من أسبوع صدرت أربعة تحذيرات جدية حول احتمل التوتر العسكري:

أولها من الرئيس الفرنسي الذي استخدم لغة التأنيب والاستعلاء المُفرطين ضد كل الطبقة السياسية ليصل الى الجوهر وهو تحميل حزب الله وحركة امل المسؤولية الأهم في التعطيل، واتهام الحزب بترهيب الناس، وخصوصا القول بان ثمة احتمالين فقط اما الحرب الاهلية او القبول بالخطة الدولية الممثلة بالمبادرة الفرنسية.
ثانيها من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي هدّد بـ”هجوم استباقي ضد إيران قبل ان تنتشر عند الحدود الشمالية لإسرائيل”، وعرض صورا قال انها لمستودعات صواريخ تابعة لحزب الله في منطقة الجناح المجاورة للسفارة الإيرانية، وهو ما اخذه حزب الله على محمل الجد وقاد مجموعة من الإعلاميين الى عين المكان لتكذيب رواية نتنياهو.
ثالثها من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي قال :”يوجد لفيف من اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين والمتنوعة التسليح، والأحزمة الناسفة، ولكن الأخطر هي مدافع وقذائف الهاون وصواريخ الـ”لاو”، وهذا يعني أن هذه المجموعات لم تكن تَتحضّر لعمل انتحاري هنا أو هناك فقط، أو لعمليات صغيرة أو محدودة هنا أو هناك فقط، وإنما كانت تُحضّر نفسها لعمل عسكري كبير”، متهماً أميركا بإحياء “داعش”، وشاكرا على نحو لافت فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي (القريب من تيار المستقبل)، كما باقي المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية.
رابعا من سفير غربي في بيروت قريب من المبادرة الفرنسية حيث يقول ان المستقبل القريب خطير جدا، وهو ما وافقه عليه سفير عربي فاعل في بيروت يعتبر ان لا حلول حتى فترة بعيدة، ذلك انه بعد الانتخابات الأميركية ستكون انتخابات إيرانية وأخرى سورية، وانه من الصعب التفكير باستقرار في لبنان قبل كل ذلك.

ما تقدم يشير الى ان المنطقة على صفيح ساخن، وان الحروب الصغيرة محتملة جدا، حتى ولو تم استبعاد حرب كبيرة لان لا أحد قادرا اليوم على تحمّل تبعاتها الكوارثية، ثم لان إسرائيل تربح في الزمن الحالي اكثر مما ربحته في الحروب لجهة توسيع جبهة التطبيع العربية

لنطرح هذه الأسئلة:

إذا كان المطلوب الاستمرار بتطويق حزب الله وإيران، وإذا كان الحزب وبيئته هما حتى الآن الأفضل اقتصاديا بسبب استمرار تدفق الدولار بنسبة اقل من السابق ولكن على نحو كاف، فهل ثمة شك بان التوجه المقبل سيكون نحو احراجه امنيا عبر انعاش مجموعات مقاتلة أو ذئاب منفردة وضالة على طول الساحة اللبنانية، واحراجه شعبيا وسياسيا عبر عودة الأصوات المطالبة بنزع سلاحه والحياد وتحميله مسؤولية التدهور الإقتصادي والمعيشي والأمني؟
إذا كانت التصريحات الرسمية الإيرانية الأخيرة قالت إن “ترامب لا يفهم طبيعة العلاقات الدولية والعلاقات الأميركية الإيرانية، ولن يفهم مستشاروه ما حدث. ولم تكن وليست هناك مفاوضات ولن يتم ذلك”، فكيف ستتصرف طهران وترامب في ما بقي من أسابيع قليلة قبل ٣ تشرين الثاني/نوفمبر موعد الانتخابات الأميركية؟ هل يلجأ احد الطرفين الى عمل عسكري محدود؟ قد لا يكون من مصلحة ايران الذهاب نحو التصعيد، ذلك ان ترامب قد يلجا الى اعنف رد حتى لو اضطره الى استخدام السلاح النووي كما يقول سفير عربي ناشط، فماذا لو قرر الرئيس الأميركي في الأيام الأخيرة نقل المعركة الى الخارج اذا ما تأكد من ان ذلك يساعده في الداخل؟ وماذا لو أقدمت إسرائيل على ذلك لاعتقادها بان عودة الديمقراطيين الى البيت الأبيض ستحرمها من الفرصة الأخيرة لرفع مستوى التصعيد ضد ايران ؟
ثم ماذا عن العراق؟ اميركا هدّدت بإغلاق سفارتها في بغداد ردا على الهجوم الذي تعرضت له السفارة الأميركية؟ ايران سارعت الى نفي مسؤوليتها، بينما قال تقرير لجنة الامن والدفاع في البرلمان العراقي ان اميركا “باتت اليوم الداعم الرئيسي لحكومة الكاظمي في محاربة مطلقي الصواريخ الذين هم اخطر من تنظيم داعش”. حصل ذلك فيما اثير جدل كبير ومريب بعد اتهامات وجهها رئيس تحرير صحيفة “كيهان” الإيرانية للمرجع العراقي آية الله السيد علي السيستاني، ثم سارعت الخارجية الإيرانية للتنصل منها واكالة المديح الكبير للسيستاني. مع ذلك يُلاحظ ان الوضع بين ايران والمرجعية غامض منذ اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، وان العراق يشهد اخطر مرحلة شد حبال إيرانية اميركية في الوقت الراهن.
وأخيرا ما الذي يجري في سوريا؟ برغم الكلام الكثير عن قرب انسحاب القوات الأميركية من سوريا، الا ان شهر أيلول/سبتمبر شهد تعزيزات عسكرية أميركية واتفاقية نفطية بين شركات اميركية والكرد، وسط مخاوف من عمليات تنفذها مجموعات عشائرية ضدها بدعم من سوريا وإيران.

ليس معروفا بعد ما اذا كانت اميركا ستنسحب فعلا من سوريا وبأي ثمن، لكن في المجالين العراقي والسوري، ثمة نظرية تقول ان اميركا قد تنسحب، اما لكي تعود بغارات عسكرية دقيقة وتجنّب قواعدها ردا انتقاميا، أو لان شبح داعش سيتجدد وتنبعث الخلايا النائمة لإحراج ايران وسوريا وحزب الله وصولا الى روسيا، أم بفضل اتفاق ضمني مع روسيا والأتراك.. في جميع الأحوال فان الشهور المقبلة ستشهد توترات امنية لافتة.

كل ما تقدم يشير الى ان المنطقة على صفيح ساخن، وان الحروب الصغيرة محتملة جدا، حتى ولو تم استبعاد حرب كبيرة لان لا أحد قادرا اليوم على تحمّل تبعاتها الكوارثية، ثم لان إسرائيل تربح في الزمن الحالي اكثر مما ربحته في الحروب لجهة توسيع جبهة التطبيع العربية.

180 بوست