الخميس , أكتوبر 29 2020
شاحنات

“شاحنات الموت” في الباب السورية… لعبة استخباراتية تركية؟

“شاحنات الموت” في الباب السورية… لعبة استخباراتية تركية؟

عبد الله سليمان علي

تفجير جديد شهدته، الثلثاء الماضي، مدينة الباب في ريف حلب الشمالي. حدث يكاد يصبح اعتيادياً وسط تكرار عمليات التفجير الذي تهزّ المدينة بين الحين والآخر. وفيما تراق دماء الأبرياء على قارعة الطرق بسبب ما بات يسمى بـ”شاحنات الموت”، تبرز تساؤلات عدّة حول دور أجهزة الأمن التركية في حماية مدينة تحتلها منذ عام 2017، وعما بقي من استراتيجية “المناطق الآمنة” التي اتبعتها أنقرة على مدى السنوات الماضية من أجل قضم مدن وبلدات في الشريط الحدودي مع سوريا، بذريعة توفير بيئة آمنة لعودة النازحين من تركيا إلى ديارهم بحسب ادعاءاتها.

ووقع تفجير ضخم، تبين لاحقاً أنه ناجم عن شاحنة مفخخة، يوم الثلثاء الماضي، بالقرب من الباب الخلفي لكاراج الانطلاق وسط مدينة الباب في ريف حلب الشمالي، حاصداً نحو 19 قتيلاً من المدنيين وحوالي 90 جريحاً، كما أدّى التفجير إلى سقوط مبنيين في محيط مكان الحادث وتضرر سبع سيارات وثمانية مبانٍ أخرى.

ويعتبر هذا التفجير الثاني من نوعه الذي يستهدف المدينة خلال شهر تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، حيث كان تفجير آخر قد استهدف حاجزاً للشرطة في أحد مداخل المدينة متسبباً بمقتل ثلاثة عناصر من “الشرطة الحرة” التابعة لما يسمى “الجيش الوطني” المدعوم تركياً.

ويذكّر تفجير الثلثاء من حيث ضخامته وعدد القتلى الذين سقطوا بسببه، بتفجير آخر استهدف مدينة الباب في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، وأدى إلى مقتل 18 شخصاً وإصابة عشرات آخرين. وبين هذين التفجيرين استهدفت تفجيرات أخرى أقل خطورة مناطق مختلفة من مدينة الباب، كان أهمها تفجيرين حدثا خلال أسبوع واحد من شهر أيار (مايو) الفائت.

وسارعت أنقرة وهياكل المعارضة السورية والفصائل المسلحة التابعة لها إلى إدانة التفجير، موجهة أصابع الاتهام إلى ثلاث جهات: النظام السوري، وحدات حماية الشعب الكردية، والميليشيات التابعة لإيران، ويضيف البعض خلايا تنظيم “داعش” إلى قائمة المتّهمين.

غير أن اتهامات أنقرة ومن يدور في فلكها، لم تعد تنطلي على الشارع في مدينة الباب، الذي بات يجد أن هذه الاتهامات هي مجرد وسيلة لرفع المسؤولية عن عاتق أجهزة الأمن التركية وعناصر “الشرطة الحرة” التي يفترض أن تركيا قد دربتها من أجل الإمساك بالأمن في المناطق التي تحتلها.

وتعبيراً عن ذلك، خرج الشارع في مدينة الباب في أعقاب تفجير تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، في تظاهرات ضخمة تنديداً بحالة الانفلات الأمني، حيث تتحمل المسؤولية تركيا وشركاؤها في إدارة الملف الأمني للمدينة. وقد اضطرت أجهزة الأمن التركية وعناصر الشرطة الحرة إلى استخدام العنف والغاز المسيل للدموع لتفريق تلك التظاهرات ومنع تحولها إلى تمرد واسع ضدها.

وتأكيداً لحالة الغضب الشعبي جراء استهتار تركيا بأمن المدينة وعجز أجهزتها والشرطة المحلية التابعة لها عن حماية المدنيين ومنع التفجيرات المتنقلة من استهدافهم، فقد شهدت مدينة الباب، صباح الأربعاء الماضي، إضراباً عاماً “تمثل بإغلاق كل المحال التجارية، احتجاجاً على استهتار الفصائل والقوى الأمنية على حواجزها، والتي تسببت يوم الثلثاء بمقتل وجرح العشرات من المدنيين بانفجار سيارة مفخخة في المدينة”، كما نقل المرصد السوري لحقوق الإنسان المعارض.

ولم يخف بعض النشطاء شكوكهم في كون أنقرة متورطة، أو على الأقل متواطئة من خلال غض الطرف، في عمليات التفجير التي تستهدف معظم مناطق احتلالها، بدءاً من عفرين ومروراً بالباب وإعزاز وانتهاءً بتل أبيض ورأس العين. وسبب ذلك بحسب هؤلاء النشطاء، أن سياسة أنقرة تقوم على إبقاء التنافس والتصارع بين الفصائل المحسوبة عليها من أجل منعها من بلوغ درجة من القوة تخوّلها الاستغناء عن الدعم التركي، وبالتالي أصبح الهمّ الرئيسي لهذه الفصائل هو التركيز على تجارة المعابر وتهريب الأشخاص وتجارة السلاح، ولو أدى ذلك إلى اتساع حالة الاختراق الأمني التي تعاني مناطقها منها.

وفي هذا السياق، أكد ناشط سوري معارض لـ”النهار العربي”، أن الحواجز التي تقيمها الفصائل في مداخل مدينة الباب وفي كل شوارعها، هي حواجز يمكن شراؤها بسهولة، حيث يمكن لأي سائق شاحنة أن يعبر عن أي حاجز إذا دفع مبلغ 1000 دولار، ولا يهم بعد ذلك إن كانت سيارته تحمل خضاراً أو متفجرات.

وقال الناشط الذي رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، كونه في مدينة إدلب ويخشى من اعتقاله من قبل أجهزة الأمن التركية، “إن هذه السياسة التركية هي واحدة من الأدوات التي تستخدمها الاستخبارات التركية من أجل دفع الناس إلى الالتحاق بمشاريعها التوسعية، وإجبارهم على القبول بالانضمام إلى جيوش مرتزقتها، متّكلةً على أن الخوف سيدفع عدداً كبيراً منهم للتفكير بالتخلص من واقعهم المأسوي، سواء على الصعيد الأمني أو الاقتصادي”.

وكتب حساب Ishar damu على “تويتر” والذي يعرف عن نفسه بأنه سوري مستقل ضد جميع التيارات الدينية، أن “تركيا بحكم أنها تحتل المنطقة رسمياً، هي المسؤولة عن توفير الأمن لسكانها وضبط الفوضى فيها، وليس ميليشياتها التي لا تجيد سوى السرقة والنهب”، معتبراً أن إلقاء اللوم على هذه الميليشيات فقط هي “محاولة فاشلة لتبرئة تركيا وإعفائها من المسؤولية”.

ولم تقتصر حالة الشك بالدور التركي على النشطاء ومناهضي التيارات الدينية فحسب، بل امتدت حتى وصلت إلى “حزب التحرير” الذي يعتبر من الأحزاب الإسلاموية القديمة في المنطقة. فقد تساءل ناصر شيخ عبد الحي أحد أعضاء الحزب في مدينة إدلب، كما يعرّف عن نفسه على حسابه الشخصي على “فيسبوك”: “أليست هذه التفجيرات المتلاحقة، تحت سمع وبصر من تسلطوا على هذه الأمة من قيادات وفصائل ومخابرات تركية، هي للدفع بالناس لعيش حالة الرعب والقلق والخوف الدائمة، لدفعهم دفعاً ليقبلوا بما يُملى عليهم من حلول استسلامية يسمونها “سياسية”!”. وأشار إلى ما يمثله ذلك من “تكامل للأدوار، وتناغم واضح مع ما تقوم به هيئة تحرير الشام وحكومتها “الإنقاذ” في مناطق تسلطهما على الأمة أيضاً في إدلب، وما تتبعه من زعرنات أمنية متواصلة وتضييق اقتصادي ممنهج على الناس، ما يؤكد أن المعلم الذي يوزع الأدوار على الأدوات في طرفي المحرر واحد، وهو النظام التركي”.

النهار العربي