الإثنين , نوفمبر 23 2020
كرة نار الساحل السوري... هل من أدوار لتركيا وإيران و"داعش"؟

كرة نار الساحل السوري… هل من أدوار لتركيا وإيران و”داعش”؟

 

كرة نار الساحل السوري… هل من أدوار لتركيا وإيران و”داعش”؟

لم تعد الحرائق التي تشتعل في مناطق شاسعة من الساحل السوري مجرد حوادث عرضيّة تهدد البيئة والثروة النباتيّة، فحسب، بل ذهب البعض إلى إعطائها أبعاداً أوسع من ذلك بكثير تمتد إلى الأمن والسياسة والفساد.

وقد عاشت مدن وقرى الساحل السوري ليلة عصيبة أمس، بلغت ذروتها مع إعلان مسؤول محلي في مدينة اللاذقية أن النيران الممتدة يمكن أن تكرر انفجار مرفأ بيروت بعد أن اقتربت من المصرف الزراعي في بلدة الحفّة في ريف اللاذقية الذي يحتوي على ما يقارب من مئة وخمسين طناً من مادة نترات الأمونيوم.

وقد سارع المسؤول نفسه (رئيس بلدية الحفة رائد إبراهيم) إلى طمأنة المواطنين لاحقاً عبر تأكيده أنه تم إرسال 4 سيارات إطفاء إلى الحفة لإبعاد النيران عن المصرف الزراعي، مشيراً إلى أن الوضع في محيط المصرف بات جيداً وآمناً. وأشار إبراهيم، إلى أن “الوضع في محيط المصرف بات تحت السيطرة بعد محاصرة الحريق، وتبريد المصرف والمستودع الذي يحتوي على أسمدة الأمونيا القابلة للانفجار”، منوهاً ببقاء سيارة أطفاء مستنفرة عند مقر المصرف في حال حصول أي طارئ.

لكن القلق امتد بمثل سرعة امتداد النيران، لا سيما أن الأخيرة اقتربت في نقاط عدة من المباني السكنية في بعض القرى واضطرت الأهالي إلى النزوح، ليدخل هذا المصطلح في الاستخدام اليومي في مناطق كانت معتادة على استقبال النازحين من مناطق المعارك والاشتباكات المسلحة.

بينما كان الأخطر هو تهديد النيران بعض المستشفيات القريبة من أماكن انتشارها، مثل مستشفى الحفة المخصص لعزل المصابين بفيروس كورونا، حيث اضطرت السلطات إلى إخلاء ثلاث حالات حرجة ونقلها إلى أماكن مناسبة في مستشفيات أخرى، مؤكدةً عدم وجود ضرورة في الوقت الحالي لإخلاء جميع الحالات، وفي حال استدعت الضرورة ذلك فهناك جاهزية تامة لنقلهم.

كذلك اضطرت مديرية الصحة أن تخلي مستشفى القرداحة من المرضى عبر سيارات الإسعاف وتأمينهم في مستشفى جبلة حرصاً على سلامتهم نظراً الى امتداد حرائق ريف اللاذقية في منطقة القرداحة ووصول النيران إلى أسوار المستشفى وانتشار الدخان الشديد فيها.

مقالات مشابهة :  لافروف يدخل الحجر الصحي

أما أرزاق الناس وبخاصة موسم الزيتون الذي كان على أبواب القطاف، فقد ترك جرحاً عميقاً في نفوس الفلاحين ممن كانوا يراهنون عليه للتمكن من مواجهة ظروف المعيشة القاسية، فالتهمته النيران أمام أنظارهم لتطيح بالقشّة الأخيرة التي كانوا يتعلقون بها للنجاة من مستنقع العوز والحاجة.

مدن الساحل السوري التي عانت من حصار المعارك لمناطقها طوال سنوات، وكانت مهددة بانتقالها إلى عقر دراها خصوصاً عام 2015 مع سيطرة “جيش الفتح” على محافظة إدلب، لم تسلم من غضب آخر قرر أن يحاصرها على شكل سلسلة نارية تلتهم الأخضر واليابس.

وأمام هول الكارثة وعدم القدرة على استيعاب ما حصل مع رؤية النيران تشوّه خلال ساعات معدودة وجه المنطقة مستهدفة أجمل مناطقها ذات الكثافة الشجرية والمتعانقة مع شاطئ البحر، كثرت الروايات عن خلفيات وأسباب هذه الحرائق وعن الجهات المسؤولة عنها وعما إذا كانت هذه الحرائق مجرد غضب طبيعي جراء حرارة الشمس المرتفعة أم وراء الأكمة ما وراءها من إرهاب أو فساد؟.

وقد كان لمنشور كتبه عالم المناخ السوري رياض قرة فلاح على صفحته الرسمية على موقع “فايسبوك” تأثير كبير في تغليب فكرة أن الحرائق ليست طبيعية، بل مفتعلة، وأن فاعلاً أو مجموعة من الفاعلين تقف وراءها. وذكر أستاذ المناخ في قسم الجغرافيا الحائز على شهادة الدكتوراه من جامعة ألمانية،

قائلاً: “من وجهة نظري أن الحرائق قام بها شخص أو مجموعة أشخاص، أو جهة (مثقفة ومتعلمة) تتابع حالات الطقس وتفهم تماماً الأحوال الجوية التي تساعد فيها الرياح على حدوث أكبر امتداد للحرائق، وهي بذلك تدرك جيداً ما تفعل. علماً أن هذا يحصل للمرة الثانية خلال شهر، وبالظروف الطقسية نفسها، والأهم من ذلك في أماكن جديدة لم تطاولها الحرائق المرة السابقة”.

وأضاف قرة فلاح: “عموماً تفيد الإحصاءات العالمية بأنه من بين كل 100 حريق هناك 4 حرائق فقط قد يكون الطقس سببها وأهم أسبابها الصواعق – ونحن لسنا في الشتاء – يمكن أن ندرك أن من قام بالحريق – من وجهة نظري – فرد أو أفراد حاقدون مدركون لما لهذا الأمر من تبعات كارثية بيئية واقتصادية وسياحية، ولا يمكن مطلقاً أن نعزو السبب بناء على المعطيات السابقة للأسباب الصغيرة مثل توسيع أراضٍ زراعية على حساب الأحراج أو لغايات التفحيم، أو أي سبب آخر صغير كهذه الأسباب، أو أن نتوكل ونتهم الحرارة المرتفعة والرياح الحارة في شكل مباشر، بينما هي في الحقيقة عامل مساعد في اندلاع أوسع للحرائق وليست المسبب الأول لها”.

مقالات مشابهة :  طيران مجهول يُغير على الحدود السورية العراقية أثناء جولة قيادي بالحرس الثوري

وقد لاقى كلام قرة قلاح رواجاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي مانحاً مناصري فكرة الحرائق المفتعلة تفسيراً علمياً من شأنه أن يسند وجهة نظرهم ويعززها بقوة العلم والبراهين.

ولم يستبعد الناشط السوري غسان جديد المعروف بمواقفه الحادّة ضد سلوكيات الفساد الحكومي في سوريا وسعيه إلى كشفها، أن تكون خلايا تنظيم “داعش” هي من تقف وراء اندلاع سلسلة الحرائق الساحليّة، وقال إن “داعش” الذي هدد بالردّ على خسارته العسكرية، يقوم بتنفيذ تهديده لكن ليس عبر الاغتيالات والتفجيرات التي أوهمنا بها لأن كل ما يحتاجه “شعلة يتم رميها بسهوله من أي شخص يعيش بيننا”،

مضيفاً أن “هذه هي حرب الحرائق في الساحل وليس الموضوع موضوع حطب ولا تفحيم ولا الاستيلاء على اراضٍ محروقه واستملاكها”. وختم منشوره على صفحته على “فايسبوك” بالقول: “نحن نواجه داعش بأسلوب تخريبي آخر، هم حددوه وينفذونه”، في عبارة فضفاضة تحتمل أكثر من تأويل.

أما عضو مجلس الشعب السابق والصحافي السوري المعروف نبيل صالح، فقد حوّل وجهة الاتهام صوب أنقرة، معتبراً “ما يحصل على صعيد الحرائق ما هو إلا الخطة “باء” التي يسلكها الأعداء لإضعاف الخزان الرئيسي الذي يرفد الجيش بالمقاتلين”، وشدد على أن “الخطر يتمثل في قيام أعدائنا بنقل الهجوم إلى مصادر مياه الشرب كمقدمة لحرب جرثومية تقوم بها تركيا العثمانية” مؤكداً أنه “يبني موقفه بناء على رصد غرباء ملثمين على درّاجات نارية حيث تشتعل الغابات بعد مرورهم فيها”.

مقالات مشابهة :  حزن وعنف وزلازل.. إليكم توقعات كارمن شماس لتشرين الثاني

في المقابل، كانت شخصيات معارضة تقدم تفسيرات مختلفة للحرائق التي اندلعت في الساحل السوري وأسفرت عن مقتل شخصين واختناق أكثر من عشرين، وأغرب هذه التفسيرات ما ذهب إليه فراس طلاس نجل وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس، حيث اعتبر أن “هذه الحرائق التي تشهدها أرياف طرطوس واللاذقية مفتعلة ولكن الهدف منها هو الضغط على روسيا”.

وذكر فراس طلاس في منشور على صفحته الشخصية على موقع “فايسبوك” أنه حصل على تسريب يؤكد أن حرائق غرب سوريا ناجمة عن اتفاق بين إيران والنظام السوري هدفه الضغط على الروس عنوانها، “الأسد أو نحرق البلد حتى فوق رؤوسكم”. ولم يوضح طلاس لماذا لم تسارع موسكو إلى استخدام مروحياتها وطائراتها من أجل إخماد الحرائق لمنع الضغوط من تحقيق أهدافها، وتقاعس روسيا عن المساهمة في إخماد الحرائق كان محل انتقاد واسع من قبل الشارع السوري.

وفيما تظلّ كل هذه الاتهامات في خانة الفرضيات إلى أن يتم إثباتها، تواصل فرق الإطفاء عملها ساعية إلى إخماد لهيب الحرائق من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وقد أعلن قائد فوج الإطفاء في اللاذقية الرائد مهند جعفر أنه تمّ إخماد أكثر من 100 حريق في المناطق التي اندلعت فيها النيران خلال اليومين السابقين.

وقال جعفر، إن “الوضع اليوم أفضل بكثير من أمس”، وفق ما نقلت عنه صحيفة “الوطن” السورية، مضيفاً: “من الحفة إلى القرداحة وجبلة، جميع المناطق اليوم تعدّ في حالة جيدة مقارنة بوضعها يوم أمس لناحية امتداد الحرائق فيها مع تقلبات الطقس واشتداد الرياح الشرقية”.

النهار العربي-عبدالله سليمان علي

اقرأ ايضاً: المشهد لايزال ناري في القرداحة.. إخلاء مشفى القرداحة وانهيار مستودع تابع للتبغ